عون “رجع” إلى الرابية… وسلامة بقي في مصرف لبنان

الكاتب: سلوى بعلبكي | المصدر: النهار
31 تشرين الأول 2022

لم يشأ رئيس الجمهورية الخروج من قصر الرئاسة قبل أن يرمي ما بقي له من سهام الاتهام ورمي مسؤولية الانهيار المالي والاقتصادي على الآخرين، فبادر أمام “محازبيه” الى التصويب مجدّداً على حاكم مصرف لبنان، في خطوة تشي بأن حرب “داحس والغبراء” التي بدأها عون منذ 10 أعوام لم تنته بعد، وأن غداً لن يكون إلا كالأمس، لأن المطلوب اليوم كما الأمس، أمران: “كبش محرقة” تُرمى عليه جميع موبقات السياسة والاقتصاد والفساد، والثاني إزاحة الحاكم واستراتيجيته النقدية وإبداله بموالٍ أكثر طواعية لأهل العهد السابق وحلفائه.

لم يحتو أرشيف تاريخ الحياة السياسية في لبنان ومناكفات أهلها التاريخية، على ملفّ يخبر عن صراع متفلت من جميع الضوابط القانونية والأدبية، متخطياً النصوص التي تحكم علاقة مصرف لبنان عموماً، وحاكمه خصوصاً، مع السلطة السياسية بمختلف مواقعها. يعود ذلك ربما، الى أهمية الدور الوطني للمصرف المركزي، وحساسية وظيفته النقدية، وانعكاس استقلاله الإداري والمالي، وحياده عن الصراعات السياسية، على النموّ والاستقرار المالي والاقتصادي، لذا اعتُبِر منذ تأسيسه، المؤسّسة المعصومة والموثوقة، والمحصّنة من الانتقاد العلني أو الهجوم المباشر.

لكن منذ وضّب رياض سلامة حقائبه، منتقلاً من ميريل لينش والأسواق المالية العالمية، إلى المهمّة التاريخية التي اختارها له الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والرجل في سيرته الشخصية والمهنية، وأدائه في مصرف لبنان على مدى ثلاثة عقود، موضع جدل ونقاش واستهداف مستمرّ ومريب، من المناوئين لسياساته النقدية والاقتصادية حيناً، ومن المتوجّسين من علاقاته الدولية والمحلية أحياناً أخرى، وأيضاً من الخائفين من “مارونيته” التي تعزّز حظوظ انتقاله من مكتب الحاكم في شارع الحمرا الى قصر الحكم في بعبدا.

لكن ذروة القصف المركّز، وكثافة محاولات الإقالة، أو الإحالة المبكرة على التقاعد، كانت بسعي كبير من النائب المرشح الى الرئاسة الأولى #ميشال عون، وبإصرار أكبر أيضاً بعدما تولى الرئاسة. فكيف تعايش الطرفان طوال ستة أعوام من عمر العهد؟

في 31 تشرين الأول 2016، انتُخب عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، لينهي فراغاً رئاسياً دام 29 شهراً. وبعد نحو 7 أشهر أقرّ مجلس الوزراء بالإجماع، تجديد ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لـ6 سنوات أخرى، وذلك بناءً على اقتراح من خارج جدول الأعمال لرئيس الجمهورية، الذي كان يجاهر برفضه التجديد لسلامة، ويشنّ عليه أقسى الحملات، لتبدأ بين الرجلين، رحلة علاقة مضطربة شهدت مطبّات وفصولاً يتداخل فيها القانوني والشعبوي، مع المسرحي، أحياناً كثيرة.

