هل يتم فعلا تمرير القوانين في مجلس النواب من دون إدخال التعديلات التي يصوَّت عليها؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
8 تشرين الثاني 2022

قبل أيام، صدر للنائب فؤاد مخزومي تصريح من دار الفتوى كان لافتاً فيه انزعاجه من ان “القوانين التي يصوّت عليها النواب في المجلس بعد موافقة اللجان عليها، يجري تمريرها بصيغة مختلفة عما يتم التصويت عليه”.

وقد طرح هذا الكلام أكثر من علامة استفهام حول الاسباب التي دفعت نائباً في البرلمان الى التشكيك في صحة القوانين المبرمة، ومدى تطابقها مع التعديلات او النتائج التي تخلص اليها النقاشات في الهيئة العامة، خصوصاً ان مخزومي اطلق موقفه ومشى، من دون ان يشرح الحيثيات التي دفعته الى موقف كهذا، وما اذا كان يستند الى معطيات تخوّله ذلك لان من شأن هذا الامر اذا صحّ، ان يطرح مسألة خطيرة جداً تمس بشفافية إعداد القوانين وصوغها، وصولاً الى حد الاتهام بتزوير مداولات الجلسات العامة ومقرراتها.

لم يأتِ موقف مخزومي من فراغ، بل عقب اقرار التعديلات على تعديل قانون السرية المصرفية في الهيئة العامة في منتصف تشرين الاول الماضي، حيث صدرت مواقف عدة تشكك في صحة التعديلات ودقتها، من دون الذهاب أبعد في التدقيق او التحقيق تمهيداً للكشف عن مدى حقيقة هذه الادعاءات، وسط سؤال بديهي: هل هي تحصل فعلاً، واذا نعم هل تحصل بسبب اخطاء أو اهمال غير متعمد في الصياغة، أو متعمد يرمي الى تجاوز مقررات الهيئة العامة وتصويت النواب، على نحو يؤدي الى اصدار قرارات تراعي مصالح معينة او حسابات خاصة تتصل بالقوانين موضع التشكيك؟ وهذا السؤال يدفع الى سؤال آخر استطرادي يتصل بمسؤولية النواب في متابعة القرارات الصادرة عنهم ومقارنتها، وهذا في صلب دور النواب في التشريع والمراقبة والمتابعة. فهل يقوم النواب بهذا الدور أم أن مهمتهم تنتهي بمجرد انتهاء التصويت؟

لا يصعب على أي نائب يتحمل مسؤوليته ان يستطلع ويعرف ما اذا كانت القوانين الصادرة والمنشورة في الجريدة الرسمية، مطابقة للقرارات المتخذة في شأنها. ولكن هذا يتطلب حكماً متابعة ومقارنة تثبت بالنص الصادر الواقع.

ليس في النظام الداخلي للمجلس النيابي ما يحدد آلية صوغ القوانين بعد اقرارها في الهيئة العامة. ولكن عند السؤال عن هذا الموضوع، يتبين ان الجهة المكلفة صوغ التعديلات عند إقرارها، هي الأمانة العامة للمجلس، وذلك بعد ان يقوم موظفوها بمتابعة وقائع الجلسات وتسجيل الملاحظات والتعديلات، التي تكون دائماً مسجلة، ليصار بعدها الى افراغ التسجيلات وكتابة القوانين وفق المحاضر المسجلة، على نحو يتيح للنواب الراغبين في المراجعة العودة الى تلك المحاضر وتسجيلاتها. اما التصحيح او الصياغة النهائية التي يستوجبها التعديل فتحصل خلال الجلسة ويعود القرار بإدراجها كما اتُّفق عليها، إلى رئيس المجلس انطلاقاً من التصويت الحاصل مسبقاً.

بعض النواب المشككين أو غير المطمئنين الى سَير المداولات، خصوصاً عندما يتصل الامر بملف ساخن او ملتبس، كما هي الحال اخيراً في ظل تعدد الكتل النيابية والنواب المستقلين، والسقوف العالية من التشكيك والمواجهة وانعدام الثقة في ما بينها، يدفع هؤلاء الى التمسك بمطالبة الأمانة العامة بتلاوة البنود المعدلة والتصويت عليها للتأكد من عدم المسّ بالنص او “لغمه”، كما يحلو لأحد النواب القول.

مرجع نيابي قانوني مخضرم كشف لـ”النهار” خطورة التلاعب بالنصوص اذا وُجد، مشيراً الى انه لم يلمس أي امر مماثل خلال ممارسته دوره التشريعي، إن من خلال اللجنة النيابية التي يرأسها، أي لدى مناقشة المشاريع، او لدى مناقشتها والتصويت عليها، مضيفاً انه لم يلمس اي سوء نية او تعمد في المطبخ التشريعي، من دون ان يعني ذلك ان الأخطاء غير واردة، ولكنه يضعها في سياق الأخطاء المادية التي يعاد تصحيحها، محذراً من ان إطلاق اتهامات كهذه يعني ان هناك تزويراً يحصل، داعياً المشككين الى ممارسة حقهم الدستوري بالاطلاع على المحاضر ومقارنتها على نحو يثبت ادعاءاتهم، لئلا يبقى الاتهام في إطاره السياسي.

نائب آخر لا ينفي احتمال ان تحصل مثل هذه الممارسات على قاعدة ان المراقبة والمتابعة غائبة لدى غالبية نواب المجلس إما بسبب الاهمال وعدم الاهتمام، وإما لأن “ما كُتب قد كُتب”، كما يقول. لكنه لا يغفل الإشارة الى ان الخوف لا يكمن في النصوص لتعذر تمرير ذلك، وإنما في اعتماد مصطلحات من شأنها ان تسهم في تعديل وجهة المضمون ليتوافق مع الغاية المنشودة، او الرهان على نقاشات تحصل أحياناً حول بند محدد، فتأتي الصياغة بناء لما تم التداول به وليس ما تم الاتفاق عليه. لكن الحسم في هذه المسألة يعود الى طلب النواب المحاضر والتسجيلات تحديداً والاستماع اليها للتأكد من مدى مطابقتها للنصوص المكتوبة.
لا شك في ان قانون تعديل السرية المصرفية، وقبله قانون الموازنة العامة او مشروع “الكابيتال كونترول”، وهو لا يزال في اللجان المشتركة، قد أثارت الكثير من التساؤلات خصوصاً الاول منها كونه أُقر في البرلمان ومن ثم أعيد اليه بعدما رده رئيس الجمهورية، مبدياً ملاحظات عليه، ليعاد إقراره وفق تعديلات اقترحتها لجنة المال والموازنة، بحيث لم تتضح نصوص التعديلات للرأي العام، فيما أبدى قانونيون تحفظاتهم عن ان الصياغة النهائية لم تراعِ التعديلات المقترحة ففخّختها او تحايلت عليها او أسقطتها، كما هي الحال بالنسبة الى المفعول الرجعي الذي لم يرد في القانون او بالنسبة الى ربط قرار رفع السرية المصرفية بالدعاوى المقامة وليس في شكل استنسابي، او لجهة ربطها في ما يتصل بالجسم المصرفي بقانون هيكلة المصارف.

هل يتم فعلا تمرير القوانين في مجلس النواب من دون إدخال التعديلات التي يصوَّت عليها؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
8 تشرين الثاني 2022

قبل أيام، صدر للنائب فؤاد مخزومي تصريح من دار الفتوى كان لافتاً فيه انزعاجه من ان “القوانين التي يصوّت عليها النواب في المجلس بعد موافقة اللجان عليها، يجري تمريرها بصيغة مختلفة عما يتم التصويت عليه”.

وقد طرح هذا الكلام أكثر من علامة استفهام حول الاسباب التي دفعت نائباً في البرلمان الى التشكيك في صحة القوانين المبرمة، ومدى تطابقها مع التعديلات او النتائج التي تخلص اليها النقاشات في الهيئة العامة، خصوصاً ان مخزومي اطلق موقفه ومشى، من دون ان يشرح الحيثيات التي دفعته الى موقف كهذا، وما اذا كان يستند الى معطيات تخوّله ذلك لان من شأن هذا الامر اذا صحّ، ان يطرح مسألة خطيرة جداً تمس بشفافية إعداد القوانين وصوغها، وصولاً الى حد الاتهام بتزوير مداولات الجلسات العامة ومقرراتها.

لم يأتِ موقف مخزومي من فراغ، بل عقب اقرار التعديلات على تعديل قانون السرية المصرفية في الهيئة العامة في منتصف تشرين الاول الماضي، حيث صدرت مواقف عدة تشكك في صحة التعديلات ودقتها، من دون الذهاب أبعد في التدقيق او التحقيق تمهيداً للكشف عن مدى حقيقة هذه الادعاءات، وسط سؤال بديهي: هل هي تحصل فعلاً، واذا نعم هل تحصل بسبب اخطاء أو اهمال غير متعمد في الصياغة، أو متعمد يرمي الى تجاوز مقررات الهيئة العامة وتصويت النواب، على نحو يؤدي الى اصدار قرارات تراعي مصالح معينة او حسابات خاصة تتصل بالقوانين موضع التشكيك؟ وهذا السؤال يدفع الى سؤال آخر استطرادي يتصل بمسؤولية النواب في متابعة القرارات الصادرة عنهم ومقارنتها، وهذا في صلب دور النواب في التشريع والمراقبة والمتابعة. فهل يقوم النواب بهذا الدور أم أن مهمتهم تنتهي بمجرد انتهاء التصويت؟

لا يصعب على أي نائب يتحمل مسؤوليته ان يستطلع ويعرف ما اذا كانت القوانين الصادرة والمنشورة في الجريدة الرسمية، مطابقة للقرارات المتخذة في شأنها. ولكن هذا يتطلب حكماً متابعة ومقارنة تثبت بالنص الصادر الواقع.

ليس في النظام الداخلي للمجلس النيابي ما يحدد آلية صوغ القوانين بعد اقرارها في الهيئة العامة. ولكن عند السؤال عن هذا الموضوع، يتبين ان الجهة المكلفة صوغ التعديلات عند إقرارها، هي الأمانة العامة للمجلس، وذلك بعد ان يقوم موظفوها بمتابعة وقائع الجلسات وتسجيل الملاحظات والتعديلات، التي تكون دائماً مسجلة، ليصار بعدها الى افراغ التسجيلات وكتابة القوانين وفق المحاضر المسجلة، على نحو يتيح للنواب الراغبين في المراجعة العودة الى تلك المحاضر وتسجيلاتها. اما التصحيح او الصياغة النهائية التي يستوجبها التعديل فتحصل خلال الجلسة ويعود القرار بإدراجها كما اتُّفق عليها، إلى رئيس المجلس انطلاقاً من التصويت الحاصل مسبقاً.

بعض النواب المشككين أو غير المطمئنين الى سَير المداولات، خصوصاً عندما يتصل الامر بملف ساخن او ملتبس، كما هي الحال اخيراً في ظل تعدد الكتل النيابية والنواب المستقلين، والسقوف العالية من التشكيك والمواجهة وانعدام الثقة في ما بينها، يدفع هؤلاء الى التمسك بمطالبة الأمانة العامة بتلاوة البنود المعدلة والتصويت عليها للتأكد من عدم المسّ بالنص او “لغمه”، كما يحلو لأحد النواب القول.

مرجع نيابي قانوني مخضرم كشف لـ”النهار” خطورة التلاعب بالنصوص اذا وُجد، مشيراً الى انه لم يلمس أي امر مماثل خلال ممارسته دوره التشريعي، إن من خلال اللجنة النيابية التي يرأسها، أي لدى مناقشة المشاريع، او لدى مناقشتها والتصويت عليها، مضيفاً انه لم يلمس اي سوء نية او تعمد في المطبخ التشريعي، من دون ان يعني ذلك ان الأخطاء غير واردة، ولكنه يضعها في سياق الأخطاء المادية التي يعاد تصحيحها، محذراً من ان إطلاق اتهامات كهذه يعني ان هناك تزويراً يحصل، داعياً المشككين الى ممارسة حقهم الدستوري بالاطلاع على المحاضر ومقارنتها على نحو يثبت ادعاءاتهم، لئلا يبقى الاتهام في إطاره السياسي.

نائب آخر لا ينفي احتمال ان تحصل مثل هذه الممارسات على قاعدة ان المراقبة والمتابعة غائبة لدى غالبية نواب المجلس إما بسبب الاهمال وعدم الاهتمام، وإما لأن “ما كُتب قد كُتب”، كما يقول. لكنه لا يغفل الإشارة الى ان الخوف لا يكمن في النصوص لتعذر تمرير ذلك، وإنما في اعتماد مصطلحات من شأنها ان تسهم في تعديل وجهة المضمون ليتوافق مع الغاية المنشودة، او الرهان على نقاشات تحصل أحياناً حول بند محدد، فتأتي الصياغة بناء لما تم التداول به وليس ما تم الاتفاق عليه. لكن الحسم في هذه المسألة يعود الى طلب النواب المحاضر والتسجيلات تحديداً والاستماع اليها للتأكد من مدى مطابقتها للنصوص المكتوبة.
لا شك في ان قانون تعديل السرية المصرفية، وقبله قانون الموازنة العامة او مشروع “الكابيتال كونترول”، وهو لا يزال في اللجان المشتركة، قد أثارت الكثير من التساؤلات خصوصاً الاول منها كونه أُقر في البرلمان ومن ثم أعيد اليه بعدما رده رئيس الجمهورية، مبدياً ملاحظات عليه، ليعاد إقراره وفق تعديلات اقترحتها لجنة المال والموازنة، بحيث لم تتضح نصوص التعديلات للرأي العام، فيما أبدى قانونيون تحفظاتهم عن ان الصياغة النهائية لم تراعِ التعديلات المقترحة ففخّختها او تحايلت عليها او أسقطتها، كما هي الحال بالنسبة الى المفعول الرجعي الذي لم يرد في القانون او بالنسبة الى ربط قرار رفع السرية المصرفية بالدعاوى المقامة وليس في شكل استنسابي، او لجهة ربطها في ما يتصل بالجسم المصرفي بقانون هيكلة المصارف.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار