الدولة تُحضّر الخروج الآمن لسلامة خوفاً ممّا يعرفه أو حرصاً على نفسها؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
20 أيار 2023

ما كان حتى الامس القريب مستحيلاً، بات اليوم اقرب الى الواقع والتحقق، وشرارته الاجراء القضائي الفرنسي في حق حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، بحيث بدأ مسار قضائي وحتى سياسي لن ينتهي او يتوقف الا باعلان نهاية ثلاثة عقود من حكم سلامة على راس السلطة النقدية.

قد يكون مبكراً توقع مصير الحاكم على مسافة شهرين من انتهاء ولايته، ولكن التطورات الاخيرة المتصلة بمضي باريس في ادعائها وابلاغ السلطات اللبنانية كما الانتربول بمذكرة البحث والتحري تعني ان لا عودة الى الوراء في هذا الملف الذي سلك طريقه نحوطي صفحة سلامة في الحاكمية.

في الشكل، بات الملف في عهدة القضاء اللبناني. وفي القانون، على القضاء ان يقول كلمته في شأن الاتهام. وهذا يتطلب مسارًا قضائيًا يمكن ان يطول لأكثر من شهرين، بحيث تنتهي ولاية سلامة ولا ينتهي التحقيق ولا تصدر الادانة او البراءة.

وهذا الامر في الجوهر، سيكون رهن قرار السلطة السياسية وما اذا كانت ستذهب في اتجاه تسريع خطوات التحقيق او عدم الاستعجال. علماً ان كل المؤشرات تشي بأنه لن يكون هناك تسرع او استعجال نظراً الى عدم وجود خطط بديلة لدى الدولة لملء الفراغ اوالتعامل معه، اذا ما صدقت نيات الثنائي الشيعي بأن النائب الاول للحاكم وسيم منصوري سيستقيل لعدم تحمل اعباء الحاكمية او تولي منصب يعود للطائفة المارونية.

في المعلومات، كل المعطيات تؤشر الى ان الحاكم لن يترك منصبه. لن يقال ولن يستقيل، مستنداً الى جرعة دفع اميركي بانهاء الولاية في موعدها. والمصالح الاميركية بالابقاء على سلامة حتى انتهاء ولايته وتأمين البديل له تتقاطع مع مصالح السياسيين الذين تلقوا تهديداً مباشرًا منه، عندما دعا القضاء الى التحقيق مع السياسيين قبل التحقيق معه. اساساً كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قالها بصريح العبارة.

في الاسباب الموجبة لعدم تنحي سلامة عن موقعه، ما يوجبه قانون النقد والتسليف في صلب مواده التي اخذت في الاعتبار الحالات التي يستقيل فيها الحاكم او تستوجب اقالته . بالنسبة اليه، هو لا يرى في نفسه ما ينطبق عليه موجبات الاستقالة او الاقالة. فهو يعتبر انه لم يهمل واجباته ولم يستغل منصبه. والمادة ١٩ تقول صراحة، انه “فيما عدا الاستقالة الاختيارية، لا يمكن اقالة الحاكم الا لعجز صحي او لاخلاله بواجبات وظيفته في ما عناه الفصل الاول من الباب الثالث من قانون العقوبات او لمخالفة احكام المادة ٢٠ اولخطأ فادح في تسيير الاعمال”.

لا يعترف الحاكم بمخالفته لهذه المادة او ما تنص عليه المادة ٢٠ لجهة ان القانون “يحظرعليه وعلى نوابه خلال مدة ولايتهم ان يحتفظوا او ان يأخذوا او يتلقوا اي منفعة فيمؤسسة خاصة (…)”.

في تصريحاته الاخيرة، لم يبد الحاكم قلقاً حيال مصير الحاكمية بعد انتهاء ولايته. بداالامر وكأنه يطمئن الفريق الشيعي الى انتقال صلاحياته الى نائبه الاول. وهذا اساساًوقانوناً ما سيحصل، رغم تأكيدات رئيس المجلس نبيه بري ان منصوري لن يتولى هذه المسؤولية.

الحالة الوحيدة التي تحول دون هذا الامر هي إنتخاب رئيس جديد للجمهورية يتم معه تعيين حاكم جديد. حالة ثانية يمكن ان يتم من خلالها تعيين حاكم في مجلس الوزراء فيظل تصريف الاعمال، وهي ان تحظى الجلسة بالتغطية المسيحية، باعتبار ان المنصب الشاغر هو منصب ماروني.