وإن كان التجديد لحاكم مصرف لبنان في جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت بتاريخ 24 أيار 2017، جاء في ظل أجواء سياسية مضطربة، وفي وقت كانت تنشط فيه الزيارات المصرفية والنيابية لواشنطن لاستباق صدور عقوبات أميركية جديدة على لبنان، فإن اللافت يومئذ أن سلامة نال ولاية جديدة كحاكم لمصرف لبنان تنتهي عام 2023 بمباركة من رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل صهر الرئيس الجنرال، الذي أصر خلال الجلسة، مع وزير العدل حينها سليم جريصاتي، على تعيين الحاكم في ولاية كاملة، لا التجديد له. ويأتي ذلك، بعدما تقاطعت المصالح المشتركة بين الحاكم والعهد، فقضت التسوية بالتخلي عن مطلب تعيين بديل منه، بعدما “لحس” مساهمو مصرف “سيدروس بنك” المملوك لمقرّبين وأقارب للعهد، أصابعهم من دولارات الهندسات المالية التي كان يجريها مصرف لبنان، في ملحق خاص ابتدعه الحاكم للمصرف المذكور خصّيصاً.

مرّ قطوع التجديد لكن الصراع على الإمرة المالية ودور الحاكم لم يمرّ، فالخلافات كانت تعود وتبرز كلما احتاج الحكم الى تمويل مشاريع أو الاستدانة أو إصدار سندات الخزينة واليوروبوند الخ. وبلغ التباين أوجه عندما عارض الحاكم إقرار سلسلة الرتب والرواتب بالحجم الذي كان يجري الإعداد له، محذراً من خطورة إقرارها على الاستقرار المالي والنقدي ونصح مباشرة المسؤولين جميعاً عبر الإعلام بتقسيطها على سنوات لامتصاص التضخم الذي ستتسبّب به وخفض العجز السنوي في الموازنة. لكن الحكم مع بقيّة الطبقة السياسية شاءا قبل الانتخابات إقرارها كرشوة انتخابية دون الالتفات الى الضرر الذي سيتحقق بسببها. وزادت هوّة الخلافات بعد تكاثر طلب سلفات خزينة بالعملة الصعبة لقطاع الكهرباء، دون أي اعتبار للوضع النقدي الدقيق، ودون شروع الحكم والحكومة في أي إصلاحات جدّية، بما أسهم بتعميق الفجوة المالية في حسابات مصرف لبنان التي ابتلعت موجودات “المركزي” وأموال المودعين بالعملات الصعبة.

انهارت الليرة واستسلمت المصارف لقدرها وتحرّك الشارع منذراً بانتفاضة كادت تطيح العهد، بعدما استقالت الحكومة استجابة لضغط المتظاهرين والاحتجاجات التي عمّت مختلف بقاع لبنان. لكن الانهيار بأسبابه السياسية والاقتصادية والتراكمات من عهود سابقة لم يكن في نظر العهد في بعض جوانبه إلا نتاج سياسات مصرف لبنان، فعادت “حليمة” انتقاداته للحاكم الى وتيرتها المرتفعة، وباتت كل أزمات فقدان العملة الصعبة، وانهيار الليرة، ونقص الفيول لكهرباء لبنان، وفقدان المحروقات ومعها الأدوية من السوق، كما اختفاء المواد الغذائية عن رفوف السوبرماركت، مؤامرة كونية في نظر العهد ينفّذها رياض سلامة بناءً على توجيهات وأجندات خارجية. ولكن المفارقة أن الحكم كان في المقابل يصرّ ويضغط على مصرف لبنان لتأمين الدعم للمواد الغذائية والمحروقات والأدوية وكهرباء لبنان التي كلفت مصرف لبنان 8 مليارات دولار من احتياطاته بالعملة ذهبت بغالبيتها الى جيوب المهرّبين والتجّار وحماتهم السياسيين.
ولكن الصراع المفتوح بين حاكم مصرف لبنان والعهد لم يمنع الأخير من تأمين الحماية السياسية لمصرف لبنان بوجه مجلس شورى الدولة الذي أفتى بوقف العمل بالتعميم رقم 151 الصادر عن مصرف لبنان، الذي يحدّد سعر صرف الدولار على 3900 ليرة، فتقاطعت في تلك اللحظة المصلحة السياسية للعهد مع تعميم الحاكم.

تحقيقات وملاحقات قضائية!
بالرغم من وساطات عدّة، وتلاقي المصالح، وحصول “التيار الوطني الحر” على مواقع في المجلس المركزي لمصرف لبنان، والمساكنة المشوبة بالحذر بين الحاكم والعهد، وبالرغم من الدور الذي قامت به كريمة الرئيس عون، ميراي، في التهدئة وهي كانت قد أدّت دوراً سابقاً في تسوية سيدروس بنك، كان انفجار العلاقة بين الطرفين متوقعاً، فانتقل من الحملات الإعلامية والسياسية ضد الحاكم الى الاستعانة بالقضاء بشكل مفرط بدليل مناشدته: “أدعو القضاة لكي يواجهوا من يقيّد العدالة في المصرف المركزي”، فبدأت حركة الاستدعاءات للتحقيق تارة كمدّعى عليه وطوراً آخر كشاهد. ولم تقتصر الحركة القضائية ضد الحاكم على الأراضي اللبنانية بل بادر البعض ومنهم مناصرون للتيار الوطني الحر بتقديم إخبارات وادّعاءات في الخارج للتضييق على الحاكم أكثر، توازياً مع مداهمات وصفها كثر بـ”المسرحية” الى مبنى مصرف لبنان في الحمراء، قامت بها المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون بالرغم من وجود مصرف لبنان خارج صلاحيتها المكانية. كذلك وصلت المداهمات الى منزل الحاكم في الرابية، ما أجبر الأخير، وفق ما أشيع، على النوم في مكتبه والتنقل بحذر شديد بين مقرّ إقامته وعمله.

وراهن العهد أخيراً على التدقيق الجنائي والتحقيق المالي الذي عمل له بكليته سنوات ليثبت عدم أهلية وشفافية سلامة، ولتأكيد اتهاماته له بالفساد وعدم الشفافية. وإن كانت الضبابية لا تزال تسيطر على أعمال “الفاريز ومارسال”، فإن التحقيق المالي الذي كلفت به شركة التدقيق المحاسبي KPMG منذ عام 2015 حتى عام 2020، لم يتوصّل الى أيّ مخالفات.

ما أسلفناه، غيضٌ من فيض الصراع المفتوح بين الرئيس عون والحاكم، فالمد والجزر في العلاقة بينهما عمره من عمر طموح الجنرال للسيطرة على المواقع المسيحية في الدولة، أسوة ببقيّة زعماء الطوائف الاخرى، ولأنه يؤمن ويعلن جهاراً ذلك، بأنه الممثل الأقوى لطائفته، وحقه في تعيين حاكم لمصرف لبنان من المقربين منه أمر بديهي وضروري. لذا حاول بكافة الوسائل التخلص من رياض سلامة تارة عبر الضغط عليه للاستقالة الطوعية، وطوراً عبر استنباط فتاوى قانونية تتيح له إقالته من خلال مجلس الوزراء، وأحياناً أخرى القيام بتسويات سياسية تتيح التخلص منه.

تنتهي اليوم حقبة ميشال عون الرئيس وينتهي معه عهد قيل عنه إنه عهد الانهيار والفشل و… “ما خلونا”، لكن تخصيص الحاكم بلفتة اتهامية جديدة في آخر إطلالة رئاسية للرئيس والتلويح بمتابعة الضغط عليه تؤكد ما قيل “أن حروب الجنرال لا تنتهي”، وأن الصراع على مصرف لبنان وحاكميته مستمرّ، وأن عون الزعيم في الرابية لن يكون أقلّ شراسة في حربه على رياض سلامة من عون الرئيس في بعبدا، وأن ما ينتظر رياض سلامة من حروب قضائية وادّعاءات إعلامية واتهامات شعبوية لن يجعل من بقية الأشهر الأخيرة من ولايته في مصرف لبنان أشهراً مريحة، وأن الدور المعوّل على مصرف لبنان في إعادة هيكلة المصارف والاتفاق مع صندوق النقد لن يحميه أو يبعد عنه شبح المطاردة المستدامة للعونيين.

عون “رجع” إلى الرابية… وسلامة بقي في مصرف لبنان

الكاتب: سلوى بعلبكي | المصدر: النهار
31 تشرين الأول 2022

لم يشأ رئيس الجمهورية الخروج من قصر الرئاسة قبل أن يرمي ما بقي له من سهام الاتهام ورمي مسؤولية الانهيار المالي والاقتصادي على الآخرين، فبادر أمام “محازبيه” الى التصويب مجدّداً على حاكم مصرف لبنان، في خطوة تشي بأن حرب “داحس والغبراء” التي بدأها عون منذ 10 أعوام لم تنته بعد، وأن غداً لن يكون إلا كالأمس، لأن المطلوب اليوم كما الأمس، أمران: “كبش محرقة” تُرمى عليه جميع موبقات السياسة والاقتصاد والفساد، والثاني إزاحة الحاكم واستراتيجيته النقدية وإبداله بموالٍ أكثر طواعية لأهل العهد السابق وحلفائه.

لم يحتو أرشيف تاريخ الحياة السياسية في لبنان ومناكفات أهلها التاريخية، على ملفّ يخبر عن صراع متفلت من جميع الضوابط القانونية والأدبية، متخطياً النصوص التي تحكم علاقة مصرف لبنان عموماً، وحاكمه خصوصاً، مع السلطة السياسية بمختلف مواقعها. يعود ذلك ربما، الى أهمية الدور الوطني للمصرف المركزي، وحساسية وظيفته النقدية، وانعكاس استقلاله الإداري والمالي، وحياده عن الصراعات السياسية، على النموّ والاستقرار المالي والاقتصادي، لذا اعتُبِر منذ تأسيسه، المؤسّسة المعصومة والموثوقة، والمحصّنة من الانتقاد العلني أو الهجوم المباشر.

لكن منذ وضّب رياض سلامة حقائبه، منتقلاً من ميريل لينش والأسواق المالية العالمية، إلى المهمّة التاريخية التي اختارها له الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والرجل في سيرته الشخصية والمهنية، وأدائه في مصرف لبنان على مدى ثلاثة عقود، موضع جدل ونقاش واستهداف مستمرّ ومريب، من المناوئين لسياساته النقدية والاقتصادية حيناً، ومن المتوجّسين من علاقاته الدولية والمحلية أحياناً أخرى، وأيضاً من الخائفين من “مارونيته” التي تعزّز حظوظ انتقاله من مكتب الحاكم في شارع الحمرا الى قصر الحكم في بعبدا.

لكن ذروة القصف المركّز، وكثافة محاولات الإقالة، أو الإحالة المبكرة على التقاعد، كانت بسعي كبير من النائب المرشح الى الرئاسة الأولى #ميشال عون، وبإصرار أكبر أيضاً بعدما تولى الرئاسة. فكيف تعايش الطرفان طوال ستة أعوام من عمر العهد؟

في 31 تشرين الأول 2016، انتُخب عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، لينهي فراغاً رئاسياً دام 29 شهراً. وبعد نحو 7 أشهر أقرّ مجلس الوزراء بالإجماع، تجديد ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لـ6 سنوات أخرى، وذلك بناءً على اقتراح من خارج جدول الأعمال لرئيس الجمهورية، الذي كان يجاهر برفضه التجديد لسلامة، ويشنّ عليه أقسى الحملات، لتبدأ بين الرجلين، رحلة علاقة مضطربة شهدت مطبّات وفصولاً يتداخل فيها القانوني والشعبوي، مع المسرحي، أحياناً كثيرة.

وإن كان التجديد لحاكم مصرف لبنان في جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت بتاريخ 24 أيار 2017، جاء في ظل أجواء سياسية مضطربة، وفي وقت كانت تنشط فيه الزيارات المصرفية والنيابية لواشنطن لاستباق صدور عقوبات أميركية جديدة على لبنان، فإن اللافت يومئذ أن سلامة نال ولاية جديدة كحاكم لمصرف لبنان تنتهي عام 2023 بمباركة من رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل صهر الرئيس الجنرال، الذي أصر خلال الجلسة، مع وزير العدل حينها سليم جريصاتي، على تعيين الحاكم في ولاية كاملة، لا التجديد له. ويأتي ذلك، بعدما تقاطعت المصالح المشتركة بين الحاكم والعهد، فقضت التسوية بالتخلي عن مطلب تعيين بديل منه، بعدما “لحس” مساهمو مصرف “سيدروس بنك” المملوك لمقرّبين وأقارب للعهد، أصابعهم من دولارات الهندسات المالية التي كان يجريها مصرف لبنان، في ملحق خاص ابتدعه الحاكم للمصرف المذكور خصّيصاً.

مرّ قطوع التجديد لكن الصراع على الإمرة المالية ودور الحاكم لم يمرّ، فالخلافات كانت تعود وتبرز كلما احتاج الحكم الى تمويل مشاريع أو الاستدانة أو إصدار سندات الخزينة واليوروبوند الخ. وبلغ التباين أوجه عندما عارض الحاكم إقرار سلسلة الرتب والرواتب بالحجم الذي كان يجري الإعداد له، محذراً من خطورة إقرارها على الاستقرار المالي والنقدي ونصح مباشرة المسؤولين جميعاً عبر الإعلام بتقسيطها على سنوات لامتصاص التضخم الذي ستتسبّب به وخفض العجز السنوي في الموازنة. لكن الحكم مع بقيّة الطبقة السياسية شاءا قبل الانتخابات إقرارها كرشوة انتخابية دون الالتفات الى الضرر الذي سيتحقق بسببها. وزادت هوّة الخلافات بعد تكاثر طلب سلفات خزينة بالعملة الصعبة لقطاع الكهرباء، دون أي اعتبار للوضع النقدي الدقيق، ودون شروع الحكم والحكومة في أي إصلاحات جدّية، بما أسهم بتعميق الفجوة المالية في حسابات مصرف لبنان التي ابتلعت موجودات “المركزي” وأموال المودعين بالعملات الصعبة.

انهارت الليرة واستسلمت المصارف لقدرها وتحرّك الشارع منذراً بانتفاضة كادت تطيح العهد، بعدما استقالت الحكومة استجابة لضغط المتظاهرين والاحتجاجات التي عمّت مختلف بقاع لبنان. لكن الانهيار بأسبابه السياسية والاقتصادية والتراكمات من عهود سابقة لم يكن في نظر العهد في بعض جوانبه إلا نتاج سياسات مصرف لبنان، فعادت “حليمة” انتقاداته للحاكم الى وتيرتها المرتفعة، وباتت كل أزمات فقدان العملة الصعبة، وانهيار الليرة، ونقص الفيول لكهرباء لبنان، وفقدان المحروقات ومعها الأدوية من السوق، كما اختفاء المواد الغذائية عن رفوف السوبرماركت، مؤامرة كونية في نظر العهد ينفّذها رياض سلامة بناءً على توجيهات وأجندات خارجية. ولكن المفارقة أن الحكم كان في المقابل يصرّ ويضغط على مصرف لبنان لتأمين الدعم للمواد الغذائية والمحروقات والأدوية وكهرباء لبنان التي كلفت مصرف لبنان 8 مليارات دولار من احتياطاته بالعملة ذهبت بغالبيتها الى جيوب المهرّبين والتجّار وحماتهم السياسيين.
ولكن الصراع المفتوح بين حاكم مصرف لبنان والعهد لم يمنع الأخير من تأمين الحماية السياسية لمصرف لبنان بوجه مجلس شورى الدولة الذي أفتى بوقف العمل بالتعميم رقم 151 الصادر عن مصرف لبنان، الذي يحدّد سعر صرف الدولار على 3900 ليرة، فتقاطعت في تلك اللحظة المصلحة السياسية للعهد مع تعميم الحاكم.

تحقيقات وملاحقات قضائية!
بالرغم من وساطات عدّة، وتلاقي المصالح، وحصول “التيار الوطني الحر” على مواقع في المجلس المركزي لمصرف لبنان، والمساكنة المشوبة بالحذر بين الحاكم والعهد، وبالرغم من الدور الذي قامت به كريمة الرئيس عون، ميراي، في التهدئة وهي كانت قد أدّت دوراً سابقاً في تسوية سيدروس بنك، كان انفجار العلاقة بين الطرفين متوقعاً، فانتقل من الحملات الإعلامية والسياسية ضد الحاكم الى الاستعانة بالقضاء بشكل مفرط بدليل مناشدته: “أدعو القضاة لكي يواجهوا من يقيّد العدالة في المصرف المركزي”، فبدأت حركة الاستدعاءات للتحقيق تارة كمدّعى عليه وطوراً آخر كشاهد. ولم تقتصر الحركة القضائية ضد الحاكم على الأراضي اللبنانية بل بادر البعض ومنهم مناصرون للتيار الوطني الحر بتقديم إخبارات وادّعاءات في الخارج للتضييق على الحاكم أكثر، توازياً مع مداهمات وصفها كثر بـ”المسرحية” الى مبنى مصرف لبنان في الحمراء، قامت بها المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون بالرغم من وجود مصرف لبنان خارج صلاحيتها المكانية. كذلك وصلت المداهمات الى منزل الحاكم في الرابية، ما أجبر الأخير، وفق ما أشيع، على النوم في مكتبه والتنقل بحذر شديد بين مقرّ إقامته وعمله.

وراهن العهد أخيراً على التدقيق الجنائي والتحقيق المالي الذي عمل له بكليته سنوات ليثبت عدم أهلية وشفافية سلامة، ولتأكيد اتهاماته له بالفساد وعدم الشفافية. وإن كانت الضبابية لا تزال تسيطر على أعمال “الفاريز ومارسال”، فإن التحقيق المالي الذي كلفت به شركة التدقيق المحاسبي KPMG منذ عام 2015 حتى عام 2020، لم يتوصّل الى أيّ مخالفات.

ما أسلفناه، غيضٌ من فيض الصراع المفتوح بين الرئيس عون والحاكم، فالمد والجزر في العلاقة بينهما عمره من عمر طموح الجنرال للسيطرة على المواقع المسيحية في الدولة، أسوة ببقيّة زعماء الطوائف الاخرى، ولأنه يؤمن ويعلن جهاراً ذلك، بأنه الممثل الأقوى لطائفته، وحقه في تعيين حاكم لمصرف لبنان من المقربين منه أمر بديهي وضروري. لذا حاول بكافة الوسائل التخلص من رياض سلامة تارة عبر الضغط عليه للاستقالة الطوعية، وطوراً عبر استنباط فتاوى قانونية تتيح له إقالته من خلال مجلس الوزراء، وأحياناً أخرى القيام بتسويات سياسية تتيح التخلص منه.

تنتهي اليوم حقبة ميشال عون الرئيس وينتهي معه عهد قيل عنه إنه عهد الانهيار والفشل و… “ما خلونا”، لكن تخصيص الحاكم بلفتة اتهامية جديدة في آخر إطلالة رئاسية للرئيس والتلويح بمتابعة الضغط عليه تؤكد ما قيل “أن حروب الجنرال لا تنتهي”، وأن الصراع على مصرف لبنان وحاكميته مستمرّ، وأن عون الزعيم في الرابية لن يكون أقلّ شراسة في حربه على رياض سلامة من عون الرئيس في بعبدا، وأن ما ينتظر رياض سلامة من حروب قضائية وادّعاءات إعلامية واتهامات شعبوية لن يجعل من بقية الأشهر الأخيرة من ولايته في مصرف لبنان أشهراً مريحة، وأن الدور المعوّل على مصرف لبنان في إعادة هيكلة المصارف والاتفاق مع صندوق النقد لن يحميه أو يبعد عنه شبح المطاردة المستدامة للعونيين.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار