باسيل بين «الظِلّ والضوء» يلعبها… «صولد»

المصدر: الراي الكويتية
18 حزيران 2022

عد أقلّ من خمسة أشهر تنتهي ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون. كان يفترض بالنسبة إلى «التيار الوطني الحر»، أن يطوى عهد عون، ليبدأ عهد رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، وهو خَلَفَ عون في رئاسة «التيار» رئيساً بلا منازع، بنظامٍ داخلي دارتْ حوله إشكالاتٌ كثيرة، أدت إلى ابتعاد تياريين وقياديين بسبب مركزية النظام حول شخص رئيسه. وباسيل كان «مرشحاً» لرئاسة الجمهورية حتى قبل أن يصبح عون في قصر بعبدا، ويُفْشي في أيامه الرئاسية الأولى أنه يُعِدّ خليفته.

قيلت في باسيل صفات كثيرة وألقاب أكثر. نُعت بالصهر المدلل، وبرئيس الظلّ، بعدما أصبح عون رئيساً للجمهورية. عيّره خصومه على مواقع التواصل بقصر قامته، وتداولوا صورتَه ضاحكاً بقوة. قيل فيه إنه «بلطجي العهد» و«حرتقجي»، ووصفه رئيس البرلمان نبيه بري بأنه «برغوت» واتهمه المستقبل بالكذب، وقال أحد وزراء «القوات اللبنانية» يوماً إنه «حفّار قبور».

في المقابل يدافع عنه مُحبّوه بشراسة ويصفونه بأنه «الشريف الذي لا غبار على كفه»، و«البطل الذي لا تقهره الحروب» و«القائد الذي لا بديل عنه»، ليختم عون أوصاف باسيل باختصار… إنه «تربيته».

قد يكون باسيل من أكثر الذين حصدوا انتقادات في الأعوام الأخيرة، وهوجم شخصياً وسياسياً. اتُّهم بالثراء الفاحش وبتهريب الأموال، وبأنه استفاد من هنْدسات مالية مصرفية، واتُّهم بشراء أراضٍ في مسقطه في منطقة البترون، وبأنه يملك طائرة خاصة، ودَخل في مشاريع استثمارية خلال توليه وزارة الطاقة. أَطْلَقَ عليه ثوار 17 أكتوبر 2019 أغنيات وأهازيج ظلت متداوَلة لأشهر طويلة. وكان يرفض على الدوام كل الاتهامات ولسان حاله أن ثروته المحدودة نابعة من عمله كمهندس، وعائلته ثرية وأن أصدقاء له يؤمّنون رحلاته الخارجية، ويهزأ بكل الاتهامات التي تناولتْه حول تورطه بشبهات فساد.

إبن بلدة البترون الشمالية الساحلية، عمُّه كان رئيس بلدية البترون أقرب ما يكون إلى «تيار المردة» برئاسة سليمان فرنجية في الشمال. تلميذ الجامعة الأميركية، حائز على شهادة الهندسة المدنية، تزوّج إبنة عون شانتال بعد تسعة أعوام من نفي الرجل إلى باريس مع عائلته. إلا أن صهر الجنرال، لم يَبْرُزْ بقوة إلا بعد عودة عون من باريس عام 2005. فسطوة عون كانت شاملة إلى الحد الذي لم يكن ممكناً بروز قيادات في ظله حتى من أقرب المقربين إليه.

رغم أن باسيل هو الصهر الثالث لرئيس الجمهورية، بعد شامل روكز الذي كان ضابطاً ودَعَمَهُ عون بقوة كي يكون قائداً للجيش وفشل، ومن ثم دعمه ليكون نائباً في الدورة السابقة (2018 – 2022)، كما دعم صهره الآخَر روي الهاشم الذي سلّمه إدارة تلفزيون “OTV”، إلا أن باسيل حظي بالاهتمام الذي لم يحصل عليه أي فرد آخر من عائلةٍ مكوّنة من ثلاث بنات. ويقال إن زوجة عون ناديا الشامي هي التي تبنّت باسيل ودعمتْه لدى زوجها. لكن عون بحسب المقربين منه كان هو الذي اختاره بعناية لأنه أثبت إخلاصه له.

لا يُسأل باسيل عن عون إلا ويقول إنه هو المرجعية الأولى والأخيرة، ولو كان هو طابخ العملية السياسية من الألف إلى الياء. وعون الذي رأى في باسيل الصبي الذي لم يُرزق به، لا ينفك يردد ثقته العمياء به. ونادرة هي المحطات التي لم يأخذ فيها برأيه ولم يتماهيا فيها، رغم أن عون يملك من مساحة الحرية والحركة الكثير، ويتخذ القرار النهائي بنفسه.

لكن بين عون في باريس وصولاً الى عون في الرابية (دارته قبل الرئاسة) ومن ثم بعبدا (القصر الجمهوري) اختلافاتٌ كثيرة. وقد نجح باسيل في مرحلة الرابية أي بعد عودة عون من باريس في ترْك مساحة بينه وبين محبي الجنرال والمحيطين به، لكنه مع ذلك كان يملك في الرابية آذاناً صاغية، ويملك أيضاً عيوناً فيها. كان يعرف كل شيء في الرابية ويخبر عون كل ما في خارج أسوارها في المقابل.

في القصر الرئاسي تَغَيَّرَتْ الأحوال، ورأى عون في باسيل أنه الرجل الذي ساهم في إيصاله إلى بعبدا، وهو يراه ينضج سياسياً ويكبر تحت جناحيه. وصل الرئيس مع بناته إلى القصر، لكن مَن بقي فيه من العائلة كان باسيل، إضافة إلى زوجة الجنرال ناديا. خرجت ميراي كمستشارة أولى، وخرج شامل روكز وكلودين عون التي حافظت على بعض من وجودها كرئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، علماً أنها كانت مديرة مكتب عون في الرابية. وبقي جبران الآمر الناهي في القصر الذي تحوّل فريق عون الرئاسي فيه إلى فريقه الخاص.

خمسة أعوام ونيف، أمضاها باسيل يراكم العداوات في بعبدا، وفي «التيار الوطني» فيما كان يُنتظر من المرشح الرئاسي أن يُراكِمَ التحالفات. فبعد سقوط مبادرة الرئيس سعد الحريري بترشيح النائب السابق سليمان فرنجيه للرئاسة عام 2016 تَفاقَمَ الخلافُ بين «المردة» و«التيار»، ومن ثم أسقط باسيل ورقةَ التفاهم مع «القوات اللبنانية» التي ساهمت في إيصال عون إلى بعبدا.

وأدت انتفاضة 17 أكتوبر إلى زيادة عزلة باسيل سياسياً بعدما تركّز الهجوم عليه وخصوصاً انه كان هدّد بعد لقاء مطوّل مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله قبيل اندلاع الإحتجاجات بقلْب الطاولة. ولم يكد الرئيس الحريري يقدّم استقالة حكومته بعد التظاهرات حتى اندلع الخلاف مجدداً مع باسيل وتحوّلت التسوية التي أتت بعون والحريري إلى السلطة عداء. حتى بكركي صارت على خلاف معه، وحاول البطريرك مار بشارة بطرس الراعي توجيه رسائل امتعاض من سياسة العهد وسياسة التيار، بدعواته تارةً إلى الحياد وتارة أخرى إلى تحرير الشرعية وإلى تدويل القضية اللبنانية. وراكَمَ باسيل خصوماته فابتعد عن قائد الجيش جوزف عون وخصوصاً في مرحلة 17 أكتوبر ومحاولة الجيش البقاء على الحياد وعدم قمع المتظاهرين وفتح الطرق بالقوة.

بين انتفاضة 17 أكتوبر 2019 ومن ثم إنفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، انهالت الضغوط على باسيل، ووُضعت عليه عقوبات أميركية، وهددت فرنسا أكثر من مرة بعقوبات عليه وعلى مقربين منه، ولم تكن القيادات الفرنسية ودّيةً معه في محطات عدة. وزاد الاحتقان الداخلي ضده وضد العهد بعد الانهيار المالي – الإقتصادي الشامل، فحُمِّل مسؤولية التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رغم محاولاته لاحقاً نفي مسؤوليته والمطالبة بإقالته واستنفار القضاء ضده.

رغم أن احتجاجات 17 أكتوبر انفجرت بوجه جميع القيادات السياسية إلا أن حصة باسيل كانت أكبر في الهجوم المباشر عليه، وحُمِّل كثيراً من المسؤوليات عن سياساتٍ لم يكن التيار موجوداً فيها، على غرار الأطراف الأخرى التي يحلو له تسميتها بـ «المنظومة». لكن استفزاز باسيل وطريقته الهجومية، جعلتا منه قبلة أنظار المتظاهرين. وهو خلال عامين ضاعف من هجوماته إلى الحدّ الذي أصبح مستفرَداً، كما حصل أخيراً، فلم يعد لديه من حليف سوى «حزب الله».

ورغم أنه حاول، لأسباب تتصل بـ «المزاج المسيحي» توجيه رسائل إلى «حزب الله» حول ورقة التفاهم بينهما (2006) والحاجة إلى تصحيحها، إلا أن ثمة مَن يقول إنه ما زال أسير الحزب انتخابياً ورئاسياً. كما أعطى إشارات حول فتْح بعض الخطوط الجانبية سواء في اتجاه الحريري وفرنجية أو تجاه سورية. لكن الأبواب ما زالت موصدة في وجهه. فالانتخابات الأخيرة أثقلتْه بعدما حقق فوزاً بطعْم الهزيمة. وهو خسر ولم يُهزم، واحتاج إلى «حزب الله» وسواه في أكثر من دائرة لإنقاذ «شرعيته الشعبية» وخصوصاً أن نِسَب التصويت في البيئات المسيحية لم تصبّ لمصلحة تياره، وهو الذي كان يحتاج إلى تحقيق نصر كبير فيها من أجل الإبقاء على أكثريته النيابية. لكن العثرات أمامه تبدو كثيرة وصعبة ولا يمكن تخطيها في غضون الأشهر الفاصلة عن الإنتخابات الرئاسية. ومن الصعب أن يتمكن من تخطيها بعد فشل كثير من الطروحات التي قدّمها خلال الأعوام الماضية، من التوجه شرقاً إلى شعار المشرقية الذي ينطوي ضمناً على «تحالف الأقليات». وفوق كل ذلك ما زال يلاقي معارضةً داخل التيار رغم أنه استطاع القبض عليه بحزم شأنه شأن كل رؤساء الأحزاب، فأبعد المعارضين وقرّب الطيّعين ورجال الأعمال إليه.

أمام باسيل تحديات لا يُستهان بها، لا لضمان حظوظٍ معقولة للوصول إلى الرئاسة الأولى بل للبقاء أحد المرشحين الأقوياء رغم سعيه لاحتجازِ عملية تشكيل الحكومة الجديدة التي يخضع تأليفها لمعايير بالغة الدقة كونها ترتبط بالملف الأكثر سخونة والمتصل بالانتخابات الرئاسية… فهو، أي باسيل – خسر حتى الآن كثيراً من الأوراق، ويحتاج إلى كثير من المُتَغَيِّرات كي يستطيع حقاً قلْب الطاولة.

باسيل بين «الظِلّ والضوء» يلعبها… «صولد»

المصدر: الراي الكويتية
18 حزيران 2022

عد أقلّ من خمسة أشهر تنتهي ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون. كان يفترض بالنسبة إلى «التيار الوطني الحر»، أن يطوى عهد عون، ليبدأ عهد رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، وهو خَلَفَ عون في رئاسة «التيار» رئيساً بلا منازع، بنظامٍ داخلي دارتْ حوله إشكالاتٌ كثيرة، أدت إلى ابتعاد تياريين وقياديين بسبب مركزية النظام حول شخص رئيسه. وباسيل كان «مرشحاً» لرئاسة الجمهورية حتى قبل أن يصبح عون في قصر بعبدا، ويُفْشي في أيامه الرئاسية الأولى أنه يُعِدّ خليفته.

قيلت في باسيل صفات كثيرة وألقاب أكثر. نُعت بالصهر المدلل، وبرئيس الظلّ، بعدما أصبح عون رئيساً للجمهورية. عيّره خصومه على مواقع التواصل بقصر قامته، وتداولوا صورتَه ضاحكاً بقوة. قيل فيه إنه «بلطجي العهد» و«حرتقجي»، ووصفه رئيس البرلمان نبيه بري بأنه «برغوت» واتهمه المستقبل بالكذب، وقال أحد وزراء «القوات اللبنانية» يوماً إنه «حفّار قبور».

في المقابل يدافع عنه مُحبّوه بشراسة ويصفونه بأنه «الشريف الذي لا غبار على كفه»، و«البطل الذي لا تقهره الحروب» و«القائد الذي لا بديل عنه»، ليختم عون أوصاف باسيل باختصار… إنه «تربيته».

قد يكون باسيل من أكثر الذين حصدوا انتقادات في الأعوام الأخيرة، وهوجم شخصياً وسياسياً. اتُّهم بالثراء الفاحش وبتهريب الأموال، وبأنه استفاد من هنْدسات مالية مصرفية، واتُّهم بشراء أراضٍ في مسقطه في منطقة البترون، وبأنه يملك طائرة خاصة، ودَخل في مشاريع استثمارية خلال توليه وزارة الطاقة. أَطْلَقَ عليه ثوار 17 أكتوبر 2019 أغنيات وأهازيج ظلت متداوَلة لأشهر طويلة. وكان يرفض على الدوام كل الاتهامات ولسان حاله أن ثروته المحدودة نابعة من عمله كمهندس، وعائلته ثرية وأن أصدقاء له يؤمّنون رحلاته الخارجية، ويهزأ بكل الاتهامات التي تناولتْه حول تورطه بشبهات فساد.

إبن بلدة البترون الشمالية الساحلية، عمُّه كان رئيس بلدية البترون أقرب ما يكون إلى «تيار المردة» برئاسة سليمان فرنجية في الشمال. تلميذ الجامعة الأميركية، حائز على شهادة الهندسة المدنية، تزوّج إبنة عون شانتال بعد تسعة أعوام من نفي الرجل إلى باريس مع عائلته. إلا أن صهر الجنرال، لم يَبْرُزْ بقوة إلا بعد عودة عون من باريس عام 2005. فسطوة عون كانت شاملة إلى الحد الذي لم يكن ممكناً بروز قيادات في ظله حتى من أقرب المقربين إليه.

رغم أن باسيل هو الصهر الثالث لرئيس الجمهورية، بعد شامل روكز الذي كان ضابطاً ودَعَمَهُ عون بقوة كي يكون قائداً للجيش وفشل، ومن ثم دعمه ليكون نائباً في الدورة السابقة (2018 – 2022)، كما دعم صهره الآخَر روي الهاشم الذي سلّمه إدارة تلفزيون “OTV”، إلا أن باسيل حظي بالاهتمام الذي لم يحصل عليه أي فرد آخر من عائلةٍ مكوّنة من ثلاث بنات. ويقال إن زوجة عون ناديا الشامي هي التي تبنّت باسيل ودعمتْه لدى زوجها. لكن عون بحسب المقربين منه كان هو الذي اختاره بعناية لأنه أثبت إخلاصه له.

لا يُسأل باسيل عن عون إلا ويقول إنه هو المرجعية الأولى والأخيرة، ولو كان هو طابخ العملية السياسية من الألف إلى الياء. وعون الذي رأى في باسيل الصبي الذي لم يُرزق به، لا ينفك يردد ثقته العمياء به. ونادرة هي المحطات التي لم يأخذ فيها برأيه ولم يتماهيا فيها، رغم أن عون يملك من مساحة الحرية والحركة الكثير، ويتخذ القرار النهائي بنفسه.

لكن بين عون في باريس وصولاً الى عون في الرابية (دارته قبل الرئاسة) ومن ثم بعبدا (القصر الجمهوري) اختلافاتٌ كثيرة. وقد نجح باسيل في مرحلة الرابية أي بعد عودة عون من باريس في ترْك مساحة بينه وبين محبي الجنرال والمحيطين به، لكنه مع ذلك كان يملك في الرابية آذاناً صاغية، ويملك أيضاً عيوناً فيها. كان يعرف كل شيء في الرابية ويخبر عون كل ما في خارج أسوارها في المقابل.

في القصر الرئاسي تَغَيَّرَتْ الأحوال، ورأى عون في باسيل أنه الرجل الذي ساهم في إيصاله إلى بعبدا، وهو يراه ينضج سياسياً ويكبر تحت جناحيه. وصل الرئيس مع بناته إلى القصر، لكن مَن بقي فيه من العائلة كان باسيل، إضافة إلى زوجة الجنرال ناديا. خرجت ميراي كمستشارة أولى، وخرج شامل روكز وكلودين عون التي حافظت على بعض من وجودها كرئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، علماً أنها كانت مديرة مكتب عون في الرابية. وبقي جبران الآمر الناهي في القصر الذي تحوّل فريق عون الرئاسي فيه إلى فريقه الخاص.

خمسة أعوام ونيف، أمضاها باسيل يراكم العداوات في بعبدا، وفي «التيار الوطني» فيما كان يُنتظر من المرشح الرئاسي أن يُراكِمَ التحالفات. فبعد سقوط مبادرة الرئيس سعد الحريري بترشيح النائب السابق سليمان فرنجيه للرئاسة عام 2016 تَفاقَمَ الخلافُ بين «المردة» و«التيار»، ومن ثم أسقط باسيل ورقةَ التفاهم مع «القوات اللبنانية» التي ساهمت في إيصال عون إلى بعبدا.

وأدت انتفاضة 17 أكتوبر إلى زيادة عزلة باسيل سياسياً بعدما تركّز الهجوم عليه وخصوصاً انه كان هدّد بعد لقاء مطوّل مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله قبيل اندلاع الإحتجاجات بقلْب الطاولة. ولم يكد الرئيس الحريري يقدّم استقالة حكومته بعد التظاهرات حتى اندلع الخلاف مجدداً مع باسيل وتحوّلت التسوية التي أتت بعون والحريري إلى السلطة عداء. حتى بكركي صارت على خلاف معه، وحاول البطريرك مار بشارة بطرس الراعي توجيه رسائل امتعاض من سياسة العهد وسياسة التيار، بدعواته تارةً إلى الحياد وتارة أخرى إلى تحرير الشرعية وإلى تدويل القضية اللبنانية. وراكَمَ باسيل خصوماته فابتعد عن قائد الجيش جوزف عون وخصوصاً في مرحلة 17 أكتوبر ومحاولة الجيش البقاء على الحياد وعدم قمع المتظاهرين وفتح الطرق بالقوة.

بين انتفاضة 17 أكتوبر 2019 ومن ثم إنفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، انهالت الضغوط على باسيل، ووُضعت عليه عقوبات أميركية، وهددت فرنسا أكثر من مرة بعقوبات عليه وعلى مقربين منه، ولم تكن القيادات الفرنسية ودّيةً معه في محطات عدة. وزاد الاحتقان الداخلي ضده وضد العهد بعد الانهيار المالي – الإقتصادي الشامل، فحُمِّل مسؤولية التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رغم محاولاته لاحقاً نفي مسؤوليته والمطالبة بإقالته واستنفار القضاء ضده.

رغم أن احتجاجات 17 أكتوبر انفجرت بوجه جميع القيادات السياسية إلا أن حصة باسيل كانت أكبر في الهجوم المباشر عليه، وحُمِّل كثيراً من المسؤوليات عن سياساتٍ لم يكن التيار موجوداً فيها، على غرار الأطراف الأخرى التي يحلو له تسميتها بـ «المنظومة». لكن استفزاز باسيل وطريقته الهجومية، جعلتا منه قبلة أنظار المتظاهرين. وهو خلال عامين ضاعف من هجوماته إلى الحدّ الذي أصبح مستفرَداً، كما حصل أخيراً، فلم يعد لديه من حليف سوى «حزب الله».

ورغم أنه حاول، لأسباب تتصل بـ «المزاج المسيحي» توجيه رسائل إلى «حزب الله» حول ورقة التفاهم بينهما (2006) والحاجة إلى تصحيحها، إلا أن ثمة مَن يقول إنه ما زال أسير الحزب انتخابياً ورئاسياً. كما أعطى إشارات حول فتْح بعض الخطوط الجانبية سواء في اتجاه الحريري وفرنجية أو تجاه سورية. لكن الأبواب ما زالت موصدة في وجهه. فالانتخابات الأخيرة أثقلتْه بعدما حقق فوزاً بطعْم الهزيمة. وهو خسر ولم يُهزم، واحتاج إلى «حزب الله» وسواه في أكثر من دائرة لإنقاذ «شرعيته الشعبية» وخصوصاً أن نِسَب التصويت في البيئات المسيحية لم تصبّ لمصلحة تياره، وهو الذي كان يحتاج إلى تحقيق نصر كبير فيها من أجل الإبقاء على أكثريته النيابية. لكن العثرات أمامه تبدو كثيرة وصعبة ولا يمكن تخطيها في غضون الأشهر الفاصلة عن الإنتخابات الرئاسية. ومن الصعب أن يتمكن من تخطيها بعد فشل كثير من الطروحات التي قدّمها خلال الأعوام الماضية، من التوجه شرقاً إلى شعار المشرقية الذي ينطوي ضمناً على «تحالف الأقليات». وفوق كل ذلك ما زال يلاقي معارضةً داخل التيار رغم أنه استطاع القبض عليه بحزم شأنه شأن كل رؤساء الأحزاب، فأبعد المعارضين وقرّب الطيّعين ورجال الأعمال إليه.

أمام باسيل تحديات لا يُستهان بها، لا لضمان حظوظٍ معقولة للوصول إلى الرئاسة الأولى بل للبقاء أحد المرشحين الأقوياء رغم سعيه لاحتجازِ عملية تشكيل الحكومة الجديدة التي يخضع تأليفها لمعايير بالغة الدقة كونها ترتبط بالملف الأكثر سخونة والمتصل بالانتخابات الرئاسية… فهو، أي باسيل – خسر حتى الآن كثيراً من الأوراق، ويحتاج إلى كثير من المُتَغَيِّرات كي يستطيع حقاً قلْب الطاولة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار