أين الثنائي من “الاستفادة” من التفاهم الإقليمي؟

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
16 أيار 2023

تسترعي اهتمام مراقبين ديبلوماسيين في بيروت في الآونة الأخيرة جملة أمور لا ينتبه لها الوسط السياسي وحتى الإعلامي كثيراً في ظل الملاحقة اليومية للتطورات. أحدها على سبيل المثال مدى الأهمية التي توليها القوى السياسية لانتهاء ولاية حاكم المصرف المركزي والبحث جدلاً في كيفية ملئه على نحو يظهر اهتماماً وقلقاً أكبر بكثير من الشغور الذي أصاب موقع الرئاسة الأولى والمستمر منذ ستة أشهر ونصف الشهر حتى الآن.

ويبدو ذلك كأن الناس اعتادوا العيش برئيس أو من دونه وكأنه رئيس بروتوكولي يمكن التلاعب والمماطلة في شأن انتخابه ما رغبت القوى السياسية. وهذا ما يتعيّن على المسيحيين في شكل خاص التنبه إليه في ظل صراعاتهم المستمرة فيما بعض السعي الخارجي الذي جرى في الآونة الأخيرة لكن تم تحت عنوان أن لا مشكلة من يأتي رئيساً للبنان. ونسب هذا المنطق الى المسعى الفرنسي من باب أن السلطة موجودة في الواقع في مجلس الوزراء وليست موجودة عند رئيس الجمهورية.

ولعل العذر في هذا الإطار لهذا المنطق مبنيّ على تراكم حملات قام بها الرئيس السابق ميشال عون تبريراً لكل العوائق التي وضعها لمسار الدولة بأن لا صلاحيات لدى رئيس الجمهورية ما يبرّر اعتماده على اجتهادات دستورية من أجل الالتفاف والحصول على هذه الصلاحيات. ويشكل الصراع الشديد على هوية الرئيس السياسية دحضاً لهذا المنطق لأن الرئيس اللبناني هو قائد السفينة وهو الذي يوجّهها في نهاية الأمر وليس ملكاً لا يحكم. ولا يلام الخارج على مقارباته وإن تلك التي لا تعجب الكثيرين انطلاقاً أولاً من أن التأخير المفتعل في انتخاب رئيس للجمهورية جعل التغييرات في الخارج تأخذ الأمور الى مكان آخر. فلبنان لم يكن مهماً لدى دول كثيرة ربما باستثناء فرنسا وهو أصبح الآن أقل أهمية بكثير نظراً الى الملفات الأكثر حراجة التي باتت مطروحة على طاولة الدول المهتمة.

ولذلك يفتح هؤلاء المراقبون مزدوجين كبيرين من أجل القول إنه لم يكن التصرف الأكثر ذكاءً الذي اعتمدته قوى المعارضة في ترك فرنسا تذهب الى المدى الأبعد في التسويق للمعادلة التي رغب فيها الثنائي الشيعي والاكتفاء بالاعتراض عبر نقل وجهات نظرهم الى السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو أو عبر الوسائط الإعلامية فيما كان يتعين على هذه القوى تلقف الأمر من بداياته وتشكيل وفد للقاء الإدارة الفرنسية والنواب وأعضاء مجلس الشيوخ وعقد مؤتمرات صحافية في باريس كما في لبنان من أجل شرح حيثيات الرفض لهذه المعادلة ليس من باب رفض سليمان فرنجية بل من باب المخاوف التي يثيرها إمساك “حزب الله” بالرئاسة وتقرير هويّة من يشغلها وانعكاسات ذلك على لبنان وعلى دور فرنسا في لبنان والمنطقة كذلك. ولم يحصل ذلك نتيجة الحسابات الشخصية والسياسية واعتبارات أخرى، وبغض النظر عن مقاربة خاطئة لباريس في رأي غالبية القوى السياسية، فإن مصير بلد ومستقبله على المحك، ولا سيما أن الرفض أتى تحت هذه الذرائع.

وأكثر ما يتوقف عنده المراقبون الديبلوماسيون كذلك هو دأب الثنائي الشيعي بعد الاتفاق السعودي الإيراني برعاية بكين قبل شهرين تقريباً، على الدعوة الى الاستفادة من التفاهم الإقليمي الذي لحق به كذلك الضغط الذي مارسته المملكة #السعودية من أجل إعادة النظام السوري الى مقعده في الجامعة العربية فيما يعلن في الوقت نفسه تمسكه بمرشحه للرئاسة جنباً الى جنب مع دعوته الى التفاهم على هذا المرشح.

