هل المخاوف من احتمال تدهور أمني في الجنوب في محلها؟

لم يكن أمراً روتينياً ومألوفاً ان تبادر قيادة القوة الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” الى اصدار بيان في الساعات القليلة الماضية تتحدث فيه صراحة عن مدى استعدادها الميداني التام لمنع أي تطور على الحدود من شأنه ان يؤدي الى فتح ابواب مواجهة واسعة. وعليه، فان البيان اياه يعدّ سابقة من نوعه لأنه ينطوي على تذكير بدور مألوف وبمهمة اساسية لهذه القوة التي يتجاوز عديدها الـ12 ألف عسكري ينتمون الى اكثر من عشر جنسيات، وتذكير لا حاجة اليه بالهدف الاساسي لانتشار هذه القوة في منطقة عملياتها المنصوص عليه بالقرار الاممي الرقم 1701 وهو العمل على تثبيت الاستقرار في تلك البقعة ومن ثم الحيلولة دون ظهور اي مظاهر مسلحة تهدد هذا الاستقرار أو تؤثر عليه.
وبناء على ذلك، سارع الراصدون لتطور الوضع على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية الى تبنّي استنتاج يقوم على أمرين:
الاول، استشعار هذه القوة باحتمال انفلات الوضع في اسرائيل، وهو ما يعزز احتمال وصول شظايا هذا التوتر الى منطقة عملياتها حيث عوامل التجاوب كامنة وصاعق التفجير حاضر.
الثاني، ان القوة الدولية “اليونيفيل” تسعى الى هجمة استباقية تريد عبرها تلافي نشوء واقع امني – عسكري على غرار الواقع الذي أطلّ برأسه فجأة قبل اسابيع، وتحديدا عندما أُطلقت من قواعد نُصبت في سهل القليلة بالقرب من صور صليات من صواريخ الكاتيوشا في اتجاه منطقة الجليل الاعلى المحتلة، وقُدّر عددها لاحقا بـ36 صاروخاً، وهو رقم قياسي لم يسبق ان أُطلق منذ انتهاء حرب تموز في صيف عام 2006. ومعلوم انه اثر ذلك حوصرت القوة الدولية بتهمة الاسترخاء والتراخي والعجز عن تنفيذ المهمة الاصل التي من اجلها أتت الى الجنوب قبل اكثر من عقدين.
لذا كان بديهياً ان تتوجه انظار المراقبين نحو الجنوب اللبناني في اعقاب الهجمة الاسرائيلية المتصاعدة خلال الساعات الماضية ضد غزة وقطاعها، ولاسيما بعد اغتيال ثلاثة من القادة الميدانيين لحركة “الجهاد الاسلامي” في فلسطين، كما كان بديهياً والحال هذه ان يرتفع منسوب الخشية عند كثيرين من تكرار تجربة اطلاق الصواريخ الـ36 التي لم يمر عليها الزمن وما تلاها من تطورات وسجالات، خصوصا ان القيادة الاسرائيلية سارعت بعدها الى توجيه أصابع الاتهام الى حركة “#حماس” وذراعها العسكرية النامية حديثاً في لبنان. وقد قرنت هذا الاتهام بتبرئة ذمة “حزب الله” من أي مسؤولية مع يقينها بان لا حركة ولا سكون في الجنوب من دون عِلم الحزب والتنسيق معه.
وبصرف النظر عن مدى دقة الرواية الاسرائيلية ومقاصدها الخفية، فان تحميل مقاتلين فلسطينيين التبعة والمسؤولية عن فعل عسكري على هذا القدر من الخطورة، قد رفع ولا ريب من منسوب السجال في الداخل اللبناني المختلف اصلا وتاريخا حول الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب اللبناني الى درجة ان ثمة قوى بادرت الى اطلاق تحذيرات من محاولات تُبذل بغية تكرار تجربة “فتح لاند” التي شرعنت الوجود الفلسطيني المسلح في منطقة العرقوب (شبعا وجوارها) في اقصى الجنوب استهلالاً في اعقاب هزيمة حزيران عام 1967.
ومع ان كلاً من “حزب الله”، وحركة “حماس” المتهمة اسرائيلياً بإطلاق تلك الصواريخ، تعمّدا الصمت فلا هما نفيا هذه التهمة ولا أكداها، إلا ان ثمة من استنتج ان التنظيمين المنضويين في “محور المقاومة” قد بلغا الهدف والمقصد غير العسكري من وراء اطلاق الصواريخ وهو فتح الابواب أمام مرحلة جديدة في صراع هذا المحور الذي أنس من نفسه تقدماً مع اسرائيل، يختلط فيها العسكري بالسياسي.
وبمعنى آخر، اراد الطرفان ان يقدّما اثباتا عملانيا على “نظرية تشابك الساحات” من جهة، وان يعطيا برهانا آخر على ان المعادلة الحالية في الجنوب، وتحديدا في منطقة عمل “اليونيفيل”، لن تبقى على هذا الاسترخاء اذا ما تمادت تل ابيب في اعتداءاتها على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
ومع كل هذه المعطيات التي تعزز فرضية السخونة، فان هناك مَن يستبعد تكرار تجربة اطلاق الصواريخ الاخيرة من الجنوب، ويتوقع في المقابل ان تبقى الامور على صورتها المعروفة والمألوفة منذ فترة.
واذ يتبنى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات هذه الفرضية، يقول عبر “النهار” إن “ثمة اعتبارات ووقائع عدة من جانبنا ومن جانب العدو الاسرائيلي ايضا تحول دون الدفع بمناخات التوتير والاحتقان القائمة حاليا الى وضع مفتوح على التفجير”. ويضيف: “تنعدم اي فائدة عملانية اذا ما أُعيد اللجوء مجددا الى اسلوب اطلاق الصواريخ من جهة لبنان والى تحميل المسؤولية للفصائل الفلسطينية من الجانب الاسرائيلي، وذلك انطلاقا من اعتبارين:
الاول، ان العِلم العسكري يستبعد اي فائدة من تكرار تجربة عسكرية سبق ان اختُبرت، خصوصا انه لم يمر سوى ايام معدودة على التجربة الاخيرة.
الثاني، ان تجربة اطلاق الصواريخ تلك كانت عبارة عن رسالة موجهة الى العدو وقد حققت غرضها وهو إفهام الاسرائيلي ان عوامل مستجدة ستدخل في الميدان الجنوبي الذي يشهد هدوءا نسبيا اذا ما قرر ان يغير من قواعد اللعبة العسكرية. وعمليا فان تكرار هذه التجربة في ذروة الغضب الاسرائيلي الفالت من عقاله يحمل معه احتمال المضي نحو حرب مفتوحة، خصوصا ان اسرائيل قد لا تكتفي بحدود الرد المضبوط والمحدود الذي مارسته اخيرا، ولان لا المقاومة ومحورها في الجنوب ولا تل ابيب على استعداد للذهاب الى هذا الحد الاقصى، خصوصا اذا ما اخذنا بالاعتبار الحصارات الداخلية والخارجية التي تحيط بحكومة نتنياهو، فضلاً عن انشغال ايران بحسابات أخرى لها بعد اتفاق بكين، تبدو موجة التخوف من تطورات ميدانية واسعة في الجنوب تقديرا مبالغا به بل في غير محله”.
هل المخاوف من احتمال تدهور أمني في الجنوب في محلها؟

لم يكن أمراً روتينياً ومألوفاً ان تبادر قيادة القوة الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” الى اصدار بيان في الساعات القليلة الماضية تتحدث فيه صراحة عن مدى استعدادها الميداني التام لمنع أي تطور على الحدود من شأنه ان يؤدي الى فتح ابواب مواجهة واسعة. وعليه، فان البيان اياه يعدّ سابقة من نوعه لأنه ينطوي على تذكير بدور مألوف وبمهمة اساسية لهذه القوة التي يتجاوز عديدها الـ12 ألف عسكري ينتمون الى اكثر من عشر جنسيات، وتذكير لا حاجة اليه بالهدف الاساسي لانتشار هذه القوة في منطقة عملياتها المنصوص عليه بالقرار الاممي الرقم 1701 وهو العمل على تثبيت الاستقرار في تلك البقعة ومن ثم الحيلولة دون ظهور اي مظاهر مسلحة تهدد هذا الاستقرار أو تؤثر عليه.
وبناء على ذلك، سارع الراصدون لتطور الوضع على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية الى تبنّي استنتاج يقوم على أمرين:
الاول، استشعار هذه القوة باحتمال انفلات الوضع في اسرائيل، وهو ما يعزز احتمال وصول شظايا هذا التوتر الى منطقة عملياتها حيث عوامل التجاوب كامنة وصاعق التفجير حاضر.
الثاني، ان القوة الدولية “اليونيفيل” تسعى الى هجمة استباقية تريد عبرها تلافي نشوء واقع امني – عسكري على غرار الواقع الذي أطلّ برأسه فجأة قبل اسابيع، وتحديدا عندما أُطلقت من قواعد نُصبت في سهل القليلة بالقرب من صور صليات من صواريخ الكاتيوشا في اتجاه منطقة الجليل الاعلى المحتلة، وقُدّر عددها لاحقا بـ36 صاروخاً، وهو رقم قياسي لم يسبق ان أُطلق منذ انتهاء حرب تموز في صيف عام 2006. ومعلوم انه اثر ذلك حوصرت القوة الدولية بتهمة الاسترخاء والتراخي والعجز عن تنفيذ المهمة الاصل التي من اجلها أتت الى الجنوب قبل اكثر من عقدين.
لذا كان بديهياً ان تتوجه انظار المراقبين نحو الجنوب اللبناني في اعقاب الهجمة الاسرائيلية المتصاعدة خلال الساعات الماضية ضد غزة وقطاعها، ولاسيما بعد اغتيال ثلاثة من القادة الميدانيين لحركة “الجهاد الاسلامي” في فلسطين، كما كان بديهياً والحال هذه ان يرتفع منسوب الخشية عند كثيرين من تكرار تجربة اطلاق الصواريخ الـ36 التي لم يمر عليها الزمن وما تلاها من تطورات وسجالات، خصوصا ان القيادة الاسرائيلية سارعت بعدها الى توجيه أصابع الاتهام الى حركة “#حماس” وذراعها العسكرية النامية حديثاً في لبنان. وقد قرنت هذا الاتهام بتبرئة ذمة “حزب الله” من أي مسؤولية مع يقينها بان لا حركة ولا سكون في الجنوب من دون عِلم الحزب والتنسيق معه.
وبصرف النظر عن مدى دقة الرواية الاسرائيلية ومقاصدها الخفية، فان تحميل مقاتلين فلسطينيين التبعة والمسؤولية عن فعل عسكري على هذا القدر من الخطورة، قد رفع ولا ريب من منسوب السجال في الداخل اللبناني المختلف اصلا وتاريخا حول الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب اللبناني الى درجة ان ثمة قوى بادرت الى اطلاق تحذيرات من محاولات تُبذل بغية تكرار تجربة “فتح لاند” التي شرعنت الوجود الفلسطيني المسلح في منطقة العرقوب (شبعا وجوارها) في اقصى الجنوب استهلالاً في اعقاب هزيمة حزيران عام 1967.
ومع ان كلاً من “حزب الله”، وحركة “حماس” المتهمة اسرائيلياً بإطلاق تلك الصواريخ، تعمّدا الصمت فلا هما نفيا هذه التهمة ولا أكداها، إلا ان ثمة من استنتج ان التنظيمين المنضويين في “محور المقاومة” قد بلغا الهدف والمقصد غير العسكري من وراء اطلاق الصواريخ وهو فتح الابواب أمام مرحلة جديدة في صراع هذا المحور الذي أنس من نفسه تقدماً مع اسرائيل، يختلط فيها العسكري بالسياسي.
وبمعنى آخر، اراد الطرفان ان يقدّما اثباتا عملانيا على “نظرية تشابك الساحات” من جهة، وان يعطيا برهانا آخر على ان المعادلة الحالية في الجنوب، وتحديدا في منطقة عمل “اليونيفيل”، لن تبقى على هذا الاسترخاء اذا ما تمادت تل ابيب في اعتداءاتها على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
ومع كل هذه المعطيات التي تعزز فرضية السخونة، فان هناك مَن يستبعد تكرار تجربة اطلاق الصواريخ الاخيرة من الجنوب، ويتوقع في المقابل ان تبقى الامور على صورتها المعروفة والمألوفة منذ فترة.
واذ يتبنى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات هذه الفرضية، يقول عبر “النهار” إن “ثمة اعتبارات ووقائع عدة من جانبنا ومن جانب العدو الاسرائيلي ايضا تحول دون الدفع بمناخات التوتير والاحتقان القائمة حاليا الى وضع مفتوح على التفجير”. ويضيف: “تنعدم اي فائدة عملانية اذا ما أُعيد اللجوء مجددا الى اسلوب اطلاق الصواريخ من جهة لبنان والى تحميل المسؤولية للفصائل الفلسطينية من الجانب الاسرائيلي، وذلك انطلاقا من اعتبارين:
الاول، ان العِلم العسكري يستبعد اي فائدة من تكرار تجربة عسكرية سبق ان اختُبرت، خصوصا انه لم يمر سوى ايام معدودة على التجربة الاخيرة.
الثاني، ان تجربة اطلاق الصواريخ تلك كانت عبارة عن رسالة موجهة الى العدو وقد حققت غرضها وهو إفهام الاسرائيلي ان عوامل مستجدة ستدخل في الميدان الجنوبي الذي يشهد هدوءا نسبيا اذا ما قرر ان يغير من قواعد اللعبة العسكرية. وعمليا فان تكرار هذه التجربة في ذروة الغضب الاسرائيلي الفالت من عقاله يحمل معه احتمال المضي نحو حرب مفتوحة، خصوصا ان اسرائيل قد لا تكتفي بحدود الرد المضبوط والمحدود الذي مارسته اخيرا، ولان لا المقاومة ومحورها في الجنوب ولا تل ابيب على استعداد للذهاب الى هذا الحد الاقصى، خصوصا اذا ما اخذنا بالاعتبار الحصارات الداخلية والخارجية التي تحيط بحكومة نتنياهو، فضلاً عن انشغال ايران بحسابات أخرى لها بعد اتفاق بكين، تبدو موجة التخوف من تطورات ميدانية واسعة في الجنوب تقديرا مبالغا به بل في غير محله”.








