ذكرى الحرب في زمن السلم: لا شيء تغير!

في عشية مثل هذا اليوم من العام ١٩٧٥، اندلعت شرارة حرب اهلية دامت لعقد ونصف من الزمن، ليستعيد لبنان بعدها استقراره السياسي والامني، من دون ان يسترجع شعبه سلامه الحقيقي. فالبلد المنقسم طائفياً وحزبياً ابان الحرب لا يزال على حاله بعد ٤٨ عاماًعلى بدئها، و٣٣ عاماً على انتهائها. واذا كانت تلك الحرب اعتمدت المدافع والرصاص وسيلة تخاطب بين ابطالها، فإن لبنان يعيشها اليوم بلغة مختلفة، انما بالادوات ذاتهاوالابطال انفسهم.
قلة من اللبنانيين تستذكر اليوم الحرب ومآسيها، بعدما بينت الحرب الاقتصادية والمالية انها قادرة ان تكون اعتى وأقسى، امام انهيار الدولة ومؤسساتها وصولاً الى تهديد الكيان والنظام .
في الزمن الذي تتنافس فيه دول المنطقة على الريادة والتطور والتنمية، يتنافس اللبنانيون على لقمة العيش وصفيحة البنزين وحفنة من الدولارات يشحذونها شحذاً من المصارف في اكبر وأسوأ عملية اقتطاع للأموال والودائع، وسط ضبابية قاتمة تلف الآفاق المستقبلية، وسؤال يعود دائمًا الى الاذهان كلما حلت ذكرى الحرب، هل لبنان على أبواب حرب جديدة، أو ان قياداته وشعبه تعلموا من تلك التجربة الشنيعة، وليسوا بالتالي في وارد استدراج البلاد نحو منزلقها مجدداً؟
لا شك ان هاجس الحرب يعيش قوياً في وجدان من عايشها، في حين يبدو التفاوت كبيراً في مقاربة الحرب لدى الجيل الجديد، من دون ان يعني ذلك انه لا يملك الشهية لمعايشة التجربة. ففي حين هناك قناعة حقيقية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بضرورة تفادي انزلاق لبنان نحو حرب جديدة، أياً يكن نوعها، ثمة من يؤمن بأن الحل الجذري لما يئن تحته البلد اليوم لا يمكن ان يكون بمعزل عن الحسم، خصوصاً لدى مقاربة السلاح غير الشرعي وقيام دولة داخل الدولة يقودها “#حزب الله” بسيطرة ونفوذ كاملين.
قد لا يكون البلد امام حسم باللغة العسكرية، ذلك ان العودة الى المتاريس دونها الكثير من العقبات، اولها انه رغم تمنيات بعض القوى السياسية خوض الحرب بمقاربات جديدة، الاانها جميعها مدركة تماماً كلفة الحرب مادياً وبشرياً، كما تدرك انها لا تملك ترف اتخاذ القرار في شأنها على اعتبار ان قرار الحرب والسلم ليس قراراً محلياً.
تدرك القوى السياسية ايضا انها لا تملك ترف القدرة على التمويل والتجهيز ، وما يتطلبانه من مصادر كبيرة، لكنها في المقابل، تؤكد في غالبيتها ولا سيما الاحزاب الكبرى جهوزيتها التامة لمواجهة أي اعتداء او تطاول. والمفهوم هنا للاعتداء والتطاول يدور حول سيادة لبنان، لكنه في الواقع يتناول مواقع هذه الاحزاب ومراكز نفوذها. فالمعركة على السلطة في ذروتها خصوصاً وان البلاد امام استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهوريةوتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة جديدة. كما انها تخوض اليوم اختبار استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية الذي يواجه انقسامات فاضحة بين هذه القوى، بين من يؤيد ويسعى لاجرائها، مرتاحاً على وضعيته وحجم نفوذه، وبين من تشكل له مصدر قلق واختبار .
قد يكون صوت المدافع قد صُم مع انتهاء الحرب وسلوك لبنان طريق اعادة الاعمار والتعافي،لكن لغة الشحن الطائفي والمذهبي لم تخفت ابداً، معيدة على الدوام الى الذاكرة مشاهدبشعة من حقبات الـ٧٥. واقع رافق اللبنانيين في يومياتهم بحيث لم تخجل القوى السياسية من نبش احقاد الماضي ومجازره عند كل منعطف او لدى كل محطة تحتاج الى تجييش شعبي، وهي لا تزال حتى الساعة تستغل المشاعر الطائفية لاثارة النعرات من دون الاخذ في الاعتبار التداعيات الخطيرة لهذا الامر في ظل وضع اقتصادي واجتماعي ومالي متهالك، يقف امامه اللبنانيون على حافة الهاوية.
لا يشي المشهد العام في البلاد على مختلف المستويات، معطوفاً على الاداء السياسي لاصحاب القوة والنفوذ بالطمأنينة أو ان اللبنانيين قادرون على السيطرة والامساك بزمام الأمور . لكن رغم هذه المشهدية وآخر تجلياتها استعمال الجنوب منصة لاطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل، فهي لا ولن تؤدي الى اندلاع الحرب. والسبب ان البلاد اساساً في حرب وانما من نوع آخر. فالحرب الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية لا تقل خطراً عن الحرب العسكرية، مع فارق ان الاخيرة تحتاج الى تمويل كبير غير متوافر، في حين ان الحرب الاقتصادية تقوم على الضغط والافقار والعزل.
لدى سؤاله عن مدى استعداد امراء الحرب العودة اليها، يذهب مراقب سياسي الى القول بان لبنان لم يخرج اساساً من منطق او نهج الحرب، بل هو في اطول وقف لاطلاق النار. فأمراء الحرب لم يحسنوا استغلال السلم الذي قُدم لهم في وثيقة الطائف، ولم يبنوا بلداً،ولم يقيموا نظاماً ولم يطبقوا دستورًا كما انهم لم يذهبوا الى مصالحة حقيقية في مابينهم. ويمكن تبين ذلك اليوم في اي شارع كان مسيحياً او مسلماً. نشهد على ذلك بين”القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، كما لدى “حزب الله”-“أمل”، كما الأحزاب الاخرى.
واكثر ما يقلق في هذه المشهدية عودة الحديث عن لبنانين، ما يدلل الى استمرار مؤشرات الانقسام والاصطفاف السياسي والطائفي على امتداد البلد.
والمفارقة المؤلمة انه في الوقت الذي تعود فيه دول المنطقة من سوريا الى العراق الى ليبياوتونس واليمن من الحرب، لا يزال العقل اللبناني يعمل على الذهاب اليها، واضعاً البلدفي ممر الفيلة!
ذكرى الحرب في زمن السلم: لا شيء تغير!

في عشية مثل هذا اليوم من العام ١٩٧٥، اندلعت شرارة حرب اهلية دامت لعقد ونصف من الزمن، ليستعيد لبنان بعدها استقراره السياسي والامني، من دون ان يسترجع شعبه سلامه الحقيقي. فالبلد المنقسم طائفياً وحزبياً ابان الحرب لا يزال على حاله بعد ٤٨ عاماًعلى بدئها، و٣٣ عاماً على انتهائها. واذا كانت تلك الحرب اعتمدت المدافع والرصاص وسيلة تخاطب بين ابطالها، فإن لبنان يعيشها اليوم بلغة مختلفة، انما بالادوات ذاتهاوالابطال انفسهم.
قلة من اللبنانيين تستذكر اليوم الحرب ومآسيها، بعدما بينت الحرب الاقتصادية والمالية انها قادرة ان تكون اعتى وأقسى، امام انهيار الدولة ومؤسساتها وصولاً الى تهديد الكيان والنظام .
في الزمن الذي تتنافس فيه دول المنطقة على الريادة والتطور والتنمية، يتنافس اللبنانيون على لقمة العيش وصفيحة البنزين وحفنة من الدولارات يشحذونها شحذاً من المصارف في اكبر وأسوأ عملية اقتطاع للأموال والودائع، وسط ضبابية قاتمة تلف الآفاق المستقبلية، وسؤال يعود دائمًا الى الاذهان كلما حلت ذكرى الحرب، هل لبنان على أبواب حرب جديدة، أو ان قياداته وشعبه تعلموا من تلك التجربة الشنيعة، وليسوا بالتالي في وارد استدراج البلاد نحو منزلقها مجدداً؟
لا شك ان هاجس الحرب يعيش قوياً في وجدان من عايشها، في حين يبدو التفاوت كبيراً في مقاربة الحرب لدى الجيل الجديد، من دون ان يعني ذلك انه لا يملك الشهية لمعايشة التجربة. ففي حين هناك قناعة حقيقية لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بضرورة تفادي انزلاق لبنان نحو حرب جديدة، أياً يكن نوعها، ثمة من يؤمن بأن الحل الجذري لما يئن تحته البلد اليوم لا يمكن ان يكون بمعزل عن الحسم، خصوصاً لدى مقاربة السلاح غير الشرعي وقيام دولة داخل الدولة يقودها “#حزب الله” بسيطرة ونفوذ كاملين.
قد لا يكون البلد امام حسم باللغة العسكرية، ذلك ان العودة الى المتاريس دونها الكثير من العقبات، اولها انه رغم تمنيات بعض القوى السياسية خوض الحرب بمقاربات جديدة، الاانها جميعها مدركة تماماً كلفة الحرب مادياً وبشرياً، كما تدرك انها لا تملك ترف اتخاذ القرار في شأنها على اعتبار ان قرار الحرب والسلم ليس قراراً محلياً.
تدرك القوى السياسية ايضا انها لا تملك ترف القدرة على التمويل والتجهيز ، وما يتطلبانه من مصادر كبيرة، لكنها في المقابل، تؤكد في غالبيتها ولا سيما الاحزاب الكبرى جهوزيتها التامة لمواجهة أي اعتداء او تطاول. والمفهوم هنا للاعتداء والتطاول يدور حول سيادة لبنان، لكنه في الواقع يتناول مواقع هذه الاحزاب ومراكز نفوذها. فالمعركة على السلطة في ذروتها خصوصاً وان البلاد امام استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهوريةوتكليف رئيس حكومة وتشكيل حكومة جديدة. كما انها تخوض اليوم اختبار استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية الذي يواجه انقسامات فاضحة بين هذه القوى، بين من يؤيد ويسعى لاجرائها، مرتاحاً على وضعيته وحجم نفوذه، وبين من تشكل له مصدر قلق واختبار .
قد يكون صوت المدافع قد صُم مع انتهاء الحرب وسلوك لبنان طريق اعادة الاعمار والتعافي،لكن لغة الشحن الطائفي والمذهبي لم تخفت ابداً، معيدة على الدوام الى الذاكرة مشاهدبشعة من حقبات الـ٧٥. واقع رافق اللبنانيين في يومياتهم بحيث لم تخجل القوى السياسية من نبش احقاد الماضي ومجازره عند كل منعطف او لدى كل محطة تحتاج الى تجييش شعبي، وهي لا تزال حتى الساعة تستغل المشاعر الطائفية لاثارة النعرات من دون الاخذ في الاعتبار التداعيات الخطيرة لهذا الامر في ظل وضع اقتصادي واجتماعي ومالي متهالك، يقف امامه اللبنانيون على حافة الهاوية.
لا يشي المشهد العام في البلاد على مختلف المستويات، معطوفاً على الاداء السياسي لاصحاب القوة والنفوذ بالطمأنينة أو ان اللبنانيين قادرون على السيطرة والامساك بزمام الأمور . لكن رغم هذه المشهدية وآخر تجلياتها استعمال الجنوب منصة لاطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل، فهي لا ولن تؤدي الى اندلاع الحرب. والسبب ان البلاد اساساً في حرب وانما من نوع آخر. فالحرب الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية لا تقل خطراً عن الحرب العسكرية، مع فارق ان الاخيرة تحتاج الى تمويل كبير غير متوافر، في حين ان الحرب الاقتصادية تقوم على الضغط والافقار والعزل.
لدى سؤاله عن مدى استعداد امراء الحرب العودة اليها، يذهب مراقب سياسي الى القول بان لبنان لم يخرج اساساً من منطق او نهج الحرب، بل هو في اطول وقف لاطلاق النار. فأمراء الحرب لم يحسنوا استغلال السلم الذي قُدم لهم في وثيقة الطائف، ولم يبنوا بلداً،ولم يقيموا نظاماً ولم يطبقوا دستورًا كما انهم لم يذهبوا الى مصالحة حقيقية في مابينهم. ويمكن تبين ذلك اليوم في اي شارع كان مسيحياً او مسلماً. نشهد على ذلك بين”القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، كما لدى “حزب الله”-“أمل”، كما الأحزاب الاخرى.
واكثر ما يقلق في هذه المشهدية عودة الحديث عن لبنانين، ما يدلل الى استمرار مؤشرات الانقسام والاصطفاف السياسي والطائفي على امتداد البلد.
والمفارقة المؤلمة انه في الوقت الذي تعود فيه دول المنطقة من سوريا الى العراق الى ليبياوتونس واليمن من الحرب، لا يزال العقل اللبناني يعمل على الذهاب اليها، واضعاً البلدفي ممر الفيلة!