وهو يترجم ذلك برفض الدعوة الى عقد جلسة لمجلس النواب لانتخاب رئيس جديد ما لم يضمن الأكثرية لمرشحه أقله حتى الآن باعتبار أنه لم يترجم دعوته الى الاستفادة من التفاهم الإقليمي مرونة في اتجاه لقاء الآخرين في موقع وسط. فإن كانت الدول الإقليمية التي كبر الصدع بينها ولا سيما في الأعوام الأخيرة ذهبت الى الاتفاق وعقد الصفقات فلا شيء يمنع الثنائي الشيعي من المبادرة بدوره الى عقد الصفقات والتفاهمات الداخلية والإعلان عن تقديم التنازلات التي تخدم مصير البلد بدلاً من انتظار الخارج لكي يقرر ما الذي يتعيّن على اللبنانيين اختياره أو أي طريق ينبغي أن يسلكوه. وكان مفارقة ثانية أن ينتظر الثنائي موقف المملكة السعودية من أجل الموافقة على المرشح الذي يدعمه ويثمن الموقف الأميركي الذي اعتبره مؤيّداً لوصول رئيس تيار المردة ويستند الى الموقف الفرنسي الذي تبنّى معادلته في المقايضة الرئاسية فيما يرمي تبعة التعامل مع السفارات الأجنبية على خصومه. فهذا عامل يستحق التوقف عنده وما الذي يعنيه ذلك في المدى المنظور في مدى سعي الثنائي والحزب تحديداً الى تحصيل المواقف الخارجية الى جانبه.

ولم يفت هؤلاء في الوقت نفسه ملاحظة أن الموقف الذي تبنّته المملكة السعودية لجهة تحييد نفسها عن أخذ جانب أي من القوى أو الاتجاهات السياسية في الشأن الرئاسي قد يكون أحد أبرز الحوافز لبدء التواصل بين القوى المعارضة والتيار العوني تفادياً لما يعتبره الفريقان خطراً يتهدّدهما بوصول رئيس تيار المردة الى الرئاسة الأولى بعدما كان الحوار مقطوعاً بينهما. يحصل ذلك بينما لا ضمان فعلياً بالسعي نحو مرشح جديد وفي ذهن كل منهم ترجيح وجود مرشح آخر بحيث يثير احتمال التوافق بينهما المخاوف أولاً من الذهاب الى مواجهة لإلغاء المرشحين المحتملين قبل الدخول في حوار مع القوى الأخرى وكسب المنافع الخاصة. وثانياً من أن التوافق الظرفي أو بالأحرى تلاقي المصالح ليس مبنياً على رؤية للذهاب بالبلد في اتجاه معيّن أو استراتيجية تقوم على برنامج سياسي.

أين الثنائي من “الاستفادة” من التفاهم الإقليمي؟

الكاتب: روزانا بو منصف | المصدر: النهار
16 أيار 2023

تسترعي اهتمام مراقبين ديبلوماسيين في بيروت في الآونة الأخيرة جملة أمور لا ينتبه لها الوسط السياسي وحتى الإعلامي كثيراً في ظل الملاحقة اليومية للتطورات. أحدها على سبيل المثال مدى الأهمية التي توليها القوى السياسية لانتهاء ولاية حاكم المصرف المركزي والبحث جدلاً في كيفية ملئه على نحو يظهر اهتماماً وقلقاً أكبر بكثير من الشغور الذي أصاب موقع الرئاسة الأولى والمستمر منذ ستة أشهر ونصف الشهر حتى الآن.

ويبدو ذلك كأن الناس اعتادوا العيش برئيس أو من دونه وكأنه رئيس بروتوكولي يمكن التلاعب والمماطلة في شأن انتخابه ما رغبت القوى السياسية. وهذا ما يتعيّن على المسيحيين في شكل خاص التنبه إليه في ظل صراعاتهم المستمرة فيما بعض السعي الخارجي الذي جرى في الآونة الأخيرة لكن تم تحت عنوان أن لا مشكلة من يأتي رئيساً للبنان. ونسب هذا المنطق الى المسعى الفرنسي من باب أن السلطة موجودة في الواقع في مجلس الوزراء وليست موجودة عند رئيس الجمهورية.

ولعل العذر في هذا الإطار لهذا المنطق مبنيّ على تراكم حملات قام بها الرئيس السابق ميشال عون تبريراً لكل العوائق التي وضعها لمسار الدولة بأن لا صلاحيات لدى رئيس الجمهورية ما يبرّر اعتماده على اجتهادات دستورية من أجل الالتفاف والحصول على هذه الصلاحيات. ويشكل الصراع الشديد على هوية الرئيس السياسية دحضاً لهذا المنطق لأن الرئيس اللبناني هو قائد السفينة وهو الذي يوجّهها في نهاية الأمر وليس ملكاً لا يحكم. ولا يلام الخارج على مقارباته وإن تلك التي لا تعجب الكثيرين انطلاقاً أولاً من أن التأخير المفتعل في انتخاب رئيس للجمهورية جعل التغييرات في الخارج تأخذ الأمور الى مكان آخر. فلبنان لم يكن مهماً لدى دول كثيرة ربما باستثناء فرنسا وهو أصبح الآن أقل أهمية بكثير نظراً الى الملفات الأكثر حراجة التي باتت مطروحة على طاولة الدول المهتمة.

ولذلك يفتح هؤلاء المراقبون مزدوجين كبيرين من أجل القول إنه لم يكن التصرف الأكثر ذكاءً الذي اعتمدته قوى المعارضة في ترك فرنسا تذهب الى المدى الأبعد في التسويق للمعادلة التي رغب فيها الثنائي الشيعي والاكتفاء بالاعتراض عبر نقل وجهات نظرهم الى السفيرة الفرنسية في لبنان آن غريو أو عبر الوسائط الإعلامية فيما كان يتعين على هذه القوى تلقف الأمر من بداياته وتشكيل وفد للقاء الإدارة الفرنسية والنواب وأعضاء مجلس الشيوخ وعقد مؤتمرات صحافية في باريس كما في لبنان من أجل شرح حيثيات الرفض لهذه المعادلة ليس من باب رفض سليمان فرنجية بل من باب المخاوف التي يثيرها إمساك “حزب الله” بالرئاسة وتقرير هويّة من يشغلها وانعكاسات ذلك على لبنان وعلى دور فرنسا في لبنان والمنطقة كذلك. ولم يحصل ذلك نتيجة الحسابات الشخصية والسياسية واعتبارات أخرى، وبغض النظر عن مقاربة خاطئة لباريس في رأي غالبية القوى السياسية، فإن مصير بلد ومستقبله على المحك، ولا سيما أن الرفض أتى تحت هذه الذرائع.

وأكثر ما يتوقف عنده المراقبون الديبلوماسيون كذلك هو دأب الثنائي الشيعي بعد الاتفاق السعودي الإيراني برعاية بكين قبل شهرين تقريباً، على الدعوة الى الاستفادة من التفاهم الإقليمي الذي لحق به كذلك الضغط الذي مارسته المملكة #السعودية من أجل إعادة النظام السوري الى مقعده في الجامعة العربية فيما يعلن في الوقت نفسه تمسكه بمرشحه للرئاسة جنباً الى جنب مع دعوته الى التفاهم على هذا المرشح.

وهو يترجم ذلك برفض الدعوة الى عقد جلسة لمجلس النواب لانتخاب رئيس جديد ما لم يضمن الأكثرية لمرشحه أقله حتى الآن باعتبار أنه لم يترجم دعوته الى الاستفادة من التفاهم الإقليمي مرونة في اتجاه لقاء الآخرين في موقع وسط. فإن كانت الدول الإقليمية التي كبر الصدع بينها ولا سيما في الأعوام الأخيرة ذهبت الى الاتفاق وعقد الصفقات فلا شيء يمنع الثنائي الشيعي من المبادرة بدوره الى عقد الصفقات والتفاهمات الداخلية والإعلان عن تقديم التنازلات التي تخدم مصير البلد بدلاً من انتظار الخارج لكي يقرر ما الذي يتعيّن على اللبنانيين اختياره أو أي طريق ينبغي أن يسلكوه. وكان مفارقة ثانية أن ينتظر الثنائي موقف المملكة السعودية من أجل الموافقة على المرشح الذي يدعمه ويثمن الموقف الأميركي الذي اعتبره مؤيّداً لوصول رئيس تيار المردة ويستند الى الموقف الفرنسي الذي تبنّى معادلته في المقايضة الرئاسية فيما يرمي تبعة التعامل مع السفارات الأجنبية على خصومه. فهذا عامل يستحق التوقف عنده وما الذي يعنيه ذلك في المدى المنظور في مدى سعي الثنائي والحزب تحديداً الى تحصيل المواقف الخارجية الى جانبه.

ولم يفت هؤلاء في الوقت نفسه ملاحظة أن الموقف الذي تبنّته المملكة السعودية لجهة تحييد نفسها عن أخذ جانب أي من القوى أو الاتجاهات السياسية في الشأن الرئاسي قد يكون أحد أبرز الحوافز لبدء التواصل بين القوى المعارضة والتيار العوني تفادياً لما يعتبره الفريقان خطراً يتهدّدهما بوصول رئيس تيار المردة الى الرئاسة الأولى بعدما كان الحوار مقطوعاً بينهما. يحصل ذلك بينما لا ضمان فعلياً بالسعي نحو مرشح جديد وفي ذهن كل منهم ترجيح وجود مرشح آخر بحيث يثير احتمال التوافق بينهما المخاوف أولاً من الذهاب الى مواجهة لإلغاء المرشحين المحتملين قبل الدخول في حوار مع القوى الأخرى وكسب المنافع الخاصة. وثانياً من أن التوافق الظرفي أو بالأحرى تلاقي المصالح ليس مبنياً على رؤية للذهاب بالبلد في اتجاه معيّن أو استراتيجية تقوم على برنامج سياسي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار