سلسلة “غير مشرّفة” من الاستدعاءات الأمنية لصحافيين: تكريس نمط الأجهزة والأخطر ما يحضَّر لقانون إعلام جديد!

الكاتب: منال شعيا | المصدر: النهار
4 نيسان 2023

من امام قصر العدل وُجهت الرسالة: “قهوتكم مش مشروبة”. بهذه العبارة المختصرة تم التأكيد ان التحقيقات الأمنية مع الصحافيين غير قانونية. منذ فترة، وتتكرّر المسألة، كما لو انها باتت نمطا سائدا، والأخطر علنيا.

آخر هذه الفصول استدعاء جهاز أمن الدولة الاعلامي جان قصير وموقع “ميغافون” للتحقيق معه على خلفية إشارة تحقيق صادرة عن المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات.

هكذا ينسف المعنيون في السلطة القضائية قانون المطبوعات وقدسية حرية الرأي والتعبير، والاهم قدسية الحريات الإعلامية، متناسين ان ثمة قانونا خاصا للصحافيين ومحكمة مختصة تعنى بهذه القضايا حصرا. هو قانون المطبوعات، وهي محكمة المطبوعات.

ببساطة، واحيانا من دون “شخطة” قلم، يتم التعمية والالتفاف على الضوابط القانونية، متناسين ان دور القضاء هو إحقاق الحق وحماية حقوق الناس، لا التعدي على الحريات وتكريس مقولة الإفلات من العقاب، كما لو انهم يطلقون العنان لدور الأجهزة الأمنية وممارساتها بحق الصحافيين، فيصار الى تذكيرنا بأن اعتراض السيارات وملاحقة تحركاتهم عادت الى الواجهة، من أيام زمن الوصاية السورية والتضييق الفاضح الذي كان سائدا يومذاك بحق الإعلاميين الاحرار والسياديين.

عَود على بدء؟ هذا السؤال بات مشروعا بعدما تعددت، في الآونة الأخيرة، الاستدعاءات الأمنية، او بالأحرى الانتهاكات لقانون المطبوعات وحرية الرأي.

قصة “ميغافون” مع محاولة الاستدعاء ليست جديدة، اذ اعلن وزير العدل هنري خوري مطلع العام الحالي نيته الادعاء على الموقع بسب نشره خبرا تضمن “معلومات عن خبايا الانقلاب السياسي على التحقيق في جريمة تفجير المرفأ والتآمر على المحقق العدلي طارق البيطار”، وكأن ثمة استسهالا في محاولة تطويع الاعلام، في ظل الازمات المتعددة وغير المسبوقة.
واللائحة تطول. انها سلسلة غير مشرّفة من الاستدعاءات، حصلت عليها “النهار”، ترصد ابرز الاختراقات منذ بداية السنة الحالية، وليس كلها بالطبع.

استدعاء لارا بيطار الى التحقيق امام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية على خلفية كتابة مقال.
ثم مقاضاة مؤسسة إعلامية بسبب تحقيق عن واحدة من الجرائم البيئية التي ارتُكبت خلال الحرب، والتي لا يشملها قانون العفو العام، بعدما قرر أحد الاحزاب ان هذا الامر يضر بالسلم والمصلحة الوطنية العليا، وكأن هناك توجها لتكريس محاولة حملة ترهيب وتضييق لمساحة الحريات والتعبير عن الرأي.

وفي بداية العام أيضا، تعرّض حرس مجلس النواب لسلامة الإعلامي غدي بو موسى، حين قرر تغطية اعتصام النائبين ملحم خلف ونجاة عون، فسمع حينها تهديدا واضحا وعلنيا عبر كلام يطاول امنه الشخصي!

… وبعد، اللائحة تطول والتراكم يكبر. كما لو ان القضاء سلّم الدفة للأجهزة الأمنية، على اختلاف أنواعها…من رسمية الى حزبية احيانا…

تنميط المسألة
والسؤال: هل يمكن ان نكون قد دخلنا في مرحلة تنميط لهذا التضييق، وكأن في الامر نية جازمة بتخويف الصحافيين؟

تقول منسقة “تجمع نقابة الصحافة البديلة” إلسي مفرّج لـ”النهار”: “نلمس ان ثمة توجها لهذا الامر، لان الاحداث والاستدعاءات تتوالى. ما حرّكنا اليوم، ليست قضية قصير بذاتها انما تراكم الاحداث في الفترة الأخيرة، ما دفعنا الى ان نكون حذرين من أي تكريس لهذا النمط او لهذه المعاملة الخارجة عن الأصول، والاهم المخالفة للقانون”.

انما الأخطر، وفق مفرج، ما يمهَّد له على صعيد اقتراح قانون للاعلام.

تشرح: “ثمة اقتراح قانون للاعلام موجود في ادراج مجلس النواب، ويا للأسف يتم تشويهه في بعض الجوانب، من حيث الملاحظات والمناقشات، لاسيما انه صامد داخل اللجان منذ اكثر من عشرة أعوام. وما عرفناه أخيرا ان ثمة مسعى او محاولة من نقيبي المحامين والمحررين عبر التمسك بالصيغة الحالية، التي هي بعيدة كل البعد عن احترام الحريات الإعلامية”.

وتتدارك: “في تفاصيل هذه الصيغة، تعداد للائحة طويلة من العقوبات بحق صحافيين، ومن ضمنها عقوبة السجن. ان هذا الاقتراح امر خطير يجمل كل المؤسسات الإعلامية والصحافية، وجميع العاملين في القطاع في الفترة اللاحقة. هذا الاقتراح، اذا تحوّل قانونا، مع ما نشهده من حملة استدعاءات وخروق حالية، يشعرنا ان ثمة توجها غير مطمئن على صعيد الحريات”.

وإذ تشدد على انه “مقابل هذه الحملة، نسعى الى خلق توجه معاكس مع عدد من المنظمات الحقوقية والفعالة للضغط لعدم إقرار الاقتراح كما هو”، تشير الى ان “جرائم القدح والذم والتشهير خاضعة حاليا للقانون الجزائي، ونسعى الى التقدم باقتراح قانون يجعل هذه الجرائم ملحقة بالقانون المدني لا الجزائي. كل ذلك، يشكل فضاء أوسع للحريات”.

وتختم: “نحن نريد ألا نقف عند حدود اعتصام او استنكار، لدى توقيف أي صحافي، انما ان نذهب الى أساس المسألة كي نعطي حماية أوسع وهامش تعبير اكبر، لانها حلقة متكاملة”.
الأخطر ان تصبح المسألة امرا عاديا عبر استسهال الاستدعاءات المخالفة أساسا في الشكل، قبل التطرق الى مضمون الدعوى او “التهمة”، وكأننا نتجه نحو تكريس نمط الانظمة الأمنية، او ان يصبح “الفارون من العدالة يلاحقون الصحافيين”، كما كُتب في احدى اللافتات في الاعتصام الأخير. فهل عاد النظام الأمني… الذي استُشهد في وجهه صحافيون وأحرار؟!

سلسلة “غير مشرّفة” من الاستدعاءات الأمنية لصحافيين: تكريس نمط الأجهزة والأخطر ما يحضَّر لقانون إعلام جديد!

الكاتب: منال شعيا | المصدر: النهار
4 نيسان 2023

من امام قصر العدل وُجهت الرسالة: “قهوتكم مش مشروبة”. بهذه العبارة المختصرة تم التأكيد ان التحقيقات الأمنية مع الصحافيين غير قانونية. منذ فترة، وتتكرّر المسألة، كما لو انها باتت نمطا سائدا، والأخطر علنيا.

آخر هذه الفصول استدعاء جهاز أمن الدولة الاعلامي جان قصير وموقع “ميغافون” للتحقيق معه على خلفية إشارة تحقيق صادرة عن المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات.

هكذا ينسف المعنيون في السلطة القضائية قانون المطبوعات وقدسية حرية الرأي والتعبير، والاهم قدسية الحريات الإعلامية، متناسين ان ثمة قانونا خاصا للصحافيين ومحكمة مختصة تعنى بهذه القضايا حصرا. هو قانون المطبوعات، وهي محكمة المطبوعات.

ببساطة، واحيانا من دون “شخطة” قلم، يتم التعمية والالتفاف على الضوابط القانونية، متناسين ان دور القضاء هو إحقاق الحق وحماية حقوق الناس، لا التعدي على الحريات وتكريس مقولة الإفلات من العقاب، كما لو انهم يطلقون العنان لدور الأجهزة الأمنية وممارساتها بحق الصحافيين، فيصار الى تذكيرنا بأن اعتراض السيارات وملاحقة تحركاتهم عادت الى الواجهة، من أيام زمن الوصاية السورية والتضييق الفاضح الذي كان سائدا يومذاك بحق الإعلاميين الاحرار والسياديين.

عَود على بدء؟ هذا السؤال بات مشروعا بعدما تعددت، في الآونة الأخيرة، الاستدعاءات الأمنية، او بالأحرى الانتهاكات لقانون المطبوعات وحرية الرأي.

قصة “ميغافون” مع محاولة الاستدعاء ليست جديدة، اذ اعلن وزير العدل هنري خوري مطلع العام الحالي نيته الادعاء على الموقع بسب نشره خبرا تضمن “معلومات عن خبايا الانقلاب السياسي على التحقيق في جريمة تفجير المرفأ والتآمر على المحقق العدلي طارق البيطار”، وكأن ثمة استسهالا في محاولة تطويع الاعلام، في ظل الازمات المتعددة وغير المسبوقة.
واللائحة تطول. انها سلسلة غير مشرّفة من الاستدعاءات، حصلت عليها “النهار”، ترصد ابرز الاختراقات منذ بداية السنة الحالية، وليس كلها بالطبع.

استدعاء لارا بيطار الى التحقيق امام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية على خلفية كتابة مقال.
ثم مقاضاة مؤسسة إعلامية بسبب تحقيق عن واحدة من الجرائم البيئية التي ارتُكبت خلال الحرب، والتي لا يشملها قانون العفو العام، بعدما قرر أحد الاحزاب ان هذا الامر يضر بالسلم والمصلحة الوطنية العليا، وكأن هناك توجها لتكريس محاولة حملة ترهيب وتضييق لمساحة الحريات والتعبير عن الرأي.

وفي بداية العام أيضا، تعرّض حرس مجلس النواب لسلامة الإعلامي غدي بو موسى، حين قرر تغطية اعتصام النائبين ملحم خلف ونجاة عون، فسمع حينها تهديدا واضحا وعلنيا عبر كلام يطاول امنه الشخصي!

… وبعد، اللائحة تطول والتراكم يكبر. كما لو ان القضاء سلّم الدفة للأجهزة الأمنية، على اختلاف أنواعها…من رسمية الى حزبية احيانا…

تنميط المسألة
والسؤال: هل يمكن ان نكون قد دخلنا في مرحلة تنميط لهذا التضييق، وكأن في الامر نية جازمة بتخويف الصحافيين؟

تقول منسقة “تجمع نقابة الصحافة البديلة” إلسي مفرّج لـ”النهار”: “نلمس ان ثمة توجها لهذا الامر، لان الاحداث والاستدعاءات تتوالى. ما حرّكنا اليوم، ليست قضية قصير بذاتها انما تراكم الاحداث في الفترة الأخيرة، ما دفعنا الى ان نكون حذرين من أي تكريس لهذا النمط او لهذه المعاملة الخارجة عن الأصول، والاهم المخالفة للقانون”.

انما الأخطر، وفق مفرج، ما يمهَّد له على صعيد اقتراح قانون للاعلام.

تشرح: “ثمة اقتراح قانون للاعلام موجود في ادراج مجلس النواب، ويا للأسف يتم تشويهه في بعض الجوانب، من حيث الملاحظات والمناقشات، لاسيما انه صامد داخل اللجان منذ اكثر من عشرة أعوام. وما عرفناه أخيرا ان ثمة مسعى او محاولة من نقيبي المحامين والمحررين عبر التمسك بالصيغة الحالية، التي هي بعيدة كل البعد عن احترام الحريات الإعلامية”.

وتتدارك: “في تفاصيل هذه الصيغة، تعداد للائحة طويلة من العقوبات بحق صحافيين، ومن ضمنها عقوبة السجن. ان هذا الاقتراح امر خطير يجمل كل المؤسسات الإعلامية والصحافية، وجميع العاملين في القطاع في الفترة اللاحقة. هذا الاقتراح، اذا تحوّل قانونا، مع ما نشهده من حملة استدعاءات وخروق حالية، يشعرنا ان ثمة توجها غير مطمئن على صعيد الحريات”.

وإذ تشدد على انه “مقابل هذه الحملة، نسعى الى خلق توجه معاكس مع عدد من المنظمات الحقوقية والفعالة للضغط لعدم إقرار الاقتراح كما هو”، تشير الى ان “جرائم القدح والذم والتشهير خاضعة حاليا للقانون الجزائي، ونسعى الى التقدم باقتراح قانون يجعل هذه الجرائم ملحقة بالقانون المدني لا الجزائي. كل ذلك، يشكل فضاء أوسع للحريات”.

وتختم: “نحن نريد ألا نقف عند حدود اعتصام او استنكار، لدى توقيف أي صحافي، انما ان نذهب الى أساس المسألة كي نعطي حماية أوسع وهامش تعبير اكبر، لانها حلقة متكاملة”.
الأخطر ان تصبح المسألة امرا عاديا عبر استسهال الاستدعاءات المخالفة أساسا في الشكل، قبل التطرق الى مضمون الدعوى او “التهمة”، وكأننا نتجه نحو تكريس نمط الانظمة الأمنية، او ان يصبح “الفارون من العدالة يلاحقون الصحافيين”، كما كُتب في احدى اللافتات في الاعتصام الأخير. فهل عاد النظام الأمني… الذي استُشهد في وجهه صحافيون وأحرار؟!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار