الخلاف بين قيادة الجيش ووزير الدفاع… أبعد من الصلاحيات

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
16 كانون الثاني 2023

يحاول الساسة في لبنان الإيحاء بأن مؤسسة الجيش هي خارج الصراعات السياسية ومحيّدة بالكامل عمّا يجري في دهاليز في السياسة والحكم، وأن هناك اتفاقاً بين الجميع، موالين ومعارضين ومشاركين في السلطة ومعتكفين، على اعتبار أن الأمن والجيش هما من الخطوط الحمر دونهما يصحّ كل شيء.

ولكن ما يجري في الفترة الأخيرة يثبت زيف هذه الادعاءات، فقد أُدخلت المؤسسة في صلب الخلافات بطريقة ملتوية لكنها مؤثرة جداً، خصوصاً أنها تطال القيادة في المؤسسة العسكرية من خلال تركها في شغور قاتل، أو من خلال الخلاف على التواقيع بين 24 أو 16 أو 18 وزيراً، ما يعرقل الترقيات، وأخيراً من خلال الصلاحيات بين السلطة السياسة المتمثلة بوزير الدفاع والقيادة العسكرية المتمثلة بقائد الجيش.

وكان تعيين ضابط لتسيير شؤون المفتشية العامة بين تقاعد المفتش العام اللواء ميلاد إسحق الشعرة التي “قصمت ظهر البعير” بين وزير الدفاع #موريس سليم وقائد الجيش #جوزاف عون، بعد تعيين كل منهما ضابطاً لهذا المنصب، لينتهي الأمر الى أزمة مفتوحة داخل هذا الجهاز، التي ما زالت حتى الساعة من دون حلّ.
وفي هذا الإطار يأتي التداخل في الصلاحيات ليزيد الطين بلّة ويجعل الحل حسب النصوص مستحيلاً، ما يستدعي طرقاً أخرى على الطريقة اللبنانية على شكل تسوية، وإلّا فانتظار استكمال المؤسسات السياسية عبر حكومة جديدة تنهي الشغور وتعيّن ضباطاً أصيلين في المراكز الشاغرة، وهو ما لا يبدو متوفراً في القريب العاجل.

لا يزال كل من الطرفين عند موقفه من التعيين، فوزير الدفاع يؤكد أنه عيّن أعلى ضابط (أرثوذكسي،) في عديد المفتشية العامة العميد ملحم الحداد لتسيير أعمال المفتشية وهذا أمر طبيعي تبعاً للقانون، وهو أمر من حقه ومن ضمن صلاحياته، وأن ما قام قائد الجيش من فصل ضابط من مديرية الأفراد في الجيش على المفتشية العامة مخالف للقانون، وهو في الاصل لا يحق فصل إلا عبره وبالتالي لن يسير بما يخالف القانون.

في المقابل لم يتراجع قائد الجيش عن خطوته بوضع الضابط المعيّن في تصرّف قائد الجيش وبالتالي سحبه من المفتشية العامة، مع إصراره على فصل العميد جرجس ملحم الى المفتشية مستنداً إلى أن العميد ملحم هو أقدم ضابط وأعلى رتبة في الطائفة الأرثوذكسية وبالتالي من حقه تولّي المركز الى حين تعيين ضابط أصيل، مع علمه بأنه لا يستطيع أن يكلفه بتسيير أمور المفتشية لأنها خارجة عن صلاحياته، وبالتالي على وزير الدفاع القيام بهذا الأمر.

وعند هذا الأمر توقفت الأمور، فلا سليم رضخ ووقع ولا القائد أعاد الضابط المفصول، والأمور ما زالت تراوح مكانها.
وفي المعلومات المتوافرة، إن عدداً من المقربين من الشخصيتين يعملون على حل الخلاف ومنهم المحامي ناجي بستاني ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي منعاً لتفاعله، لكنهم لم ينجحوا حتى هذه اللحظة.
وبحسب المعلومات ايضاً إن استفحال الخلاف حول المفتشية أعاد ملفات أخرى الى الواجهة ومنها تعيين رئيس المحكمة العسكرية وممثل الحكومة لدى القوات الدولية، وشؤون مالية تتعلق بالهبات، وزيارات القائد الرسمية للخارج من دون إبلاغ الوزير، ما عقّد آليات الحلّ وأوحى باستمرار المشكلة وتفاقمها وخصوصاً أن هناك مواقع أخرى ستشغر في القريب العاجل ويمكن أن تؤدّي الى اشتباك جديد منها في المديرية العامة للإدارة التي ينطبق عليها ما ينطبق على المفتشية العامة للجيش.

في المقابل، هناك من لا يفصل بين ما يجري في وزارة الدفاع وقيادة الجيش عما يحدث في السياسة، وخصوصاً انتخاب رئيس الجمهورية، ويعتبر أن محاولة تطويق قائد الجيش ضمن مؤسسته استكمال لعملية التطويق السياسية لمنعه من الوصول الى رئاسة الجمهورية، وهذا ما عبّر عنه الوزير جبران باسيل حين انتقد أداء الجيش في أحداث 17 تشرين 2019، وعلى اعتبار ان باسيل يؤمن الغطاء السياسي الكامل لوزير الدفاع، الذي زار في الأيام الماضية نائب رئيس مجلس النواب الياس أبو صعب، الذي صرّح بأنه يدعم قرارات وزير الدفاع، بما يوحي أنه محاولة تأمين غطاء مذهبي أرثوذكسي من أعلى مرجعية أرثوذكسية في الدولة اللبنانية.

وهناك من يعود الى عدم التمديد للضباط المنتهية ولايتهم والإصرار على الشغور تحت حجة تطبيق القانون، وهو شعار محق يراد منه باطل خصوصاً أن تكوين المجلس العسكري ذو طبيعة ميثاقية أي إنه يتألف من ستة أعضاء يمثّلون الطوائف الست الكبرى في البلد، وبالتالي هو مجلس تمثيلي يترأسه قائد الجيش ويعبّر عن التركيبة الطائفية الموجودة في لبنان، لذا أي نقص أو خلل في مضمون وفي تكوين هذا المجلس يتحوّل الى خلل تمثيلي، ويحوّل القرار الى مركزي في يد قائد الجيش وحده وبالتالي تحميله مسؤولية أي خلل أمني على مستوى القرار أو الأداء في المرحلة المقبلة المحفوفة بالمخاطر، يضاف الى ذلك ما يجري حالياً من عدم توقيع مراسيم الترقيات وإدخالها في بازار التواقيع بين رئيس الحكومة و”التيار الوطني”، ما يخلق بلبلة في صفوف الضباط الذين يعانون في الأصل وهم في أمسّ الحاجة الى هذا الدعم المعنوي عبر الترقيات، فعدم إنجازها قد يؤدي ببعضهم الى طلب التسريح، أو تراجع اندفاعه ما يثقل قائد الجيش في إشكاليات هو بغنى عنها وربما تسهم في حرقه باعتبار أنه لم ينجح في مهامه.

الخلاف بين قيادة الجيش ووزير الدفاع… أبعد من الصلاحيات

الكاتب: اسكندر خشاشو | المصدر: النهار
16 كانون الثاني 2023

يحاول الساسة في لبنان الإيحاء بأن مؤسسة الجيش هي خارج الصراعات السياسية ومحيّدة بالكامل عمّا يجري في دهاليز في السياسة والحكم، وأن هناك اتفاقاً بين الجميع، موالين ومعارضين ومشاركين في السلطة ومعتكفين، على اعتبار أن الأمن والجيش هما من الخطوط الحمر دونهما يصحّ كل شيء.

ولكن ما يجري في الفترة الأخيرة يثبت زيف هذه الادعاءات، فقد أُدخلت المؤسسة في صلب الخلافات بطريقة ملتوية لكنها مؤثرة جداً، خصوصاً أنها تطال القيادة في المؤسسة العسكرية من خلال تركها في شغور قاتل، أو من خلال الخلاف على التواقيع بين 24 أو 16 أو 18 وزيراً، ما يعرقل الترقيات، وأخيراً من خلال الصلاحيات بين السلطة السياسة المتمثلة بوزير الدفاع والقيادة العسكرية المتمثلة بقائد الجيش.

وكان تعيين ضابط لتسيير شؤون المفتشية العامة بين تقاعد المفتش العام اللواء ميلاد إسحق الشعرة التي “قصمت ظهر البعير” بين وزير الدفاع #موريس سليم وقائد الجيش #جوزاف عون، بعد تعيين كل منهما ضابطاً لهذا المنصب، لينتهي الأمر الى أزمة مفتوحة داخل هذا الجهاز، التي ما زالت حتى الساعة من دون حلّ.
وفي هذا الإطار يأتي التداخل في الصلاحيات ليزيد الطين بلّة ويجعل الحل حسب النصوص مستحيلاً، ما يستدعي طرقاً أخرى على الطريقة اللبنانية على شكل تسوية، وإلّا فانتظار استكمال المؤسسات السياسية عبر حكومة جديدة تنهي الشغور وتعيّن ضباطاً أصيلين في المراكز الشاغرة، وهو ما لا يبدو متوفراً في القريب العاجل.

لا يزال كل من الطرفين عند موقفه من التعيين، فوزير الدفاع يؤكد أنه عيّن أعلى ضابط (أرثوذكسي،) في عديد المفتشية العامة العميد ملحم الحداد لتسيير أعمال المفتشية وهذا أمر طبيعي تبعاً للقانون، وهو أمر من حقه ومن ضمن صلاحياته، وأن ما قام قائد الجيش من فصل ضابط من مديرية الأفراد في الجيش على المفتشية العامة مخالف للقانون، وهو في الاصل لا يحق فصل إلا عبره وبالتالي لن يسير بما يخالف القانون.

في المقابل لم يتراجع قائد الجيش عن خطوته بوضع الضابط المعيّن في تصرّف قائد الجيش وبالتالي سحبه من المفتشية العامة، مع إصراره على فصل العميد جرجس ملحم الى المفتشية مستنداً إلى أن العميد ملحم هو أقدم ضابط وأعلى رتبة في الطائفة الأرثوذكسية وبالتالي من حقه تولّي المركز الى حين تعيين ضابط أصيل، مع علمه بأنه لا يستطيع أن يكلفه بتسيير أمور المفتشية لأنها خارجة عن صلاحياته، وبالتالي على وزير الدفاع القيام بهذا الأمر.

وعند هذا الأمر توقفت الأمور، فلا سليم رضخ ووقع ولا القائد أعاد الضابط المفصول، والأمور ما زالت تراوح مكانها.
وفي المعلومات المتوافرة، إن عدداً من المقربين من الشخصيتين يعملون على حل الخلاف ومنهم المحامي ناجي بستاني ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي منعاً لتفاعله، لكنهم لم ينجحوا حتى هذه اللحظة.
وبحسب المعلومات ايضاً إن استفحال الخلاف حول المفتشية أعاد ملفات أخرى الى الواجهة ومنها تعيين رئيس المحكمة العسكرية وممثل الحكومة لدى القوات الدولية، وشؤون مالية تتعلق بالهبات، وزيارات القائد الرسمية للخارج من دون إبلاغ الوزير، ما عقّد آليات الحلّ وأوحى باستمرار المشكلة وتفاقمها وخصوصاً أن هناك مواقع أخرى ستشغر في القريب العاجل ويمكن أن تؤدّي الى اشتباك جديد منها في المديرية العامة للإدارة التي ينطبق عليها ما ينطبق على المفتشية العامة للجيش.

في المقابل، هناك من لا يفصل بين ما يجري في وزارة الدفاع وقيادة الجيش عما يحدث في السياسة، وخصوصاً انتخاب رئيس الجمهورية، ويعتبر أن محاولة تطويق قائد الجيش ضمن مؤسسته استكمال لعملية التطويق السياسية لمنعه من الوصول الى رئاسة الجمهورية، وهذا ما عبّر عنه الوزير جبران باسيل حين انتقد أداء الجيش في أحداث 17 تشرين 2019، وعلى اعتبار ان باسيل يؤمن الغطاء السياسي الكامل لوزير الدفاع، الذي زار في الأيام الماضية نائب رئيس مجلس النواب الياس أبو صعب، الذي صرّح بأنه يدعم قرارات وزير الدفاع، بما يوحي أنه محاولة تأمين غطاء مذهبي أرثوذكسي من أعلى مرجعية أرثوذكسية في الدولة اللبنانية.

وهناك من يعود الى عدم التمديد للضباط المنتهية ولايتهم والإصرار على الشغور تحت حجة تطبيق القانون، وهو شعار محق يراد منه باطل خصوصاً أن تكوين المجلس العسكري ذو طبيعة ميثاقية أي إنه يتألف من ستة أعضاء يمثّلون الطوائف الست الكبرى في البلد، وبالتالي هو مجلس تمثيلي يترأسه قائد الجيش ويعبّر عن التركيبة الطائفية الموجودة في لبنان، لذا أي نقص أو خلل في مضمون وفي تكوين هذا المجلس يتحوّل الى خلل تمثيلي، ويحوّل القرار الى مركزي في يد قائد الجيش وحده وبالتالي تحميله مسؤولية أي خلل أمني على مستوى القرار أو الأداء في المرحلة المقبلة المحفوفة بالمخاطر، يضاف الى ذلك ما يجري حالياً من عدم توقيع مراسيم الترقيات وإدخالها في بازار التواقيع بين رئيس الحكومة و”التيار الوطني”، ما يخلق بلبلة في صفوف الضباط الذين يعانون في الأصل وهم في أمسّ الحاجة الى هذا الدعم المعنوي عبر الترقيات، فعدم إنجازها قد يؤدي ببعضهم الى طلب التسريح، أو تراجع اندفاعه ما يثقل قائد الجيش في إشكاليات هو بغنى عنها وربما تسهم في حرقه باعتبار أنه لم ينجح في مهامه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار