المنظومة والعبث بالساعة اللبنانية

استقبل الكثيرون الانفراجة الأخيرة بين السعودية وإيران، باعتبارها علامة جيدة وخطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية بين الدولتين، في منطقة تعاني من عدم الاستقرار ومن العنف.
لكن كما يبدو في حالة لبنان، قد لا تكون التسوية بين هذين المؤثرين الإقليميين كافية لإنقاذ البلاد من دوامة الانحدار السريع سياسياً واقتصادياً.
على مدى الأشهر الخمسة الماضية، بقي لبنان بلا رأس للجمهورية. فشل البرلمان في انتخاب بديل للرئيس السابق ميشال عون، حليف «حزب الله»، وفي عهده تسارع الانهيار الاقتصادي والسياسي ليصل مرحلة غير مسبوقة في تاريخ دول المنطقة.
في الآونة الأخيرة، حاول «حزب الله» التسابق مع المفاوضات الإيرانية – السعودية، وأعلن ترشيح النائب السابق سليمان فرنجية للرئاسة؛ وفرنجية صديق شخصي للديكتاتور السوري بشار الأسد، ويوصف بأنه زعيم قبلي تقليدي يترك لفطنته الفكرية أن تطلق الكثير مما هو غير مرغوب فيه.
الثقافة السياسية وبالتالي اللبنانيون يحمّلون الخارج اللوم دوماً على غياب الإصلاح والمحاسبة الداخلية، ما يمهد الطريق نحو بيئة سامة تنتظر تغييراً أو إصلاحاً وحتى الدعم المالي من الخارج، وهو أمر سمح لجماعة مثل «حزب الله» بالتوصل إلى صفقة مع المنظومة الحاكمة، حيث يحميان بعضهما البعض.
يعتقد اللبنانيون عموماً أن بلدهم نموذج للتنوع والتعايش في المنطقة، ما يدفع دول الخليج العربي الغنية بالنفط لمساعدته، كما فعلت في الماضي حين أمنت أجواء الخروج من الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً (1975 – 1990)، وساهمت بإعادة اقتصاده إلى السكة عبر تمويل مشروع الراحل رفيق الحريري.
لكن اليوم مع إجراء طهران مصالحتها مع السعودية، فقدت المنظومة الحاكمة ما يسمى بورقة التوت السياسية التي تغطي «عوراتها» فيها، وانتفى الادعاء بأن أزمة لبنان مرتبطة عضوياً بأزمة المنطقة ودولها.
في الواقع، استبعد التقارب الإيراني – السعودي، لبنان عمداً، حيث أرسلت الرياض إشارات واضحة على رفضها السماح لهذا التقارب أن يساعد بتمكين وكيل إيران اللبناني، أي «حزب الله»، وبالتالي لن يستأنف الدعم السعودي إلا عندما ينتخب اللبنانيون رئيساً ذا أوراق اعتماد سيادية لا تشوبه شائبة.
وبالتالي هذا الأمر يؤدي لاستبعاد فرنجية وأي مرشح يرغب في أن يكون واجهة لـ «حزب الله».
وكان لافتاً خلال الأسبوع الماضي، قيام وفود حكومية خليجية بزيارة بيروت، موضحة لمختلف الأطراف اللبنانية وكذلك «حزب الله»، أن اللبنانيين بحاجة إلى التوصل إلى حل وسط سياسي يجتذب الفاعل الإقليمي والدولي، وبالتالي يمهد الطريق أمام لبنان للعودة إلى دورة الحياة الطبيعية.
بدلاً من الانصياع لنصائح وإشارات التحولات الإقليمية، اختارت المنظومة اللبنانية، الاستمرار في ركل الحلول، ورفض اتخاذ أي خطوة في الاتجاه الصحيح لقيادة لبنان نحو انفراج سياسي واقتصادي.
في الآونة الأخيرة، ضغط رئيس مجلس النواب نبيه بري على رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتأجيل إقرار التوقيت الصيفي، تلبية لما وصف بحاجة المسلمين الذين يصومون شهر رمضان المبارك.
لكن ما وصف بمسرحية بري، تجاوز استرضاء الجمهور، ونجح بخلق عاصفة من الاحتجاج، خصوصاً مع العديد من المسيحيين الذين رأوا أن هدف هذه الخطوة هو إعلان لبنان دولة إسلامية، كما كان وعد حسن نصرالله في ثمانينات القرن الماضي.
استطاعت خطوة بري، بمنع تقديم الساعة، أن تفصل لبنان عن العالم والتكنولوجيا اليومية للناس بالإضافة إلى تعطيل العديد من الرحلات الجوية المجدولة، وتمكنت من صرف الانتباه عن حقيقة أن بري بصفته وصياً على معبد الفساد هذا، يحاول فقط تشتيت الانتباه وشراء المزيد من الوقت على أمل انتخاب رئيس يلبي رغبات المنظومة السياسية.
مراراً وتكراراً استخدم بري الورقة الطائفية لتخويف المسيحيين، وتذكيرهم بأن أعدادهم المتضائلة و«خياراتهم الحمقاء» جعلتهم أقل أهمية من أي وقت مضى.
ومع ذلك، فإن «قرار» بري هذه المرة هو خطوة تشبه ما يقوم به ساحر كهل، يسحب أرنباً من قبعته ليجد هذا المخلوق ميتاً ومتعفناً.
الزيارة الأخيرة التي قامت بها بعثة من صندوق النقد الدولي إلى بيروت، أكدت حجم الإهمال الإجرامي للنخبة الحاكمة، جاء بيانها خروجاً واضحاً عن المصطلحات الديبلوماسية المعتادة، ليتحول إلى اعتماد لغة شديدة، حثت الحكومة على أخذ زمام المبادرة «لمعالجة نقاط الضعف المؤسسية والهيكلية طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد وتمهيد الطريق لتحقيق انتعاش قوي ومستدام».
يمكن للنخبة السياسية اللبنانية، واللبنانيين بالتبعية، الاستمرار في محاولة «الخداع» والمنطق من خلال تأخير الساعة أو تقديمها وكذلك رفض الإصلاح، لكن التغييرات الإقليمية الأخيرة جاءت مرة أخرى لتذكر الجميع بأن لبنان لا يستحق الإنقاذ، إن لم نقل إنه بلد «سخيف» بصيغته الحالية.
المنظومة والعبث بالساعة اللبنانية

استقبل الكثيرون الانفراجة الأخيرة بين السعودية وإيران، باعتبارها علامة جيدة وخطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية بين الدولتين، في منطقة تعاني من عدم الاستقرار ومن العنف.
لكن كما يبدو في حالة لبنان، قد لا تكون التسوية بين هذين المؤثرين الإقليميين كافية لإنقاذ البلاد من دوامة الانحدار السريع سياسياً واقتصادياً.
على مدى الأشهر الخمسة الماضية، بقي لبنان بلا رأس للجمهورية. فشل البرلمان في انتخاب بديل للرئيس السابق ميشال عون، حليف «حزب الله»، وفي عهده تسارع الانهيار الاقتصادي والسياسي ليصل مرحلة غير مسبوقة في تاريخ دول المنطقة.
في الآونة الأخيرة، حاول «حزب الله» التسابق مع المفاوضات الإيرانية – السعودية، وأعلن ترشيح النائب السابق سليمان فرنجية للرئاسة؛ وفرنجية صديق شخصي للديكتاتور السوري بشار الأسد، ويوصف بأنه زعيم قبلي تقليدي يترك لفطنته الفكرية أن تطلق الكثير مما هو غير مرغوب فيه.
الثقافة السياسية وبالتالي اللبنانيون يحمّلون الخارج اللوم دوماً على غياب الإصلاح والمحاسبة الداخلية، ما يمهد الطريق نحو بيئة سامة تنتظر تغييراً أو إصلاحاً وحتى الدعم المالي من الخارج، وهو أمر سمح لجماعة مثل «حزب الله» بالتوصل إلى صفقة مع المنظومة الحاكمة، حيث يحميان بعضهما البعض.
يعتقد اللبنانيون عموماً أن بلدهم نموذج للتنوع والتعايش في المنطقة، ما يدفع دول الخليج العربي الغنية بالنفط لمساعدته، كما فعلت في الماضي حين أمنت أجواء الخروج من الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً (1975 – 1990)، وساهمت بإعادة اقتصاده إلى السكة عبر تمويل مشروع الراحل رفيق الحريري.
لكن اليوم مع إجراء طهران مصالحتها مع السعودية، فقدت المنظومة الحاكمة ما يسمى بورقة التوت السياسية التي تغطي «عوراتها» فيها، وانتفى الادعاء بأن أزمة لبنان مرتبطة عضوياً بأزمة المنطقة ودولها.
في الواقع، استبعد التقارب الإيراني – السعودي، لبنان عمداً، حيث أرسلت الرياض إشارات واضحة على رفضها السماح لهذا التقارب أن يساعد بتمكين وكيل إيران اللبناني، أي «حزب الله»، وبالتالي لن يستأنف الدعم السعودي إلا عندما ينتخب اللبنانيون رئيساً ذا أوراق اعتماد سيادية لا تشوبه شائبة.
وبالتالي هذا الأمر يؤدي لاستبعاد فرنجية وأي مرشح يرغب في أن يكون واجهة لـ «حزب الله».
وكان لافتاً خلال الأسبوع الماضي، قيام وفود حكومية خليجية بزيارة بيروت، موضحة لمختلف الأطراف اللبنانية وكذلك «حزب الله»، أن اللبنانيين بحاجة إلى التوصل إلى حل وسط سياسي يجتذب الفاعل الإقليمي والدولي، وبالتالي يمهد الطريق أمام لبنان للعودة إلى دورة الحياة الطبيعية.
بدلاً من الانصياع لنصائح وإشارات التحولات الإقليمية، اختارت المنظومة اللبنانية، الاستمرار في ركل الحلول، ورفض اتخاذ أي خطوة في الاتجاه الصحيح لقيادة لبنان نحو انفراج سياسي واقتصادي.
في الآونة الأخيرة، ضغط رئيس مجلس النواب نبيه بري على رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتأجيل إقرار التوقيت الصيفي، تلبية لما وصف بحاجة المسلمين الذين يصومون شهر رمضان المبارك.
لكن ما وصف بمسرحية بري، تجاوز استرضاء الجمهور، ونجح بخلق عاصفة من الاحتجاج، خصوصاً مع العديد من المسيحيين الذين رأوا أن هدف هذه الخطوة هو إعلان لبنان دولة إسلامية، كما كان وعد حسن نصرالله في ثمانينات القرن الماضي.
استطاعت خطوة بري، بمنع تقديم الساعة، أن تفصل لبنان عن العالم والتكنولوجيا اليومية للناس بالإضافة إلى تعطيل العديد من الرحلات الجوية المجدولة، وتمكنت من صرف الانتباه عن حقيقة أن بري بصفته وصياً على معبد الفساد هذا، يحاول فقط تشتيت الانتباه وشراء المزيد من الوقت على أمل انتخاب رئيس يلبي رغبات المنظومة السياسية.
مراراً وتكراراً استخدم بري الورقة الطائفية لتخويف المسيحيين، وتذكيرهم بأن أعدادهم المتضائلة و«خياراتهم الحمقاء» جعلتهم أقل أهمية من أي وقت مضى.
ومع ذلك، فإن «قرار» بري هذه المرة هو خطوة تشبه ما يقوم به ساحر كهل، يسحب أرنباً من قبعته ليجد هذا المخلوق ميتاً ومتعفناً.
الزيارة الأخيرة التي قامت بها بعثة من صندوق النقد الدولي إلى بيروت، أكدت حجم الإهمال الإجرامي للنخبة الحاكمة، جاء بيانها خروجاً واضحاً عن المصطلحات الديبلوماسية المعتادة، ليتحول إلى اعتماد لغة شديدة، حثت الحكومة على أخذ زمام المبادرة «لمعالجة نقاط الضعف المؤسسية والهيكلية طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد وتمهيد الطريق لتحقيق انتعاش قوي ومستدام».
يمكن للنخبة السياسية اللبنانية، واللبنانيين بالتبعية، الاستمرار في محاولة «الخداع» والمنطق من خلال تأخير الساعة أو تقديمها وكذلك رفض الإصلاح، لكن التغييرات الإقليمية الأخيرة جاءت مرة أخرى لتذكر الجميع بأن لبنان لا يستحق الإنقاذ، إن لم نقل إنه بلد «سخيف» بصيغته الحالية.





