المصارف لسلامة: أعطنا كابيتال كونترول بلا قانون!

الكاتب: علي نور الدين | المصدر: المدن
28 حزيران 2023

أدرك الجميع أنّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بات يمرّر خطواته الأكثر إشكاليّة، أو بالأحرى الأكثر قسوة على المجتمع والاقتصاد المحلّي، في هذا الوقت بالتحديد. فالمُلاحَق بتهم الاختلاس والتزوير، الذي يمضي آخر أيّامه في حاكميّة المصرف المركزي، والذي يدرك أن مصيره ليس سوى التخفّي والهروب من الملاحقات الدوليّة في أواخر عمره، لم يعد يملك ما يخسره الآن. فبات مستعدًا لتسديد رصاصاته الأخيرة حاليًا بمعزل عن مدى قذارتها. وعلى هذا النحو مثلًا، يمكن فهم كل ما يجري في مصرف لبنان الآن من عمليّات حسابيّة تصل إلى مصاف التزوير الصريح في القيود والأرقام .

تلقّفت المصارف الفكرة جيّدًا، وأدركت أنّها أمام فرصة مثاليّة لتحصّل من سلامة كل ما لم تحصل عليه منذ بدء الانهيار. فطالما أنّ الحاكم ووزير الماليّة –الموظّف لديه في المركزي بالمناسبة- يمرّران كل ما لم يتمكنا من تمريره في السابق، فلم لا تحاول المصارف بدورها تمرير أولويّاتها بقرار من حاكم مصرف لبنان؟

وعلى هذا الأساس، تحاول المصارف تحقيق الحلم الذي تطارده منذ أشهر طويلة: كابيتال كونترول يقونن حبس الودائع، ولو من دون تشريع أو قانون! ببساطة، المصارف تريد قرارًا رسميًا من رياض سلامة، يعفيها من المسؤوليّة القانونيّة المترتبة على كل ما ارتكبته بحق المودعين، مقابل تحميل هذه المسؤوليّة لتعميم من الحاكم الملاحق أساسًا في المحاكم المحليّة والأجنبيّة.

لعبة بالتنسيق من ميقاتي
بدأت الحيلة منذ 18 نيسان الماضي، حين أصدر مجلس الوزراء قرارًا يقضي بالطلب من مصرف لبنان اتخاذ الإجراءات الضروريّة “للحفاظ على المساواة وعدم الاستنسابيّة بين المودعين”، أي بمعنى آخر: إصدار التعاميم اللازمة لتنظيم وقوننة عمليّة حبس الودائع، بدل أن يتم تنظيم هذه العمليّة بموجب قانون الكابيتال كونترول.

في واقع الأمر، كان من الممكن أن يصب هذا القرار في صالح المودعين، لو أن مصرف لبنان اتخذه من تشرين الأوّل 2019، أي بمجرّد حصول الأزمة المصرفيّة. ففي ذلك الوقت، كان من شأن قرار أو قانون كهذا أن يمنع عمليّات تهريب الودائع، لمصلحة المحظيين، التي حصلت طوال الأشهر التي تلت الانهيار. أمّا الآن، وبعد أن تم تهريب ما يمكن تهريبه، فلا قيمة لهذا القرار (أو القانون إذا تم تشريعه) إلا لحماية المصارف من الدعاوى المقامة بحقّها، وخصوصًا إذا لم يترافق قانون أو قرار الكابيتال كونترول مع خطّة كاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

في جميع الحالات، وعلى مرّ الأيّام الماضية، شنّت المصارف حملة ضغط قاسية، لدفع حاكم مصرف لبنان باتجاه إصرار القرار أو التعميم الذي طلب مجلس الوزراء إصداره. وحجّة المصارف لاستعجال القرار هي أنّ الفراغ في سدّة الحاكميّة، وإحالة صلاحيّة الحاكم لمصلحة النائب الأوّل، قد يحولان دون اتخاذ قرارات استراتيجيّة من هذا النوع، ما سيبقي المصارف مكشوفة أمام الدعاوى القانونيّة في الخارج على المدى المتوسّط.

مصادر مصرف لبنان تشير إلى إمكانيّة اتخاذ الحاكم هذا القرار، في زحمة القرارات الإشكاليّة التي يتخذها منذ أشهر، وخصوصًا بعدما مهّد مجلس الوزراء لذلك من خلال طلبه الأخير في شهر نيسان. ومن المرتقب أن يتم تسويق هذا القرار من زاوية ضمان التساوي بين المودعين المقيمين، وكبار المودعين الموجودين في الخارج، القادرين على اللجوء إلى الوسائل القانونيّة لتحصيل حقوقهم. مع الإشارة إلى أنّ المصارف تبرّر ضغطها الحالي على الحاكم بصعوبة إقرار قانون الكابيتال كونترول، في ظل الفراغ الرئاسي ومعارضة كتل نيابيّة وازنة لمبدأ التشريع قبل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة.

إشكاليّات قانونيّة
من الواضح أنّ كل ما يجري ينطوي على مخالفات قانونيّة لا يمكن حصرها. فقانون النقد والتسليف حدّد للمصرف المركزي نطاقًا واسعًا من الصلاحيّات المرتبطة بسلامة النقد واستقرار النظام المصرفي، على أن يمارسها المصرف باستقلاليّة تامّة عن طلبات ومصالح السلطة التنفيذيّة. وعلى هذا الأساس، تتعارض فكرة طلب الحكومة الأخيرة مع روحيّة قانون النقد والتسليف، كما تتعارض مع مبدأ استقلاليّة المصرف المركزي. ولهذا السبب بالتحديد، سيكون بالإمكان الطعن بهذا القرار من قبل أصحاب المصلحة، أمام مجلس شورى الدولة، إذا استند القرار بشكل واضح إلى طلب السلطة التنفيذيّة الأخير.

من ناحية أخرى، ينص قانون النقد والتسليف في المادّة 174 على إعطاء مصرف لبنان صلاحيّة وضع التظيمات العامّة الضروريّة لتأمين “حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها”، وهذه المادّة هي النص الوحيد الذي يسمح للمصرف المركزي بوضع تنظيمات تقيّد أو تنظّم عمليّات السحب النقدي والتحويل من المصارف. كما تنص المادّة نفسها على إعطاء المصرف تحديد وتعديل “قواعد تسيير العمل التي على المصارف أن تتقيد بها حفاظاً على حالة سيولتها وملاءتها”، وهو ما يمكن أن يصب في السياق نفسه.

إلا أنّ المادّة 174 تحصر تدخّل المصرف المركزي على هذا النحو باستهداف “حسن علاقة” المصارف بالمودعين، في حين أنّ أهداف الإجراء الراهن ليست سوى حماية المصارف من التبعات القانونيّة التي ستترتّب على إلحاقها الغبن بالمودعين. أي بمعنى آخر، سيكون مصرف لبنان قد استعمل هذه المادّة لغاية معاكسة لتلك المحددة فيها. ومرّة جديدة، سيكون القرار قابلًا للطعن أمام مجلس شورى الدولة، بوصفه قرارًا لا يدعمه أي سند قانوني.

في خلاصة الأمر، يرجّح كثيرون أن يعمد مصرف لبنان إلى اتخاذ هذا القرار بالفعل قبل نهاية ولايته، كجزء من حملة تصفية تبعات المرحلة الماضية، تمامًا كما فعل بتحويل خسائر الحقبات السابقة إلى ديون على الدولة. أمّا التحدّي الأساسي، فسيكون صمود القرار وعدم سقوطه بالطعن أمام مجلس شورى الدولة بعد صدوره، وخصوصًا بوجود ثغرات قانونيّة كبيرة تسمح بهذا الأمر.