لن يستقيم هذا الخيار، بعد كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن حكومة تصريف الاعمال لا يمكنها ان تعين.

اذن الخيار بات واضحاً ،. يقضي بتسلم منصوري مهام الحاكمية بصفته النائب الاول. ولكن ماذا لو بادر فعلاً الى الاستقالة، هل يجوز ان يتولى النائب الثاني صلاحيات الحاكم؟

هذا السؤال شكل مدار نقاشات واجتهادات في اليومين الماضيين، ولو انه لن يكون مطروحا في الواقع لأن منصوري لن يقدم على الاستقالة.

والواقع ان قانون النقد والتسليف لحظ هذه الاشكالية فأجاز في مادته السابعة والعشرين انه “في حال غيابه او تعذر وجوده يحل محله النائب الاول ، وبحال التعذر على الأول فنائب الحاكم الثاني وذلك وفقاً للشروط التي يحددها الحاكم الذي في امكانه ان يفوض صلاحياته الى من حل محله”. هذه المادة تصلح للمدة الباقية من ولاية الحاكم حيث لا يزال يمارس صلاحياته فاذا انتهت ولايته ولم يفوض صلاحياته، فان المادة ٢٥ تصبح هي الجائزة والتي تنص على انه في حال شغور منصب الحاكم يتولى النائب الاول مهامه الى حين تعيين حاكم جديد.

في الخلاصة، يبدو ان هذا الملف لن يقفل في الشهرين الباقيين من الولاية. علماً انه سيطرأ تطور جديد من شأنه ان يقلب معادلة الخروج الآمن التي توفرها السلطة لسلامة، ويتمثل بالمعلومات الواردة عن صدور التقرير الاولي للتدقيق الجنائي في حسابات المركزي مطلع الأسبوع المقبل. لم يعرف بعد مضمون التقرير وماذا اذا كان يصب في مصلحة الحاكم اويدينه. لكن الاكيد ان المسار القضائي قد بدأ، وان السلطات اللبنانية لا يمكنها تجاهل الوقائع او الاستدعاءات. وهو ما اعلنه وزير الداخلية بسام مولوي عندما اكد ان الحكومةتسلمت طلب الانتربول وان لبنان سينفذ طلبه باعتقال سلامة، هذا اذا عرف مكان اقامته!

الدولة تُحضّر الخروج الآمن لسلامة خوفاً ممّا يعرفه أو حرصاً على نفسها؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
20 أيار 2023

ما كان حتى الامس القريب مستحيلاً، بات اليوم اقرب الى الواقع والتحقق، وشرارته الاجراء القضائي الفرنسي في حق حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، بحيث بدأ مسار قضائي وحتى سياسي لن ينتهي او يتوقف الا باعلان نهاية ثلاثة عقود من حكم سلامة على راس السلطة النقدية.

قد يكون مبكراً توقع مصير الحاكم على مسافة شهرين من انتهاء ولايته، ولكن التطورات الاخيرة المتصلة بمضي باريس في ادعائها وابلاغ السلطات اللبنانية كما الانتربول بمذكرة البحث والتحري تعني ان لا عودة الى الوراء في هذا الملف الذي سلك طريقه نحوطي صفحة سلامة في الحاكمية.

في الشكل، بات الملف في عهدة القضاء اللبناني. وفي القانون، على القضاء ان يقول كلمته في شأن الاتهام. وهذا يتطلب مسارًا قضائيًا يمكن ان يطول لأكثر من شهرين، بحيث تنتهي ولاية سلامة ولا ينتهي التحقيق ولا تصدر الادانة او البراءة.

وهذا الامر في الجوهر، سيكون رهن قرار السلطة السياسية وما اذا كانت ستذهب في اتجاه تسريع خطوات التحقيق او عدم الاستعجال. علماً ان كل المؤشرات تشي بأنه لن يكون هناك تسرع او استعجال نظراً الى عدم وجود خطط بديلة لدى الدولة لملء الفراغ اوالتعامل معه، اذا ما صدقت نيات الثنائي الشيعي بأن النائب الاول للحاكم وسيم منصوري سيستقيل لعدم تحمل اعباء الحاكمية او تولي منصب يعود للطائفة المارونية.

في المعلومات، كل المعطيات تؤشر الى ان الحاكم لن يترك منصبه. لن يقال ولن يستقيل، مستنداً الى جرعة دفع اميركي بانهاء الولاية في موعدها. والمصالح الاميركية بالابقاء على سلامة حتى انتهاء ولايته وتأمين البديل له تتقاطع مع مصالح السياسيين الذين تلقوا تهديداً مباشرًا منه، عندما دعا القضاء الى التحقيق مع السياسيين قبل التحقيق معه. اساساً كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قالها بصريح العبارة.

في الاسباب الموجبة لعدم تنحي سلامة عن موقعه، ما يوجبه قانون النقد والتسليف في صلب مواده التي اخذت في الاعتبار الحالات التي يستقيل فيها الحاكم او تستوجب اقالته . بالنسبة اليه، هو لا يرى في نفسه ما ينطبق عليه موجبات الاستقالة او الاقالة. فهو يعتبر انه لم يهمل واجباته ولم يستغل منصبه. والمادة ١٩ تقول صراحة، انه “فيما عدا الاستقالة الاختيارية، لا يمكن اقالة الحاكم الا لعجز صحي او لاخلاله بواجبات وظيفته في ما عناه الفصل الاول من الباب الثالث من قانون العقوبات او لمخالفة احكام المادة ٢٠ اولخطأ فادح في تسيير الاعمال”.

لا يعترف الحاكم بمخالفته لهذه المادة او ما تنص عليه المادة ٢٠ لجهة ان القانون “يحظرعليه وعلى نوابه خلال مدة ولايتهم ان يحتفظوا او ان يأخذوا او يتلقوا اي منفعة فيمؤسسة خاصة (…)”.

في تصريحاته الاخيرة، لم يبد الحاكم قلقاً حيال مصير الحاكمية بعد انتهاء ولايته. بداالامر وكأنه يطمئن الفريق الشيعي الى انتقال صلاحياته الى نائبه الاول. وهذا اساساًوقانوناً ما سيحصل، رغم تأكيدات رئيس المجلس نبيه بري ان منصوري لن يتولى هذه المسؤولية.

الحالة الوحيدة التي تحول دون هذا الامر هي إنتخاب رئيس جديد للجمهورية يتم معه تعيين حاكم جديد. حالة ثانية يمكن ان يتم من خلالها تعيين حاكم في مجلس الوزراء فيظل تصريف الاعمال، وهي ان تحظى الجلسة بالتغطية المسيحية، باعتبار ان المنصب الشاغر هو منصب ماروني.

لن يستقيم هذا الخيار، بعد كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن حكومة تصريف الاعمال لا يمكنها ان تعين.

اذن الخيار بات واضحاً ،. يقضي بتسلم منصوري مهام الحاكمية بصفته النائب الاول. ولكن ماذا لو بادر فعلاً الى الاستقالة، هل يجوز ان يتولى النائب الثاني صلاحيات الحاكم؟

هذا السؤال شكل مدار نقاشات واجتهادات في اليومين الماضيين، ولو انه لن يكون مطروحا في الواقع لأن منصوري لن يقدم على الاستقالة.

والواقع ان قانون النقد والتسليف لحظ هذه الاشكالية فأجاز في مادته السابعة والعشرين انه “في حال غيابه او تعذر وجوده يحل محله النائب الاول ، وبحال التعذر على الأول فنائب الحاكم الثاني وذلك وفقاً للشروط التي يحددها الحاكم الذي في امكانه ان يفوض صلاحياته الى من حل محله”. هذه المادة تصلح للمدة الباقية من ولاية الحاكم حيث لا يزال يمارس صلاحياته فاذا انتهت ولايته ولم يفوض صلاحياته، فان المادة ٢٥ تصبح هي الجائزة والتي تنص على انه في حال شغور منصب الحاكم يتولى النائب الاول مهامه الى حين تعيين حاكم جديد.

في الخلاصة، يبدو ان هذا الملف لن يقفل في الشهرين الباقيين من الولاية. علماً انه سيطرأ تطور جديد من شأنه ان يقلب معادلة الخروج الآمن التي توفرها السلطة لسلامة، ويتمثل بالمعلومات الواردة عن صدور التقرير الاولي للتدقيق الجنائي في حسابات المركزي مطلع الأسبوع المقبل. لم يعرف بعد مضمون التقرير وماذا اذا كان يصب في مصلحة الحاكم اويدينه. لكن الاكيد ان المسار القضائي قد بدأ، وان السلطات اللبنانية لا يمكنها تجاهل الوقائع او الاستدعاءات. وهو ما اعلنه وزير الداخلية بسام مولوي عندما اكد ان الحكومةتسلمت طلب الانتربول وان لبنان سينفذ طلبه باعتقال سلامة، هذا اذا عرف مكان اقامته!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار