تطوّرات إيران وعدم انكشاف ظهر الحزب

تطوّرات إيران وعدم انكشاف ظهر الحزب

الكاتب: روزانا بومنصف | المصدر: النهار
24 تشرين الثاني 2022

في ظل الربط الذي يحدثه أهل السياسة في لبنان للاستحقاقات الدستورية والمحطات المهمة مع التطورات الاقليمية في شكل خاص، ثمة من يعتقد أن تطوّر الوضع الداخلي في إيران على النحو الذي يتفاعل به يشكل عائقاً مهماً في المرحلة الراهنة يحول دون التعويل على إيجابية في التوافق على هوية الرئيس المقبل للجمهورية.

فكل المعطيات التي تتوافر عن الوضع الإيراني تجعل من الصعب على طهران أن تظهر تجاوباً قد يُفسّر تنازلاً أو ضعفاً نتيجة الضغوط الداخلية التي تشكلها الاحتجاجات الطالبية والشعبية، فيما تعزو السلطات في طهران ذلك الى أيدٍ خارجية فاعلة هي المسؤولة عن ذلك وفق رأيها. فإظهار أي تراجع عن سقف عالٍ رُفع أخيراً سيكون بمثابة تنازل لا بدّ أن طهران تخشى أن جملة تنازلات تنسحب حتى على أذرعها في المنطقة حيث مناطق نفوذها كذلك. وتالياً فإن الترجيح هو الى تشدد مستمر حتى إشعار آخر بغضّ النظر عن الغطاء أو الواجهة المستخدمة لذلك أقله في الداخل اللبناني. يضاف الى ذلك جملة عوامل أخرى لا تتيح الرهان على تفاهمات اعتاد الأوروبيون القيام بها مع إيران ولا سيما بالنسبة الى فرنسا، مع التعقيدات التي يشهدها امكان العودة الى العمل بالاتفاق النووي، فيما اتخذت الدول الاوروبية التي تواكب ذلك مواقف حازمة من طهران. والحال نفسها بالنسبة الى ملف حقوق الانسان والعقوبات التي اتخذتها هذه الدول على هذه الخلفية وأكثر على خلفية توفير إيران المسيّرات لروسيا في حربها على أوكرانيا.

يلفت المراقبون المتابعون بقوة الى مواقف اعتمدها وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي تجاه إيران في حوار المنامة الذي وازن خلاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في انتقاداته الاخيرة لطهران. ففيما رأى ماكرون تغيرات شديدة الوضوح في إيران ووصف ما يحصل بالثورة، دعا كليفرلي “إيران الى الاستماع والإصغاء الى مطالب شعبها”. وهو قال على هامش مشاركته في مؤتمر حوار المنامة السنوي في البحرين إن “الأسلحة الإيرانية تهدّد المنطقة بأسرها”، مشيراً إلى أن “البرنامج النووي الإيراني اليوم أكثر تقدماً من أيّ وقت مضى والنظام لجأ إلى بيع روسيا الطائرات المسيّرة المسلحة التي تقتل المدنيين في أوكرانيا”. وتعهد وزير الخارجية البريطاني بالعمل مع الحلفاء “لمواجهة التهديد الإيراني” متهماً إياها بـ”إراقة الدماء من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا”. وكان حديث كليفرلي بعد يوم من تحذير رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في البحرين من أن “انتشار الأسلحة” الإيرانية يشكل تهديداً لأوروبا، ملمّحة إلى مزيد من العقوبات ضد إيران علماً بأن الاتحاد الأوروبي كان قد فرض عقوبات على أكثر من 30 من كبار المسؤولين والمنظمات الإيرانية بسبب الحملة المستمرة لقمع المتظاهرين في البلاد وتزويد روسيا بطائرات مسيّرة. وهذه المواقف الاوروبية متقدمة جداً في مقاربة أداء إيراني في المنطقة جرى غض النظر عنه أو بالاحرى عدم تسليط الضوء عليه لاعتبارات مصلحية تتصل في شكل أساسي بالملف النووي الى جانب ما سرى عن القدرة في الاعتماد على طهران من أجل تغطية العجز في الطاقة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. ولكن الاعتماد الروسي على المسيّرات الإيرانية أسهم في تبدل المواقف الى جانب العوامل الاخرى المتصلة بفشل العودة الى الملف النووي والقمع العنيف للاحتجاجات الشعبية.

فالتنازلات في حال القوة من شأنها أن تسمح للطرف المعنيّ بأن يتحكم باللعبة مهما يكن التنازل الذي يقدم عليه فيما التنازل أو التراجع بالاحرى في حال الضعف يمكن أن يستدرج مزيداً من الضغط من أجل المزيد من التراجع. وحتى الآن فإن ما يجري في إيران هو مسار متطور بغض النظر عن مآلاته، وهو يفرض انتظاراً قسرياً لنتائجه في خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة كما للتفاعلات في شأن المسائل الاخرى. وهذا مؤدّاه عملياً في الترجمة الفعلية على الأرض أن ثمة رهاناً على الوقت كما هي الحال دوماً في لعبة عض الاصابع من أجل أن يستسلم من هو أكثر حرجاً وتعباً، وهو في هذه الحال الفريق الذي لا يشكل “حزب الله” عموده الفقري وإن شابت الأخير ألعاب أو مناورات باتت مكشوفة يقوم بها الحلفاء لتحييد الأنظار أو خلق مشكلات فرعية.
مسؤولون في الخارج يقولون إن هناك تضخيماً لدور إيران في هذا السياق من دون إهمال تأثيرها، إذ إنه إذا كان المقصود بإيران دور “حزب الله” ومدى تأثره بالواقع الإيراني فهذا يكتسب مقداراً كبيراً من الصحة علماً بأن الحزب يتمتع بهامش كبير ولا سيما في هذه المرحلة من أجل تقرير ما يراه مناسباً لمصلحته في الواقع السياسي اللبناني الداخلي ولانشغال إيران بامورها الداخلية المتراكمة.

المؤكد حتى الآن أن الحزب غير مستعجل على انتخاب رئيس جديد، وهو قد لا يودّ التنازل عن سقفه ومرشحه كذلك في ظل انكشاف راعيه الإقليمي بحيث لا ينوي أن يزيد إظهار ضعف على خلفية ما تواجهه إيران في الداخل أو من ضغوط خارجية، خصوصاً أنه وضع رأسمالاً أو وظفه في موضوع إنجاز ترسيم الحدود مع إسرائيل. ولهذا ثمنه الذي لا ينبغي تجاهله. إضافة الى أنه من بين الأطراف اللبنانية يُعدّ الأكثر استغلالاً للوقت والأقل ضرراً ربما من استمرار تزايد الانهيار في ظل تعويل على تطوّر موقف المملكة السعودية أو تبدله في التواصل مع الولايات المتحدة ومع فرنسا وحتى مع بكركي كذلك. لذلك، اللعبة مفتوحة، ومبنيّة على الاعتقاد بأن انتخاب رئيس للجمهورية خاضع لعملية خارجية ومن سيحظى برضى الخارج كما لو أن الكتل النيابية أو الاحزاب تجيّر أصواتها للخارج فتصبح بذلك عملية انتخاب خارجية بواجهة لبنانية فيما انتخاب #المجلس النيابي أخيراً ترجم آراء نصف اللبنانيين، ما يفترض بالنواب ترجمة ذلك على الأقل.