المصارف لسلامة: أعطنا كابيتال كونترول بلا قانون!

الكاتب: علي نور الدين | المصدر: المدن
28 حزيران 2023

أدرك الجميع أنّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بات يمرّر خطواته الأكثر إشكاليّة، أو بالأحرى الأكثر قسوة على المجتمع والاقتصاد المحلّي، في هذا الوقت بالتحديد. فالمُلاحَق بتهم الاختلاس والتزوير، الذي يمضي آخر أيّامه في حاكميّة المصرف المركزي، والذي يدرك أن مصيره ليس سوى التخفّي والهروب من الملاحقات الدوليّة في أواخر عمره، لم يعد يملك ما يخسره الآن. فبات مستعدًا لتسديد رصاصاته الأخيرة حاليًا بمعزل عن مدى قذارتها. وعلى هذا النحو مثلًا، يمكن فهم كل ما يجري في مصرف لبنان الآن من عمليّات حسابيّة تصل إلى مصاف التزوير الصريح في القيود والأرقام .

تلقّفت المصارف الفكرة جيّدًا، وأدركت أنّها أمام فرصة مثاليّة لتحصّل من سلامة كل ما لم تحصل عليه منذ بدء الانهيار. فطالما أنّ الحاكم ووزير الماليّة –الموظّف لديه في المركزي بالمناسبة- يمرّران كل ما لم يتمكنا من تمريره في السابق، فلم لا تحاول المصارف بدورها تمرير أولويّاتها بقرار من حاكم مصرف لبنان؟

وعلى هذا الأساس، تحاول المصارف تحقيق الحلم الذي تطارده منذ أشهر طويلة: كابيتال كونترول يقونن حبس الودائع، ولو من دون تشريع أو قانون! ببساطة، المصارف تريد قرارًا رسميًا من رياض سلامة، يعفيها من المسؤوليّة القانونيّة المترتبة على كل ما ارتكبته بحق المودعين، مقابل تحميل هذه المسؤوليّة لتعميم من الحاكم الملاحق أساسًا في المحاكم المحليّة والأجنبيّة.

لعبة بالتنسيق من ميقاتي
بدأت الحيلة منذ 18 نيسان الماضي، حين أصدر مجلس الوزراء قرارًا يقضي بالطلب من مصرف لبنان اتخاذ الإجراءات الضروريّة “للحفاظ على المساواة وعدم الاستنسابيّة بين المودعين”، أي بمعنى آخر: إصدار التعاميم اللازمة لتنظيم وقوننة عمليّة حبس الودائع، بدل أن يتم تنظيم هذه العمليّة بموجب قانون الكابيتال كونترول.

في واقع الأمر، كان من الممكن أن يصب هذا القرار في صالح المودعين، لو أن مصرف لبنان اتخذه من تشرين الأوّل 2019، أي بمجرّد حصول الأزمة المصرفيّة. ففي ذلك الوقت، كان من شأن قرار أو قانون كهذا أن يمنع عمليّات تهريب الودائع، لمصلحة المحظيين، التي حصلت طوال الأشهر التي تلت الانهيار. أمّا الآن، وبعد أن تم تهريب ما يمكن تهريبه، فلا قيمة لهذا القرار (أو القانون إذا تم تشريعه) إلا لحماية المصارف من الدعاوى المقامة بحقّها، وخصوصًا إذا لم يترافق قانون أو قرار الكابيتال كونترول مع خطّة كاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

في جميع الحالات، وعلى مرّ الأيّام الماضية، شنّت المصارف حملة ضغط قاسية، لدفع حاكم مصرف لبنان باتجاه إصرار القرار أو التعميم الذي طلب مجلس الوزراء إصداره. وحجّة المصارف لاستعجال القرار هي أنّ الفراغ في سدّة الحاكميّة، وإحالة صلاحيّة الحاكم لمصلحة النائب الأوّل، قد يحولان دون اتخاذ قرارات استراتيجيّة من هذا النوع، ما سيبقي المصارف مكشوفة أمام الدعاوى القانونيّة في الخارج على المدى المتوسّط.

مصادر مصرف لبنان تشير إلى إمكانيّة اتخاذ الحاكم هذا القرار، في زحمة القرارات الإشكاليّة التي يتخذها منذ أشهر، وخصوصًا بعدما مهّد مجلس الوزراء لذلك من خلال طلبه الأخير في شهر نيسان. ومن المرتقب أن يتم تسويق هذا القرار من زاوية ضمان التساوي بين المودعين المقيمين، وكبار المودعين الموجودين في الخارج، القادرين على اللجوء إلى الوسائل القانونيّة لتحصيل حقوقهم. مع الإشارة إلى أنّ المصارف تبرّر ضغطها الحالي على الحاكم بصعوبة إقرار قانون الكابيتال كونترول، في ظل الفراغ الرئاسي ومعارضة كتل نيابيّة وازنة لمبدأ التشريع قبل انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة.

إشكاليّات قانونيّة
من الواضح أنّ كل ما يجري ينطوي على مخالفات قانونيّة لا يمكن حصرها. فقانون النقد والتسليف حدّد للمصرف المركزي نطاقًا واسعًا من الصلاحيّات المرتبطة بسلامة النقد واستقرار النظام المصرفي، على أن يمارسها المصرف باستقلاليّة تامّة عن طلبات ومصالح السلطة التنفيذيّة. وعلى هذا الأساس، تتعارض فكرة طلب الحكومة الأخيرة مع روحيّة قانون النقد والتسليف، كما تتعارض مع مبدأ استقلاليّة المصرف المركزي. ولهذا السبب بالتحديد، سيكون بالإمكان الطعن بهذا القرار من قبل أصحاب المصلحة، أمام مجلس شورى الدولة، إذا استند القرار بشكل واضح إلى طلب السلطة التنفيذيّة الأخير.

من ناحية أخرى، ينص قانون النقد والتسليف في المادّة 174 على إعطاء مصرف لبنان صلاحيّة وضع التظيمات العامّة الضروريّة لتأمين “حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها”، وهذه المادّة هي النص الوحيد الذي يسمح للمصرف المركزي بوضع تنظيمات تقيّد أو تنظّم عمليّات السحب النقدي والتحويل من المصارف. كما تنص المادّة نفسها على إعطاء المصرف تحديد وتعديل “قواعد تسيير العمل التي على المصارف أن تتقيد بها حفاظاً على حالة سيولتها وملاءتها”، وهو ما يمكن أن يصب في السياق نفسه.

إلا أنّ المادّة 174 تحصر تدخّل المصرف المركزي على هذا النحو باستهداف “حسن علاقة” المصارف بالمودعين، في حين أنّ أهداف الإجراء الراهن ليست سوى حماية المصارف من التبعات القانونيّة التي ستترتّب على إلحاقها الغبن بالمودعين. أي بمعنى آخر، سيكون مصرف لبنان قد استعمل هذه المادّة لغاية معاكسة لتلك المحددة فيها. ومرّة جديدة، سيكون القرار قابلًا للطعن أمام مجلس شورى الدولة، بوصفه قرارًا لا يدعمه أي سند قانوني.

في خلاصة الأمر، يرجّح كثيرون أن يعمد مصرف لبنان إلى اتخاذ هذا القرار بالفعل قبل نهاية ولايته، كجزء من حملة تصفية تبعات المرحلة الماضية، تمامًا كما فعل بتحويل خسائر الحقبات السابقة إلى ديون على الدولة. أمّا التحدّي الأساسي، فسيكون صمود القرار وعدم سقوطه بالطعن أمام مجلس شورى الدولة بعد صدوره، وخصوصًا بوجود ثغرات قانونيّة كبيرة تسمح بهذا الأمر.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار