المقاربة العربية إزاء الأسد: هل طُوي القرار 2254؟

الكاتب: روزانا بومنصف | المصدر: النهار
4 نيسان 2023

هل أحيلت جهود الأمم المتحدة الى المساعدات الإنسانية فحسب بعيداً من الحل السياسي؟

يحظى التسارع في المقاربة العربية الجديدة إزاء النظام السوري ورئيسه بشار الأسد باهتمام كبير ولا سيما بعد الاتجاه المعلن لدعوته من المملكة العربية السعودية الى المشاركة في القمة العربية المرتقبة في أيار المقبل في المملكة. فهذا الأفق لحل محتمل بدا غريباً في حد ذاته في ظل أفق مسدود لأي اتفاق أميركي روسي، لعله كان السبب في تحرك عربي لم يعد قادراً على الانتظار فيما يسجل خسارة العرب أربع عواصم عربية لمصلحة إيران وفق زعم مسؤوليها واحتكار كل من إيران وإسرائيل وتركيا إدارة المنطقة والتحكم بها بعيداً من أي رأي وازن للدول العربية. ولكن هل طار القرار 2254؟ وهل أحيلت جهود الأمم المتحدة الى المساعدات الإنسانية فحسب بعيداً من الحل السياسي الذي أوكل إليها لإيجاده؟ وما الثمن الذي ستأخذه الدول العربية من النظام إزاء إعادة إحياء شرعيته واستيعابه عربياً؟

في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف وهي زارت مصر والأردن اللذين بدآ بدورهما المقاربة العربية الجديدة إزاء الأسد قالت الديبلوماسية الاميركية “إن نهج الولايات المتحدة تجاه سوريا لم يتغيّر. نحن لا نؤيد التطبيع. نحن لا ننوي التطبيع مع النظام بأنفسنا. وإذا نظرت إلى الإجراءات التي اتخذناها هذا الأسبوع، أعتقد أنها تسلط الضوء على الإجراءات والعقوبات التي أعلنّاها في 28 آذار ضد ستة أفراد وكيانين مملوكين لأحد هؤلاء الأفراد المقربين من النظام والأسرة الأعضاء، وما إلى ذلك. سترى مجموعة أخرى من القضايا التي تدخل في صميم سبب اعتقادنا أن هذا النظام يمثل كارثة لشعبه، ولكن أيضاً لجواره. لذلك أصدرنا هذه العقوبات مع المملكة المتحدة لإنتاج وتصدير الكبتاغون في سوريا ولبنان. هذا بلاء جديد ومخيف في جميع أنحاء المنطقة. ولذا يمكنني العودة إلى قرار مجلس الأمن الرقم 2254 وأستشهد بك في كل الأشياء التي فشل النظام في القيام بها، لكن الاستفادة من تجارة الكبتاغون هي مجرد مثال فظيع آخر على سبب ذلك – لماذا يستحق هذا النظام أن يعامل مثل المارق الذي هو عليه؟”.

اضافت: “الآن، بعد قولي هذا، نجري مناقشات منتظمة مع شركائنا حول مسار عملهم والتحول في السياسة. بعضهم قال بصراحة شديدة، وفي السر، وقد سمعت بعضهم يقول علناً، من وجهة نظرهم، إن العزلة لم تنجح؛ يريدون تجربة المشاركة. ومنهجنا في هذا الصدد هو أن نقول، تأكد من حصولك على شيء مقابل هذه المشاركة. وأود أن أضع إنهاء تجارة الكبتاغون في المقدمة جنباً إلى جنب مع الإصدارات الأخرى من 2254 التي تهدف إلى توفير الإغاثة للشعب السوري من العقد الرهيب من القمع الذي عاناه”.

ومن غير المريح للإدارة الأميركية هذا “التفلت” العربي إزاء النظام السوري في الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن مجدداً موقفها الرافض للتطبيع معه. وقد تعرّضت الإدارة لانتقادات شديدة في رسالة سياسية وجهتها شخصيات من الحزبين الديموقراطي والجمهوري الى الرئيس الاميركي ووزير خارجيته يلومون فيه الادارة أنها لم تفعل ما يكفي لوقف تطبيع الدول العربية مع حكومة الأسد.

على ماذا سيحصل العرب في المقابل من بشار الأسد، هو السؤال الأبرز، على رغم سريان الاعتقاد بأن سياسة الخطوة خطوة التي أعلن عنها الأردن فشلت مع الموفد الأممي غير بيدرسون فيما المعروض على النظام كثير ومغرٍ في انتظار رؤية ما سينفذه النظام. وغضّ النظر العربي عن “الجرائم” التي ارتكبها النظام ضد شعبه قتلاً أو تهجيراً يبدو تجاوزاً هائلاً في المعايير الأخلاقية وحتى السياسية بحيث إن المقاربة لاستيعاب سوريا عربياً من جديد يُفترض أن يظهر فيها النظام استحقاقه ذلك. ولكن المسألة لا تتعلق بالأخلاق بل بالسياسة والمصالح الإقليمية والدولية. وثمة من يرى أن الانفتاح العربي على النظام قد يوفر على الولايات المتحدة والدول الغربية تبعة تجاوز هذه النقطة علماً بأنه يمكن القول إن تفسير القرار 2254 يقوم على أننا انتهينا من تغيير النظام الى التغيير من ضمن النظام. والتغيير في النظام يتم بالتفاهم معه لا بفرض التغيير كشرط مسبق لم ينجح العرب أو الأمم المتحدة في فرضه. وهذا مخرج آخر للدول الغربية ولا سيما في ظل انشغالاتها بأولوية الحرب في أوكرانيا والتوتر مع الصين بالنسبة الى الولايات المتحدة وتالياً العجز عن المضيّ في تفعيل تنفيذ القرار 2254 أو التقدّم فيه أو التحدث مع روسيا التي لها النفوذ الأكبر في سوريا جنباً الى جنب مع إيران كذلك. ولكن يمكن أن تستمر الدول الغربية في الإمساك بورقة عدم الاعتراف بشرعية النظام واستخدامها من أجل رفد تنفيذ القرار 2254، إن كان السعي الى العمل به لا يزال قائماً، بعناصر ضاغطة على النظام.

والأمر المحسوم أن المقاربة العربية تأتي في وقت صعب بالنسبة الى حاجة روسيا وإيران العاجزتين عن وقف انهيار الوضع الاقتصادي في سوريا بداية وليس فقط المساهمة في عملية إعادة الإعمار، ما قد يسهم في تخفيف إيران قبضتها أو سيطرتها بعض الشيء تخفيفاً للصدام مع المملكة السعودية والدول العربية من دون التخلي عن النظام الذي قد يحاول اكتساب هامش بمساعدة روسيا للقول إنه يستطيع استعادة زمام الإمور وإدارة سياسة متوازنة. وهل يكفي تغيير بعض الوزراء في الحكومة للقول بمقاربة مختلفة للنظام وإعادة نظر في السياسات المعتمدة؟ وهل سيمكن القول إن محور الممانعة يضم سوريا الى إيران و”حزب الله” في لبنان؟ فإعادة التطبيع العربي مع النظام تكمن في أساسها بإبعاده عن إيران علماً بأن الجميع يعرفون أنه يعجز عن ذلك وهو في أفضل الأحوال يحاول أن يوازن الأمور مع إيران بالتعاون مع روسيا والدول العربية فيما يعوّل المراقبون على حل يؤخذ بالتدريج عبر العرب ويُستكمل عبر الأميركيين والغربيين. ولكن على العرب أن ينجحوا بداية في مقاربتهم.

المقاربة العربية إزاء الأسد: هل طُوي القرار 2254؟

الكاتب: روزانا بومنصف | المصدر: النهار
4 نيسان 2023

هل أحيلت جهود الأمم المتحدة الى المساعدات الإنسانية فحسب بعيداً من الحل السياسي؟

يحظى التسارع في المقاربة العربية الجديدة إزاء النظام السوري ورئيسه بشار الأسد باهتمام كبير ولا سيما بعد الاتجاه المعلن لدعوته من المملكة العربية السعودية الى المشاركة في القمة العربية المرتقبة في أيار المقبل في المملكة. فهذا الأفق لحل محتمل بدا غريباً في حد ذاته في ظل أفق مسدود لأي اتفاق أميركي روسي، لعله كان السبب في تحرك عربي لم يعد قادراً على الانتظار فيما يسجل خسارة العرب أربع عواصم عربية لمصلحة إيران وفق زعم مسؤوليها واحتكار كل من إيران وإسرائيل وتركيا إدارة المنطقة والتحكم بها بعيداً من أي رأي وازن للدول العربية. ولكن هل طار القرار 2254؟ وهل أحيلت جهود الأمم المتحدة الى المساعدات الإنسانية فحسب بعيداً من الحل السياسي الذي أوكل إليها لإيجاده؟ وما الثمن الذي ستأخذه الدول العربية من النظام إزاء إعادة إحياء شرعيته واستيعابه عربياً؟

في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف وهي زارت مصر والأردن اللذين بدآ بدورهما المقاربة العربية الجديدة إزاء الأسد قالت الديبلوماسية الاميركية “إن نهج الولايات المتحدة تجاه سوريا لم يتغيّر. نحن لا نؤيد التطبيع. نحن لا ننوي التطبيع مع النظام بأنفسنا. وإذا نظرت إلى الإجراءات التي اتخذناها هذا الأسبوع، أعتقد أنها تسلط الضوء على الإجراءات والعقوبات التي أعلنّاها في 28 آذار ضد ستة أفراد وكيانين مملوكين لأحد هؤلاء الأفراد المقربين من النظام والأسرة الأعضاء، وما إلى ذلك. سترى مجموعة أخرى من القضايا التي تدخل في صميم سبب اعتقادنا أن هذا النظام يمثل كارثة لشعبه، ولكن أيضاً لجواره. لذلك أصدرنا هذه العقوبات مع المملكة المتحدة لإنتاج وتصدير الكبتاغون في سوريا ولبنان. هذا بلاء جديد ومخيف في جميع أنحاء المنطقة. ولذا يمكنني العودة إلى قرار مجلس الأمن الرقم 2254 وأستشهد بك في كل الأشياء التي فشل النظام في القيام بها، لكن الاستفادة من تجارة الكبتاغون هي مجرد مثال فظيع آخر على سبب ذلك – لماذا يستحق هذا النظام أن يعامل مثل المارق الذي هو عليه؟”.

اضافت: “الآن، بعد قولي هذا، نجري مناقشات منتظمة مع شركائنا حول مسار عملهم والتحول في السياسة. بعضهم قال بصراحة شديدة، وفي السر، وقد سمعت بعضهم يقول علناً، من وجهة نظرهم، إن العزلة لم تنجح؛ يريدون تجربة المشاركة. ومنهجنا في هذا الصدد هو أن نقول، تأكد من حصولك على شيء مقابل هذه المشاركة. وأود أن أضع إنهاء تجارة الكبتاغون في المقدمة جنباً إلى جنب مع الإصدارات الأخرى من 2254 التي تهدف إلى توفير الإغاثة للشعب السوري من العقد الرهيب من القمع الذي عاناه”.

ومن غير المريح للإدارة الأميركية هذا “التفلت” العربي إزاء النظام السوري في الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن مجدداً موقفها الرافض للتطبيع معه. وقد تعرّضت الإدارة لانتقادات شديدة في رسالة سياسية وجهتها شخصيات من الحزبين الديموقراطي والجمهوري الى الرئيس الاميركي ووزير خارجيته يلومون فيه الادارة أنها لم تفعل ما يكفي لوقف تطبيع الدول العربية مع حكومة الأسد.

على ماذا سيحصل العرب في المقابل من بشار الأسد، هو السؤال الأبرز، على رغم سريان الاعتقاد بأن سياسة الخطوة خطوة التي أعلن عنها الأردن فشلت مع الموفد الأممي غير بيدرسون فيما المعروض على النظام كثير ومغرٍ في انتظار رؤية ما سينفذه النظام. وغضّ النظر العربي عن “الجرائم” التي ارتكبها النظام ضد شعبه قتلاً أو تهجيراً يبدو تجاوزاً هائلاً في المعايير الأخلاقية وحتى السياسية بحيث إن المقاربة لاستيعاب سوريا عربياً من جديد يُفترض أن يظهر فيها النظام استحقاقه ذلك. ولكن المسألة لا تتعلق بالأخلاق بل بالسياسة والمصالح الإقليمية والدولية. وثمة من يرى أن الانفتاح العربي على النظام قد يوفر على الولايات المتحدة والدول الغربية تبعة تجاوز هذه النقطة علماً بأنه يمكن القول إن تفسير القرار 2254 يقوم على أننا انتهينا من تغيير النظام الى التغيير من ضمن النظام. والتغيير في النظام يتم بالتفاهم معه لا بفرض التغيير كشرط مسبق لم ينجح العرب أو الأمم المتحدة في فرضه. وهذا مخرج آخر للدول الغربية ولا سيما في ظل انشغالاتها بأولوية الحرب في أوكرانيا والتوتر مع الصين بالنسبة الى الولايات المتحدة وتالياً العجز عن المضيّ في تفعيل تنفيذ القرار 2254 أو التقدّم فيه أو التحدث مع روسيا التي لها النفوذ الأكبر في سوريا جنباً الى جنب مع إيران كذلك. ولكن يمكن أن تستمر الدول الغربية في الإمساك بورقة عدم الاعتراف بشرعية النظام واستخدامها من أجل رفد تنفيذ القرار 2254، إن كان السعي الى العمل به لا يزال قائماً، بعناصر ضاغطة على النظام.

والأمر المحسوم أن المقاربة العربية تأتي في وقت صعب بالنسبة الى حاجة روسيا وإيران العاجزتين عن وقف انهيار الوضع الاقتصادي في سوريا بداية وليس فقط المساهمة في عملية إعادة الإعمار، ما قد يسهم في تخفيف إيران قبضتها أو سيطرتها بعض الشيء تخفيفاً للصدام مع المملكة السعودية والدول العربية من دون التخلي عن النظام الذي قد يحاول اكتساب هامش بمساعدة روسيا للقول إنه يستطيع استعادة زمام الإمور وإدارة سياسة متوازنة. وهل يكفي تغيير بعض الوزراء في الحكومة للقول بمقاربة مختلفة للنظام وإعادة نظر في السياسات المعتمدة؟ وهل سيمكن القول إن محور الممانعة يضم سوريا الى إيران و”حزب الله” في لبنان؟ فإعادة التطبيع العربي مع النظام تكمن في أساسها بإبعاده عن إيران علماً بأن الجميع يعرفون أنه يعجز عن ذلك وهو في أفضل الأحوال يحاول أن يوازن الأمور مع إيران بالتعاون مع روسيا والدول العربية فيما يعوّل المراقبون على حل يؤخذ بالتدريج عبر العرب ويُستكمل عبر الأميركيين والغربيين. ولكن على العرب أن ينجحوا بداية في مقاربتهم.

مزيد من الأخبار