لهذا تصرّ اسرائيل على التعدّي في “الخط الأزرق” ولماذا يتصدى لبنان بضراوة لهذا الفعل؟

ليست المرة الاولى يقرر ضابط لبناني برتبة رائد ان الدخول في عراك واشتباك بالأيدي مع جندي اسرائيلي لمنع وحدة اسرائيلية من تثبيت خرق عبر زرع نقطة حدودية جديدة (تسمى باللغة العسكرية معلماً أو وتداً) في احدى نقاط “الخط الازرق” الـ13 في محيط بلدة عيتا الشعب (قضاء بنت جبيل)، وهي نقاط متنازع عليها وتنتشر تقريبا على طول الحدود بين لبنان واسرائيل، منذ جلاء الجيش الاسرائيلي عن الاراضي اللبنانية في أيار عام 2000، واستطرادا منذ عملية ترسيم الحدود البرية الجنوبية التي جرت بُعيد الانسحاب الاسرائيلي عامذاك.
فالمعلوم انه بعد ذاك الانسحاب وهذا الترسيم سجلت التقارير عشرات الحوادث التصادمية المشابهة لحادثة عيتا الشعب قبل ساعات، وكان ابرزها من باب التذكير حادثة شجرة العديسة (قضاء مرجعيون) حيث تصدت آنذاك دورية من الجيش اللبناني بالنار لوحدة عسكرية اسرائيلية كانت تحمي جرافة مكلفة مهمة ازالة شجرة زيتون معمّرة في تلك البقعة الحدودية تعود ملكيتها الى الاراضي اللبنانية وفق إحداثيات الجيش اللبناني والخرائط التي بحوزته.
في حينه، كما هو معلوم، خسرت القوة الاسرائيلية التي كانت في وضع الاعتداء عددا من افرادها بين قتيل ومصاب، لتصير تلك الحادثة بعدها علامة فارقة يستند اليها الجانب اللبناني ليقدمها كفعل دفاعي كفائي عن حقه وسيادته.
وبناء عليه، ومع حادثة العراك الاخيرة في محيط بلدة عيتا الشعب في ساعات بعد ظهر اول من امس، فان خبراء استراتيجيين معنيين بمتابعة مسار الاوضاع على الحدود الجنوبية ورصده بدقة، اظهروا ان ثمة 135 حادثا مماثلا سُجلت منذ ايار عام 2000 الى الأمس القريب. وهي أحداث متنوعة اتخذ حدها الاقصى شكل اشتباك بالنار وبعضها الآخر شكل عراك بالايدي، فيما اتخذت في غالب الاحيان صورة الاستنفار المتبادل من جانب وحدات الجيش والدوريات الاسرائيلية واتخاذ مواقع قتالية قبل ان تأتي احدى دوريات “اليونيفيل” لتضع حدا للتوتر الحاصل عبر ابتداع صيغة تهدئة تعيد الامور الى مربعها الاول مقرونا دوما بالاحتجاج اللبناني الذي كان ينتهي احيانا بتقديم شكوى ضد اسرائيل الى مجلس الامن.
وفي هذا الاطار، يعيد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الدكتور امين حطيط الذي كلفته قيادة الجيش بُعيد الجلاء الاسرائيلي عن الجنوب في ايار عام 2000 الاشراف على عملية ترسيم الحدود البرية مع الجانب الاسرائيلي، وهي مهمة استغرقت اكثر من خمسة اشهر واحتاجت الى جهود وخبرات مكثفة ومضنية، في حديث مع “النهار” التذكير بأصل ما صار يُعرف لاحقا بـ”الخط الازرق”، فيقول: “ان هذه التسمية فرضتها علينا وعلى الجانب الاسرائيلي الامم المتحدة. ولم يعد خافيا ان المسألة انطلقت منذ ان وقع بيننا كجانب لبناني وبين جانب العدو صدام إرادات واختلافات بالعمق خلال عملية ترسيم الحدود البرية حول 13 نقطة”.
واضاف: “بعد جولات ميدانية على طول الحدود، وبعد جولات تفاوض على طاولات المفاوضات تحت اشراف دولي، حصل نوع من التفاهم على 10 نقاط لكننا من جانبنا بقينا متحفّظين عن 3 نقاط. والجدير ذكره يومذاك ان الامم المتحدة هي التي استحدثت صيغة البراميل والخط الازرق المعمول بها الى الآن، والتي تشير ضمناً الى ان هذه البقع الجغرافية متنازع على هويتها. لكن ابان العدوان الاسرائيلي على الاراضي اللبنانية عام 2006 اجتاحت القوات الاسرائيلية التي دخلت الى بعض المناطق الحدودية اللبنانية المحررة، هذه النقاط الداخلة ضمن الخط الازرق، وعلى رغم خروجها منها لاحقا تحت وطأة ضغوط لبنان و”اليونيفيل” القوة التي كانت دخلت الى جنوب الليطاني بموجب القرار الاممي الرقم 1701، إلا انها فرضت عليها بالقوة امرا واقعا عدوانيا خرقت فيه هذه النقاط واعتدت على بعضها، وهو ما رسخ وضعا غير مستقر ينطوي على قابلية التوتر واحتمالات الانفجار”.
ويستطرد العميد حطيط: “المعروف ان قيادة الجيش اللبناني رفعت منسوب ترصّدها لأي فعل اسرائيلي يكون ذا طبيعة عدوانية، لا بل كلفت مجموعات عسكرية أُوكِلت اليها مهمة الرصد والابلاغ عن اي تعدٍّ اسرائيلي على الخط الازرق والتعامل معه على الفور لازالته ووقفه. وبناء على هذا الوضع غير المستقر، سُجلت الصدامات والاحداث المتتالية وكان آخرها حادث الصدام في خراج بلدة عيتا الشعب خلال الساعات القليلة الماضية. ولكنني افترض وفق معطياتنا انطلاقا من معرفتنا بان العقل العدواني الاسرائيلي يختزن من وراء افتعاله مثل هذه الصدامات المتكررة امرين اساسيين: الاول زعزعة مفهوم الحدود الدولية الثابتة وغير القابلة لأي تعديل، والثاني جسّ نبض فعل الرفض والمقاومة عند لبنان وما هو المستوى الذي بلغه”.
ورداً على سؤال عن الاسباب التي تشجع الجانب الاسرائيلي على المضيّ في هذا السلوك الذي يخلق هذه المناخات المتوترة، اجاب العميد حطيط: “الثابت لدينا ان المسألة عند الاسرائيلي تتعدى مسألة الصراع على بقعة جغرافية تراوح مساحتها ما بين 10 و15 مترا مربعا. انهم يريدون ان يكرسوا فرضية استمرار النزاع على الحدود بيننا وبين الاراضي المحتلة، وان الترسيم الحالي لهذه الحدود ليس ترسيما نهائيا بل ترسيم مشكوك فيه. لذا فان المقصود عند الاسرائيلي ابقاء الامور على هذا المستوى المهزوز الى ان تحين ساعة اعادة النظر بالترسيم الحالي للحدود. ومن هذا المنطلق سمعنا عن لسان القيادات العسكرية والسياسية في تل ابيب مصطلح الحدود الجديدة مع لبنان، وهذا يستبطن بطبيعة الحال رغبة في فتح النقاش حول مستقبل النقاط الـ13 المتنازع عليها لضمها لاحقا، خصوصا اذا ما استشعرت اسرائيل تراخياً من الجانب اللبناني او انخفاضا بمستوى الممانعة اللبنانية”.
ويخلص حطيط الى الاستنتاج ان “الفعل المقاوم للضابط اللبناني في محيط عيتا الشعب هو استمرار طبيعي للنهج الذي يتمسك به لبنان منذ عام 2000 وصولا الى اليوم، واستكمال طبيعي ايضا لواقعة شجرة العديسة”.
لهذا تصرّ اسرائيل على التعدّي في “الخط الأزرق” ولماذا يتصدى لبنان بضراوة لهذا الفعل؟

ليست المرة الاولى يقرر ضابط لبناني برتبة رائد ان الدخول في عراك واشتباك بالأيدي مع جندي اسرائيلي لمنع وحدة اسرائيلية من تثبيت خرق عبر زرع نقطة حدودية جديدة (تسمى باللغة العسكرية معلماً أو وتداً) في احدى نقاط “الخط الازرق” الـ13 في محيط بلدة عيتا الشعب (قضاء بنت جبيل)، وهي نقاط متنازع عليها وتنتشر تقريبا على طول الحدود بين لبنان واسرائيل، منذ جلاء الجيش الاسرائيلي عن الاراضي اللبنانية في أيار عام 2000، واستطرادا منذ عملية ترسيم الحدود البرية الجنوبية التي جرت بُعيد الانسحاب الاسرائيلي عامذاك.
فالمعلوم انه بعد ذاك الانسحاب وهذا الترسيم سجلت التقارير عشرات الحوادث التصادمية المشابهة لحادثة عيتا الشعب قبل ساعات، وكان ابرزها من باب التذكير حادثة شجرة العديسة (قضاء مرجعيون) حيث تصدت آنذاك دورية من الجيش اللبناني بالنار لوحدة عسكرية اسرائيلية كانت تحمي جرافة مكلفة مهمة ازالة شجرة زيتون معمّرة في تلك البقعة الحدودية تعود ملكيتها الى الاراضي اللبنانية وفق إحداثيات الجيش اللبناني والخرائط التي بحوزته.
في حينه، كما هو معلوم، خسرت القوة الاسرائيلية التي كانت في وضع الاعتداء عددا من افرادها بين قتيل ومصاب، لتصير تلك الحادثة بعدها علامة فارقة يستند اليها الجانب اللبناني ليقدمها كفعل دفاعي كفائي عن حقه وسيادته.
وبناء عليه، ومع حادثة العراك الاخيرة في محيط بلدة عيتا الشعب في ساعات بعد ظهر اول من امس، فان خبراء استراتيجيين معنيين بمتابعة مسار الاوضاع على الحدود الجنوبية ورصده بدقة، اظهروا ان ثمة 135 حادثا مماثلا سُجلت منذ ايار عام 2000 الى الأمس القريب. وهي أحداث متنوعة اتخذ حدها الاقصى شكل اشتباك بالنار وبعضها الآخر شكل عراك بالايدي، فيما اتخذت في غالب الاحيان صورة الاستنفار المتبادل من جانب وحدات الجيش والدوريات الاسرائيلية واتخاذ مواقع قتالية قبل ان تأتي احدى دوريات “اليونيفيل” لتضع حدا للتوتر الحاصل عبر ابتداع صيغة تهدئة تعيد الامور الى مربعها الاول مقرونا دوما بالاحتجاج اللبناني الذي كان ينتهي احيانا بتقديم شكوى ضد اسرائيل الى مجلس الامن.
وفي هذا الاطار، يعيد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الدكتور امين حطيط الذي كلفته قيادة الجيش بُعيد الجلاء الاسرائيلي عن الجنوب في ايار عام 2000 الاشراف على عملية ترسيم الحدود البرية مع الجانب الاسرائيلي، وهي مهمة استغرقت اكثر من خمسة اشهر واحتاجت الى جهود وخبرات مكثفة ومضنية، في حديث مع “النهار” التذكير بأصل ما صار يُعرف لاحقا بـ”الخط الازرق”، فيقول: “ان هذه التسمية فرضتها علينا وعلى الجانب الاسرائيلي الامم المتحدة. ولم يعد خافيا ان المسألة انطلقت منذ ان وقع بيننا كجانب لبناني وبين جانب العدو صدام إرادات واختلافات بالعمق خلال عملية ترسيم الحدود البرية حول 13 نقطة”.
واضاف: “بعد جولات ميدانية على طول الحدود، وبعد جولات تفاوض على طاولات المفاوضات تحت اشراف دولي، حصل نوع من التفاهم على 10 نقاط لكننا من جانبنا بقينا متحفّظين عن 3 نقاط. والجدير ذكره يومذاك ان الامم المتحدة هي التي استحدثت صيغة البراميل والخط الازرق المعمول بها الى الآن، والتي تشير ضمناً الى ان هذه البقع الجغرافية متنازع على هويتها. لكن ابان العدوان الاسرائيلي على الاراضي اللبنانية عام 2006 اجتاحت القوات الاسرائيلية التي دخلت الى بعض المناطق الحدودية اللبنانية المحررة، هذه النقاط الداخلة ضمن الخط الازرق، وعلى رغم خروجها منها لاحقا تحت وطأة ضغوط لبنان و”اليونيفيل” القوة التي كانت دخلت الى جنوب الليطاني بموجب القرار الاممي الرقم 1701، إلا انها فرضت عليها بالقوة امرا واقعا عدوانيا خرقت فيه هذه النقاط واعتدت على بعضها، وهو ما رسخ وضعا غير مستقر ينطوي على قابلية التوتر واحتمالات الانفجار”.
ويستطرد العميد حطيط: “المعروف ان قيادة الجيش اللبناني رفعت منسوب ترصّدها لأي فعل اسرائيلي يكون ذا طبيعة عدوانية، لا بل كلفت مجموعات عسكرية أُوكِلت اليها مهمة الرصد والابلاغ عن اي تعدٍّ اسرائيلي على الخط الازرق والتعامل معه على الفور لازالته ووقفه. وبناء على هذا الوضع غير المستقر، سُجلت الصدامات والاحداث المتتالية وكان آخرها حادث الصدام في خراج بلدة عيتا الشعب خلال الساعات القليلة الماضية. ولكنني افترض وفق معطياتنا انطلاقا من معرفتنا بان العقل العدواني الاسرائيلي يختزن من وراء افتعاله مثل هذه الصدامات المتكررة امرين اساسيين: الاول زعزعة مفهوم الحدود الدولية الثابتة وغير القابلة لأي تعديل، والثاني جسّ نبض فعل الرفض والمقاومة عند لبنان وما هو المستوى الذي بلغه”.
ورداً على سؤال عن الاسباب التي تشجع الجانب الاسرائيلي على المضيّ في هذا السلوك الذي يخلق هذه المناخات المتوترة، اجاب العميد حطيط: “الثابت لدينا ان المسألة عند الاسرائيلي تتعدى مسألة الصراع على بقعة جغرافية تراوح مساحتها ما بين 10 و15 مترا مربعا. انهم يريدون ان يكرسوا فرضية استمرار النزاع على الحدود بيننا وبين الاراضي المحتلة، وان الترسيم الحالي لهذه الحدود ليس ترسيما نهائيا بل ترسيم مشكوك فيه. لذا فان المقصود عند الاسرائيلي ابقاء الامور على هذا المستوى المهزوز الى ان تحين ساعة اعادة النظر بالترسيم الحالي للحدود. ومن هذا المنطلق سمعنا عن لسان القيادات العسكرية والسياسية في تل ابيب مصطلح الحدود الجديدة مع لبنان، وهذا يستبطن بطبيعة الحال رغبة في فتح النقاش حول مستقبل النقاط الـ13 المتنازع عليها لضمها لاحقا، خصوصا اذا ما استشعرت اسرائيل تراخياً من الجانب اللبناني او انخفاضا بمستوى الممانعة اللبنانية”.
ويخلص حطيط الى الاستنتاج ان “الفعل المقاوم للضابط اللبناني في محيط عيتا الشعب هو استمرار طبيعي للنهج الذي يتمسك به لبنان منذ عام 2000 وصولا الى اليوم، واستكمال طبيعي ايضا لواقعة شجرة العديسة”.






