إعادة النظام السوري: أيّ ثقة بالتزاماته؟

الاعتراض الذي يغلب حيال إعادة النظام السوري برئاسة بشار الأسد الى مقعد بلاده في الجامعة العربية لا يتمحور في شكل أساسي على المبدأ الذي يفهمه كثر على أنه تطلع عربي الى إعادة الدول العربية حجز موقع لها في سوريا التي تسيطر عليها روسيا وإيران وميليشياتهما وموزعة الولاءات لتنظيماتها بين تركيا والولايات المتحدة بالنسبة الى الأكراد.
يضاف الى ذلك ضرورة مقاربة حل الأزمة السورية بسبل مختلفة عن المقاربة التي اعتُمدت خلال 12 سنة من عمر الأزمة فيما النظام صدّر ولا يزال يصدّر أزماته عبر النازحين والتهريب وحتى الإرهاب الى دول الجوار. وقد ندم العرب على الأرجح لترك سوريا للفراغ الذي ملأته إيران وروسيا.
ولكن يغلب على الاعتراض واقع أن هذه الإعادة لم تظهر أنها تمت أولاً في ظل محاسبة النظام على ما ارتكبه ولو في الحدّ الأدنى باعتبار أنه لم يظهر مراجعة لأدائه ولا مرونة وليس ندماً فحسب بل يعتبر نفسه منتصراً وحتى إنه أبدى ردّ فعل “متعالياً” على بيان إعادة قبوله في الجامعة العربية بأنه قابل ذلك “باهتمام”.
وثانياً إن هذه الإعادة لم يظهر أنها تمت وفق تعهدات ملزمة على النظام بإعادة النظر في أساليبه أو في حكمه في ظل شكوك كبيرة في أن اللجنة الوزارية التي أعلن عنها لمتابعة هذه التعهدات ستكون قادرة على انتزاع ما لا يستطيع النظام تقديمه أو لا يريد تقديمه، وذلك في غياب أيّ انعكاسات أو تداعيات محتملة ستعاني منها سوريا إن لم تلتزم أياً من النقاط التي نصّ عليها البيان الختامي للوزراء العرب. وحتى لو أن هناك تعهدات للنظام بالالتزام، فإن تاريخه غير مشجّع وكذلك الأمر بالنسبة الى متابعة الدول العربية للتثبت من التزام مماثل.
وهناك شكوك كبيرة في أن يأخذ العرب على عاتقهم حمل النظام بما هو عليه، وبما هي عليه الارتباطات التي تكبّله بوجود قوى مسيطرة على سوريا فيما هو لا يسيطر سوى على 60 في المئة منها، على تنفيذ البنود المطلوبة التي تشكل الجزء الأكبر من مضمون القرار 2254. يسأل البعض عمّا إن كانت الخطوة التي خفّف الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط أبعادها السريعة والفورية في الدفع الى الحل السياسي أخذت الحمل عن الأمم المتحدة بعدما لم ينجح المنسّق الأممي لسوريا غير بيدرسون في دفع النظام الى التجاوب مع جهوده في الحوار مع المعارضة فيما خطوة الدول العربية قد تطيح كلياً أي حوار محتمل مع هذه الأخيرة.
فالأمم المتحدة ومعها مجلس الأمن الذي تعطّل دوره كلياً وكذلك قراراته على رغم أن غالبيتها يفتقر الى قوة التنفيذ تراجع دورها السياسي على نحو فاعل مع الحرب الروسية على أوكرانيا فيما تقدمت الدول العربية عبر اتفاقات ثنائية او جماعية لتولي الحل أو رعايته. هذه باتت الحال في اليمن وسوريا وحتى في السودان في ظل صعوبة لا بل استحالة انتظار توافق دولي أميركي روسي في المدى المنظور لحل الأزمات المعقدة في بعض هذه الدول. ولكن ليس هذا الأمر هو الإشكالية التي تواجه القرار بإعادة الاعتراف العربي بالنظام السوري الذي سبقت إعادته الى الجامعة العربية.
فمن جهة لم يكن خافياً أن قرار جامعة الدول العربية لم يستطع تخطّي خلافات كبيرة بين أعضائها في ما يتعلق بمسألة إعادة الانفتاح على النظام وإعادته الى الجامعة، إذ إن تسعة من أعضاء الجامعة الـ22 لم يشاركوا في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، فيما طغت المشاكل المباشرة التي يصدّرها النظام الى الدول المجاورة أكان من تهريب المخدرات أم دفع إليها المزيد من النازحين على مقتضيات الحل السياسي الذي يخشى أنه لن يحتل أي أولوية لدى النظام، ولم يحتل أي أهمية لديه في المرحلة السابقة، فيما هو بات مقبولاً عربياً ويخفف الضغوط عليه من أجل تقديم أي تنازلات حقيقية أو فعلية.
وهو ما يثير أسئلة حقيقية إزاء إمكان نجاح “خطوة مقابل خطوة” التي طرحها الأردن مستعيراً معادلة المنسّق الأممي لسوريا غير بيدرسون “الخطوة مقابل خطوة” التي لم تنجح، ما لم تكن المعادلة أمنية تقنية لا سياسية فعلاً ولو أن الدول العربية التي اجتمعت في عمان في الأول من أيار أدرجت القرار 2254 من ضمن أدبيات بيانها ولكن تجنبّت إبرازه كما إبراز بنوده المهمة تفادياً لفشل مسبق على الأرجح. وكذلك فعل بيان وزراء الخارجية العرب الذي تحدّث عن دور عربي قيادي ليس واضحاً ما إن كان أحال الوساطة الأممية الى التقاعد.
وتجدر الإشارة الى أن قرار مجلس الأمن الرقم 2254 يرسم مسار العملية السياسية ويضعها لدى السوريين أنفسهم فيما يطالب بالامتثال للقانون الدولي، ويؤكد حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية دون قيود، ووقف الأعمال العدائية، والتصدّي للإرهاب بطريقة تعاونية، وتنفيذ تدابير بناء الثقة، وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين وتوضيح مصيرهم من الأشخاص المفقودين. كما تتناول قضايا إقامة حكم ذي صدقية، وتحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تدار تحت إشراف الأمم المتحدة. كما يتحدث القرار عن عودة آمنة وطوعية للاجئين وعن إعادة الإعمار بعد الأزمة.
وكان إهمال موضوع لبنان والنازحين السوريين الموجودين على أرضه في اجتماع عمان أثار تساؤلات عميقة حيال مقاربة عربية شاملة لا جزئية أو فردية لمعالجة الأزمة مع النظام أو قاصرة على دول من دون أخرى فيما يترك لبنان الضعيف وحده وبانقسام قواه السياسية وتبعية بعضهم للنظام في مهب استمرار تعريض استقراره وسيادته للخطر. ومع أن سوريا كدولة مهمة أكثر من لبنان للدول العربية في المنطقة، فإن ذلك لا يعفي هذه الدول من مسؤولية النظر عبر منظار أكبر بحيث لا يبقى لبنان يدفع الثمن بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الإهمال العربي، فيما الأسئلة التي تصعب الإجابة عنها تتصل بمدى قدرة النظام على إدارة علاقات متوازنة مع محيطه كما كان يعتبر أنه كان يفعل قبل الأزمة فيما تغمره إيران بفضائلها وتكبّله كما كُبّل لبنان يوماً بمعاهدات يصعب خروجه منها، كما قدرته على بناء صدقية جديدة له.
إعادة النظام السوري: أيّ ثقة بالتزاماته؟

الاعتراض الذي يغلب حيال إعادة النظام السوري برئاسة بشار الأسد الى مقعد بلاده في الجامعة العربية لا يتمحور في شكل أساسي على المبدأ الذي يفهمه كثر على أنه تطلع عربي الى إعادة الدول العربية حجز موقع لها في سوريا التي تسيطر عليها روسيا وإيران وميليشياتهما وموزعة الولاءات لتنظيماتها بين تركيا والولايات المتحدة بالنسبة الى الأكراد.
يضاف الى ذلك ضرورة مقاربة حل الأزمة السورية بسبل مختلفة عن المقاربة التي اعتُمدت خلال 12 سنة من عمر الأزمة فيما النظام صدّر ولا يزال يصدّر أزماته عبر النازحين والتهريب وحتى الإرهاب الى دول الجوار. وقد ندم العرب على الأرجح لترك سوريا للفراغ الذي ملأته إيران وروسيا.
ولكن يغلب على الاعتراض واقع أن هذه الإعادة لم تظهر أنها تمت أولاً في ظل محاسبة النظام على ما ارتكبه ولو في الحدّ الأدنى باعتبار أنه لم يظهر مراجعة لأدائه ولا مرونة وليس ندماً فحسب بل يعتبر نفسه منتصراً وحتى إنه أبدى ردّ فعل “متعالياً” على بيان إعادة قبوله في الجامعة العربية بأنه قابل ذلك “باهتمام”.
وثانياً إن هذه الإعادة لم يظهر أنها تمت وفق تعهدات ملزمة على النظام بإعادة النظر في أساليبه أو في حكمه في ظل شكوك كبيرة في أن اللجنة الوزارية التي أعلن عنها لمتابعة هذه التعهدات ستكون قادرة على انتزاع ما لا يستطيع النظام تقديمه أو لا يريد تقديمه، وذلك في غياب أيّ انعكاسات أو تداعيات محتملة ستعاني منها سوريا إن لم تلتزم أياً من النقاط التي نصّ عليها البيان الختامي للوزراء العرب. وحتى لو أن هناك تعهدات للنظام بالالتزام، فإن تاريخه غير مشجّع وكذلك الأمر بالنسبة الى متابعة الدول العربية للتثبت من التزام مماثل.
وهناك شكوك كبيرة في أن يأخذ العرب على عاتقهم حمل النظام بما هو عليه، وبما هي عليه الارتباطات التي تكبّله بوجود قوى مسيطرة على سوريا فيما هو لا يسيطر سوى على 60 في المئة منها، على تنفيذ البنود المطلوبة التي تشكل الجزء الأكبر من مضمون القرار 2254. يسأل البعض عمّا إن كانت الخطوة التي خفّف الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط أبعادها السريعة والفورية في الدفع الى الحل السياسي أخذت الحمل عن الأمم المتحدة بعدما لم ينجح المنسّق الأممي لسوريا غير بيدرسون في دفع النظام الى التجاوب مع جهوده في الحوار مع المعارضة فيما خطوة الدول العربية قد تطيح كلياً أي حوار محتمل مع هذه الأخيرة.
فالأمم المتحدة ومعها مجلس الأمن الذي تعطّل دوره كلياً وكذلك قراراته على رغم أن غالبيتها يفتقر الى قوة التنفيذ تراجع دورها السياسي على نحو فاعل مع الحرب الروسية على أوكرانيا فيما تقدمت الدول العربية عبر اتفاقات ثنائية او جماعية لتولي الحل أو رعايته. هذه باتت الحال في اليمن وسوريا وحتى في السودان في ظل صعوبة لا بل استحالة انتظار توافق دولي أميركي روسي في المدى المنظور لحل الأزمات المعقدة في بعض هذه الدول. ولكن ليس هذا الأمر هو الإشكالية التي تواجه القرار بإعادة الاعتراف العربي بالنظام السوري الذي سبقت إعادته الى الجامعة العربية.
فمن جهة لم يكن خافياً أن قرار جامعة الدول العربية لم يستطع تخطّي خلافات كبيرة بين أعضائها في ما يتعلق بمسألة إعادة الانفتاح على النظام وإعادته الى الجامعة، إذ إن تسعة من أعضاء الجامعة الـ22 لم يشاركوا في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، فيما طغت المشاكل المباشرة التي يصدّرها النظام الى الدول المجاورة أكان من تهريب المخدرات أم دفع إليها المزيد من النازحين على مقتضيات الحل السياسي الذي يخشى أنه لن يحتل أي أولوية لدى النظام، ولم يحتل أي أهمية لديه في المرحلة السابقة، فيما هو بات مقبولاً عربياً ويخفف الضغوط عليه من أجل تقديم أي تنازلات حقيقية أو فعلية.
وهو ما يثير أسئلة حقيقية إزاء إمكان نجاح “خطوة مقابل خطوة” التي طرحها الأردن مستعيراً معادلة المنسّق الأممي لسوريا غير بيدرسون “الخطوة مقابل خطوة” التي لم تنجح، ما لم تكن المعادلة أمنية تقنية لا سياسية فعلاً ولو أن الدول العربية التي اجتمعت في عمان في الأول من أيار أدرجت القرار 2254 من ضمن أدبيات بيانها ولكن تجنبّت إبرازه كما إبراز بنوده المهمة تفادياً لفشل مسبق على الأرجح. وكذلك فعل بيان وزراء الخارجية العرب الذي تحدّث عن دور عربي قيادي ليس واضحاً ما إن كان أحال الوساطة الأممية الى التقاعد.
وتجدر الإشارة الى أن قرار مجلس الأمن الرقم 2254 يرسم مسار العملية السياسية ويضعها لدى السوريين أنفسهم فيما يطالب بالامتثال للقانون الدولي، ويؤكد حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية دون قيود، ووقف الأعمال العدائية، والتصدّي للإرهاب بطريقة تعاونية، وتنفيذ تدابير بناء الثقة، وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين وتوضيح مصيرهم من الأشخاص المفقودين. كما تتناول قضايا إقامة حكم ذي صدقية، وتحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تدار تحت إشراف الأمم المتحدة. كما يتحدث القرار عن عودة آمنة وطوعية للاجئين وعن إعادة الإعمار بعد الأزمة.
وكان إهمال موضوع لبنان والنازحين السوريين الموجودين على أرضه في اجتماع عمان أثار تساؤلات عميقة حيال مقاربة عربية شاملة لا جزئية أو فردية لمعالجة الأزمة مع النظام أو قاصرة على دول من دون أخرى فيما يترك لبنان الضعيف وحده وبانقسام قواه السياسية وتبعية بعضهم للنظام في مهب استمرار تعريض استقراره وسيادته للخطر. ومع أن سوريا كدولة مهمة أكثر من لبنان للدول العربية في المنطقة، فإن ذلك لا يعفي هذه الدول من مسؤولية النظر عبر منظار أكبر بحيث لا يبقى لبنان يدفع الثمن بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الإهمال العربي، فيما الأسئلة التي تصعب الإجابة عنها تتصل بمدى قدرة النظام على إدارة علاقات متوازنة مع محيطه كما كان يعتبر أنه كان يفعل قبل الأزمة فيما تغمره إيران بفضائلها وتكبّله كما كُبّل لبنان يوماً بمعاهدات يصعب خروجه منها، كما قدرته على بناء صدقية جديدة له.









