زورق الموت : البحر ابتلع الأم والأولاد ونجا الوالد …

زورق الموت : البحر ابتلع الأم والأولاد ونجا الوالد …

المصدر: النهار
23 أيلول 2022

“على الأرجح أنّ وسام التّلاوي باع منزله وأرضه للشخص المسؤول عن التهريب، أو سلّم له وكالة”، يقول رئيس بلدية قرقف العكّارية يحيى الرفاعي لـ”النهار”. منذ فترة، لاحظ الرفاعي أن “عمّالاً يعملون في المنزل السابق لوسام، الناجي من مركب طرطوس؛ وبعد التقصّي، تبيّن أنه يعود لأشخاص من طرابلس، قد يكونون متورّطين في قضايا التهريب”.

بعد زورق الموت في طرابلس، أُعيد المشهد إلى الواجهة من جديد مع غرق مركب قبالة شاطئ طرطوس قرب جزيرة أرواد في سوريا. 120 شخصاً (لبنانيون، وسوريون، وفلسطينيون) بين مسنّين ونساء وأطفال كانوا في طريقهم إلى قبرص، قبل التوجّه في ما بعد إلى إيطاليا. ارتفع عدد الضحايا إلى 53 جثة بحسب مصادر وزارة الصحة السورية، والرقم مرشّح للارتفاع بسبب أعداد المفقودين الكبير. ويتلقّى 21 شخصاً العلاج في مستشفى الباسل في طرطوس، منهم الناجي وسام.

“لم يُعثر بعدُ على زوجة وسام وابنيهما محمود وعمار”، تقول مصادر عائلية لـ”النهار”. وشيّعت بلدة القرقف الطفلتين “ماي وسام التلاوي” وشقيقتها مايا، صباح اليوم. وذكرت معلومات أنّ الحمولة الزائدة والرياح والأمواج العالية أدّت إلى تسرّب المياه إلى القارب، ممّا تسبّب بتحطّمه وسقوط مَن كانوا على متنه. وتوافرت معلومات أنّ مخابرات الجيش أوقفت “ب. د.” المسؤول عن تهريب المركب.

تقع بلدة القرقف، مسقط رأس وسام، فوق قرية ببنين العكارية “وهي من أكثر القرى العكّارية التي ينخرط أشخاص فيها في مجال التهريب غير الشرعيّ عبر البحر”، بحسب رئيس البلدية. نصح الأخير وسام، بشكل متكرّر، بعدم الإقدام على هذا النوع من الهجرة، خصوصاً أنّ وسام اصطحب عائلته معه.

يتّهم الرفاعي الجهات الأمنية بالتواطؤ، ويشير إلى أنّ المهرّبين يتقاضون مبالغ لا تقلّ عن خمسة آلاف دولار مقابل راكب واحد. “يبتزّ المهرّبون الراغبين في هذا النوع من الهجرة من خلال امتلاك منازلهم وأراضيهم في حال عدم توافر المبالغ المالية معهم”، وفق رئيس البلدية.

زوجة وسام من البلدة نفسها إلّا أن العائلة تعيش في التبّانة، منطقة والدته، بعد وفاة والده خلال الحرب الأهلية اللبنانية. عمل وسام في إحدى الشركات الخاصّة لجمع النفايات في طرابلس، حيث يقطن، وأوضاعه الماديّة جيّدة، بحسب قريبه مصطفى. تلقّوا الخبر بصدمة، فوسام لم يُخبر عائلته بالموضوع، وفوجئوا باتّصاله بشقيقته بعد ظهر اليوم قائلاً لها: “راحوا الولاد بالبحر، أخدهن الله لعنده”.

“كان على متن القارب أيضاً قريب وسام إلّا أنّه غادر المركب قبل الانطلاق بعدما وجد أنّ عدد الركاب يفوق القدرة الاستيعابية بشكل كبير”، يقول أحد أقاربه لـ”النهار”، ويشدّد على أنّ المهرّبين معروفون بالاسم لدى الأجهزة الأمنية. “يتقاضى المهرّب ما بين 400 و500 ألف دولار في الرحلات الكبيرة، يسدّد للقبطان 20 ألفاً منها، ومحروقات بالقيمة نفسها، كما يتمّ الدفع للأجهزة الأمنية لتسهيل التهريب وغضّ النظر”.

يُطلق رئيس رابطة مخاتير طرابلس والشمال فتحي حمزة صرخة عبر “النهار” عن واقع الرحلات غير الشرعية التي تنطلق بشكل كبير من الشمال اللبناني باتجاه أوروبا، ويصف عمليات التهريب بـ”المدبّرة”، إذ يعمَد المهاجرون إلى ركوب قوارب صيد لتوصلهم إلى المركب الذي سينطلقون به. “يعتمد المهرّبون على مرافئ الصّيد، ويحمّلون المراكب أعداداً تفوق قدرتها، ممّا يؤدّي إلى غرقها”، يقول حمزة.

ويضيف أنّ هذه الحوادث تتكرّر بشكل شبه يومي: “أين الأمن على السواحل والضابطة الجمركية التي من المُفترض أن تقوم بدوريات على مدار الساعة؟”. يلوم الأجهزة الأمنية ونوّاب المدينة على التقصير في معالجة هذا الموضوع الذي يُهدّد المهاجرين وعائلاتهم.

“قديش الإنسان بدو يكون يئسان من هالبلد ليبيع كل شي ويسلّم حياته للبحر”، هي إحدى التعليقات التي نُشرت بعد غرق مركب طرطوس.

تحرُّك السياسيين والمعنيّين بعد وقوع الكارثة يُظهر الاستراتيجية التي يعمل من خلالها هؤلاء. فنحن نسمع بصورة شبه يومية عن توقيف مراكب ووصول أخرى، ونسمع صرخات أهالي ضحايا زورق الموت الذي غرق في نيسان الماضي. زورق الموت ليس الأول، وزورق طرطوس لن يكون الأخير في بلد بات يُفضّل أهله المخاطرة بحياة أولادهم على حساب البقاء فيه.