لماذا يتمسّك الحزب بالحوار؟

الكاتب: شارل جبور | المصدر: الجمهورية
10 تموز 2023
هل يصرّ «حزب الله» على الحوار تحقيقاً لخطوة معنوية أمام جمهوره تشكل له مخرجاً من فشله بانتخاب مرشحه؟ وهل يتمسّك بالحوار لإطالة أمد الفراغ أم لمحاولة إقناع المتحاورين، في حال موافقتهم على جلسة من هذا القبيل، بمرشحه الرئاسي، وليعود ويعلن فشل الحوار بسبب تمسّك خصومه بمنطقهم؟ وهل يريد الحوار لانتزاع مكاسب سلطوية (اتفاق سلة) أم دستورية؟

من الثابت ان «حزب الله» أضاف إلى معادلته الشهيرة «مرشحي او الشغور» معادلة جديدة «الحوار او الشغور». ففي الانتخابات الرئاسية السابقة كان يتلطّى خلف الأكثر تمثيلا مسيحيا ولم يكن بحاجة لحوار رئاسي، خصوصا ان من كان يدعمه للرئاسة كان يُجاهر بأفضلية الشغور على انتخاب اي مرشّح غيره. ومع غياب هذا المعطى اليوم حوّل الحوار إلى معبر ملزم للرئاسة لغايات مجهولة-معلومة قد تكون تبريراً لنزوله عن الشجرة، وقد تكون تغطيةً لتعطيله، وقد تكون تمريرا لصفقة رئاسية او تعديلات دستورية، وقد تكون لشراء الوقت…

وبعد ان تبيّن استحالة ان ينتخب اي فريق مرشحه بإقرار الحزب واعترافه، وتقدُّم قوى التقاطع على قوى الممانعة، لم يعد من مبرِّر لاستمرار الشغور باستثناء رهان «حزب الله» على تراجع حليفه المسيحي وخصومه أمام الشغور المفتوح، وهذا الرهان في غير محله هذه المرة، ولكن الأكيد انه لا يريد انتخابات رئاسية الآن لسبب من الأسباب، وهذا ما يدفعه إلى تغطية تعطيله عن طريق شراء الوقت بتعبئة الفضاء السياسي-الإعلامي بالدعوات إلى الحوار.
ومن الثابت ان الحوار في الموضوع الرئاسي يعني الخروج عن نص دستوري والذهاب في اتجاه تكريس عُرف جديد خلافاً لاتفاق الطائف، لأن الانتخابات الرئاسية تحصل في البرلمان وفقا للآليات الانتخابية المعروفة. ومن الواضح ان الثنائي الحزبي الشيعي الذي انتزع الثلث المعطِّل في اتفاق الدوحة خلافاً لاتفاق الطائف، ويسعى لتكريس الميثاقية المذهبية بدلا من الميثاقية الوطنية المسيحية-الإسلامية، ويعمل على تثبيت طائفية وزارة المالية خلافا للدستور أيضا الذي لا يخصِّص اي حقيبة لأي طائفة، يريد عن طريق إصراره على الحوار ان يكرِّس هذا الحوار مدخلا لكل انتخابات رئاسية بدلا من البرلمان، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يصرّ «حزب الله» على تعطيل الآليات البرلمانية في انتخاب رئيس للجمهورية واستبدالها بالحوار كمدخل للانتخابات الرئاسية؟
أولاً، الإصرار على الحوار هو لتغطية معادلة «مرشحي او الشغور» وتجميلها، لأن هذه المعادلة في ظل عدم القدرة على ترجمتها وتبريرها تضعه في الموقع الذي يُجاهِر فيه بفرض رئيس بشروطه وإلا الفراغ، فقرّر استبدالها بالحوار من دون ان يتنازل عن معادلته، ظنّاً منه انه بهذه الطريقة يحشر خصومه ويبرِّر تعطيله.

ثانيا، المشترك بين معادلة «مرشحي او الشغور» وبين الإصرار على الحوار هو الوصول إلى رئاسة مضمونة بولائها للحزب بدلا من ولائها للدستور والوطن، ورئاسة تسهر على تغطية انتهاك الدستور بدلا من التقيُّد بحرفيته وروحيته، كما ان المشترك يكمن في التعطيل المفتوح، فلا مرشّح غير مرشحي، ولا رئاسة من دون حوار، ولا نتيجة للحوار خلافاً لرغبتي.
ثالثا، الهدف من الحملة المركزة على الحوار محاولة حَرف النقاش من ضرورة الالتزام بالقواعد الدستورية الانتخابية الرئاسية، إلى ضرورة الذهاب إلى الحوار، بمعنى محاولة نقل مسؤولية الشغور من الفريق الذي يمنع انعقاد جلسات متتالية لانتخاب رئيس للجمهورية، إلى الفريق الذي يرفض الحوار، علما ان أحدًا لا يرفض الحوار، وجلّ ما في الأمر ان الانتخابات الرئاسية لها سياقها الدستوري الانتخابي والحواري الثنائي المباشر وغير المباشر، وقد قدمت القوى السياسية التي تقاطعت على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور نموذجا عن حوار أوصل إلى هذا التقاطع من دون مشهدية حوارية وطاولات حوار.
رابعاً، محاولة تضليل الرأي العام اللبناني بأنّ من يتحمّل مسؤولية الشغور هو الفريق الرافض للحوار، فيما المسؤولية تقع أمس واليوم على الفريق الذي يستبدل الانتخاب بالتعيين ولا يلتزم بالمهلة الدستورية ويعطِّل الانتخابات سعيا لفرض مرشحه الرئاسي، كما إيهام الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان ومن خلفه بأنّ «حزب الله» مع الحوار ويمد اليد، فيما هو يمنع انتخاب رئيس للجمهورية وفقا للدستور ويتمسك بمرشحه خلافاً لموازين القوى القائمة التي تتطلب الاتفاق على مرشح توافقي لا مرشح غلبة.

خامساً، لا يريد الحزب المجازفة بانتخابات رئاسية عن طريق اعتماد الآلية الانتخابية التي قد تؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية يعارض انتخابه، ولو لم يعطِّل مثلا النصاب في الجلسة رقم 12 في 14 حزيران الماضي لكان انتُخِب الوزير السابق جهاد أزعور رئيسا للجمهورية، وما ينطبق على هذه الانتخابات ينسحب على اي انتخابات مستقبلية، فلا يريد ان يكون ميزان القوى النيابي المعبر لانتخاب الرئيس في ظل توازنات متبدلة في البلد، إنما يريد الحوار الذي يضمن من خلاله عدم انتخاب الرئيس الذي لا يريده.
سادسا، منشأ الحوار الذي بدأ منذ العام 2006 هو «حزب الله» المسبِّب للأزمة اللبنانية منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والحوار هو الاسم الحركي للفيتو الذي يضعه الحزب على النظام، بمعنى انه استبدل مصطلح الفيتو بمصطلح الحوار، فلا رئيس للجمهورية من دون موافقته، ولا مشكلة في ذلك على قاعدة التوافق، إنما المشكلة في تعطيل آليات الانتخاب والنظام من أجل فرض مرشحه.
سابعا، من الواضح ان «حزب الله» يتجنّب الحديث العلني عن سعيه لتعديل اتفاق الطائف ويريد الحوار مدخلا لبحث التعديلات التي يريدها، ولكن عندما فسِّر كلام النائب محمد رعد الداعي إلى حوار لإنتاج حل شامل أبعد من انتخابات رئاسية، أعادَ رعد التأكيد على عدم السعي لتعديل الطائف، إلا ان تجنُّب الحزب إثارة هذه المسألة إعلاميا بانتظار الظروف التي تسمح له بذلك، لا يعني عدم سعيه إلى انتزاع التعديلات التي يريدها عن طريق الأعراف التي يعمل على تكريسها، بدءا من ثنائية الدولة-المقاومة، مرورا بالفيتو المذهبي والثلث المعطِّل، وصولا إلى وزارة المالية، وأخيرا وليس آخراً جَعل رئاسة الجمهورية من حصته والتي يضمن من خلالها موقف رأس الدولة المؤيد له، وعدم التوقيع على اي حكومة لا يريدها، ويكون الساهر على الجمهورية التي يطمئِّن لها الحزب.

وبانتظار ان ينتزع «حزب الله» موقع نائب رئاسة الجمهورية وغيرها يريد ان تكون الرئاسة الأولى من حصته، وما ينطبق عليها لا ينسحب على رئاسة الحكومة انطلاقاً من مُراعاته الوضع السني بسبب امتداداته الخارجية، ولكنه في الوقت نفسه يضع فيتو على رئيس حكومة سيادي، إلا انّ خطأه هذه المرة انه لم يُحسن ترتيب بيته المسيحي قبل ان يزكّي مرشحه الرئاسي.
ولا يفوِّت الحزب اي مناسبة لتعطيل الدستور وشَلّه بهدف القول انّ الأزمة في لبنان هي أزمة نظام سعياً إلى تعديلات تمنحه القدرة على إمساك مفاصل هذا النظام بالطرق الشرعية، وليس فقط عن طريق قوة الأمر الواقع. وبالتالي، الهدف من التعطيل المتمادي هو تَهيئة المزاج اللبناني على تعديلات دستورية ضرورية من أجل إعادة الانتظام والاستقرار، ولكن المشكلة الفعلية ليست مشكلة نظام، إنما سببها وجود فئة لا تريد تطبيق الدستور وتمنع تطبيق هذا الدستور، وما ينطبق على اتفاق الطائف ينسحب على اي نظام سياسي آخر، بمعنى ان المشكلة ليست في الطائف، إنما في عدم تطبيق الطائف منذ إقراره.
وبمعزل عما ورد أعلاه والخلفية الكامنة وراء تحول «حزب الله» إلى داعية حوار، فإنه سيشترط على الموفد الرئاسي الفرنسي الحوار مدخلا للاتفاق على رئيس للجمهورية، وسيعيِّر من يقبل من أخصامه بالحوار بأنهم يقبلون بحوارات صناعة خارجية ويرفضون الحوار صناعة لبنانية، فيما أيّ قبول بمبدأ الحوار الرئاسي حول طاولة حوار يعني تكريس عُرف جديد مخالف لاتفاق الاتفاق، وهذا أمر خطير للغاية في ظل الانتهاك المتواصل لوثيقة الوفاق الوطني عن طريق الأعراف المستحدثة.

وعلى رغم ان الحوار في معرض انتخابات رئاسية مُخالِف للدستور، فإن كل مفهوم الحوار، وهو مفهوم راق وقيمي وانساني، يجب إعادة النظر به، لأنه يفترض ان يشكل هدفا لإيجاد الحلول المرجوّة وليس تأبيداً للأمر الواقع وشراء الوقت من دون طائل ولا نتيجة على غرار ما حصل منذ العام 2006، وأيّ حوار مستقبلي يجب ان يكون مشروطا بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني، والالتزام بمدة زمنية لوضع البنود التي لم تطبّق في هذه الوثيقة موضع التطبيق بدءا من الجانب الأهم المتعلِّق بسيادة الدولة التي من دونها لا دستور ولا دولة ولا إصلاحات.
وأما الدور الذي يمكن ان يتولاه لودريان فهو محاولة التوفيق بين القوى السياسية على مرشح رئاسي عن طريق لقاءات ثنائية، ومن يريد انتخابات ليس بحاجة أصلا لموفدين وأسماء، فهل ينجح الموفد الرئاسي الفرنسي حيث تم إفشال مبادرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ومن ثم إفشال مسعى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي كان قد أوفَدَ مطرانَين للقاء السيد حسن نصرالله؟

لماذا يتمسّك الحزب بالحوار؟

الكاتب: شارل جبور | المصدر: الجمهورية
10 تموز 2023
هل يصرّ «حزب الله» على الحوار تحقيقاً لخطوة معنوية أمام جمهوره تشكل له مخرجاً من فشله بانتخاب مرشحه؟ وهل يتمسّك بالحوار لإطالة أمد الفراغ أم لمحاولة إقناع المتحاورين، في حال موافقتهم على جلسة من هذا القبيل، بمرشحه الرئاسي، وليعود ويعلن فشل الحوار بسبب تمسّك خصومه بمنطقهم؟ وهل يريد الحوار لانتزاع مكاسب سلطوية (اتفاق سلة) أم دستورية؟

من الثابت ان «حزب الله» أضاف إلى معادلته الشهيرة «مرشحي او الشغور» معادلة جديدة «الحوار او الشغور». ففي الانتخابات الرئاسية السابقة كان يتلطّى خلف الأكثر تمثيلا مسيحيا ولم يكن بحاجة لحوار رئاسي، خصوصا ان من كان يدعمه للرئاسة كان يُجاهر بأفضلية الشغور على انتخاب اي مرشّح غيره. ومع غياب هذا المعطى اليوم حوّل الحوار إلى معبر ملزم للرئاسة لغايات مجهولة-معلومة قد تكون تبريراً لنزوله عن الشجرة، وقد تكون تغطيةً لتعطيله، وقد تكون تمريرا لصفقة رئاسية او تعديلات دستورية، وقد تكون لشراء الوقت…

وبعد ان تبيّن استحالة ان ينتخب اي فريق مرشحه بإقرار الحزب واعترافه، وتقدُّم قوى التقاطع على قوى الممانعة، لم يعد من مبرِّر لاستمرار الشغور باستثناء رهان «حزب الله» على تراجع حليفه المسيحي وخصومه أمام الشغور المفتوح، وهذا الرهان في غير محله هذه المرة، ولكن الأكيد انه لا يريد انتخابات رئاسية الآن لسبب من الأسباب، وهذا ما يدفعه إلى تغطية تعطيله عن طريق شراء الوقت بتعبئة الفضاء السياسي-الإعلامي بالدعوات إلى الحوار.
ومن الثابت ان الحوار في الموضوع الرئاسي يعني الخروج عن نص دستوري والذهاب في اتجاه تكريس عُرف جديد خلافاً لاتفاق الطائف، لأن الانتخابات الرئاسية تحصل في البرلمان وفقا للآليات الانتخابية المعروفة. ومن الواضح ان الثنائي الحزبي الشيعي الذي انتزع الثلث المعطِّل في اتفاق الدوحة خلافاً لاتفاق الطائف، ويسعى لتكريس الميثاقية المذهبية بدلا من الميثاقية الوطنية المسيحية-الإسلامية، ويعمل على تثبيت طائفية وزارة المالية خلافا للدستور أيضا الذي لا يخصِّص اي حقيبة لأي طائفة، يريد عن طريق إصراره على الحوار ان يكرِّس هذا الحوار مدخلا لكل انتخابات رئاسية بدلا من البرلمان، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يصرّ «حزب الله» على تعطيل الآليات البرلمانية في انتخاب رئيس للجمهورية واستبدالها بالحوار كمدخل للانتخابات الرئاسية؟
أولاً، الإصرار على الحوار هو لتغطية معادلة «مرشحي او الشغور» وتجميلها، لأن هذه المعادلة في ظل عدم القدرة على ترجمتها وتبريرها تضعه في الموقع الذي يُجاهِر فيه بفرض رئيس بشروطه وإلا الفراغ، فقرّر استبدالها بالحوار من دون ان يتنازل عن معادلته، ظنّاً منه انه بهذه الطريقة يحشر خصومه ويبرِّر تعطيله.

ثانيا، المشترك بين معادلة «مرشحي او الشغور» وبين الإصرار على الحوار هو الوصول إلى رئاسة مضمونة بولائها للحزب بدلا من ولائها للدستور والوطن، ورئاسة تسهر على تغطية انتهاك الدستور بدلا من التقيُّد بحرفيته وروحيته، كما ان المشترك يكمن في التعطيل المفتوح، فلا مرشّح غير مرشحي، ولا رئاسة من دون حوار، ولا نتيجة للحوار خلافاً لرغبتي.
ثالثا، الهدف من الحملة المركزة على الحوار محاولة حَرف النقاش من ضرورة الالتزام بالقواعد الدستورية الانتخابية الرئاسية، إلى ضرورة الذهاب إلى الحوار، بمعنى محاولة نقل مسؤولية الشغور من الفريق الذي يمنع انعقاد جلسات متتالية لانتخاب رئيس للجمهورية، إلى الفريق الذي يرفض الحوار، علما ان أحدًا لا يرفض الحوار، وجلّ ما في الأمر ان الانتخابات الرئاسية لها سياقها الدستوري الانتخابي والحواري الثنائي المباشر وغير المباشر، وقد قدمت القوى السياسية التي تقاطعت على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور نموذجا عن حوار أوصل إلى هذا التقاطع من دون مشهدية حوارية وطاولات حوار.
رابعاً، محاولة تضليل الرأي العام اللبناني بأنّ من يتحمّل مسؤولية الشغور هو الفريق الرافض للحوار، فيما المسؤولية تقع أمس واليوم على الفريق الذي يستبدل الانتخاب بالتعيين ولا يلتزم بالمهلة الدستورية ويعطِّل الانتخابات سعيا لفرض مرشحه الرئاسي، كما إيهام الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان ومن خلفه بأنّ «حزب الله» مع الحوار ويمد اليد، فيما هو يمنع انتخاب رئيس للجمهورية وفقا للدستور ويتمسك بمرشحه خلافاً لموازين القوى القائمة التي تتطلب الاتفاق على مرشح توافقي لا مرشح غلبة.

خامساً، لا يريد الحزب المجازفة بانتخابات رئاسية عن طريق اعتماد الآلية الانتخابية التي قد تؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية يعارض انتخابه، ولو لم يعطِّل مثلا النصاب في الجلسة رقم 12 في 14 حزيران الماضي لكان انتُخِب الوزير السابق جهاد أزعور رئيسا للجمهورية، وما ينطبق على هذه الانتخابات ينسحب على اي انتخابات مستقبلية، فلا يريد ان يكون ميزان القوى النيابي المعبر لانتخاب الرئيس في ظل توازنات متبدلة في البلد، إنما يريد الحوار الذي يضمن من خلاله عدم انتخاب الرئيس الذي لا يريده.
سادسا، منشأ الحوار الذي بدأ منذ العام 2006 هو «حزب الله» المسبِّب للأزمة اللبنانية منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والحوار هو الاسم الحركي للفيتو الذي يضعه الحزب على النظام، بمعنى انه استبدل مصطلح الفيتو بمصطلح الحوار، فلا رئيس للجمهورية من دون موافقته، ولا مشكلة في ذلك على قاعدة التوافق، إنما المشكلة في تعطيل آليات الانتخاب والنظام من أجل فرض مرشحه.
سابعا، من الواضح ان «حزب الله» يتجنّب الحديث العلني عن سعيه لتعديل اتفاق الطائف ويريد الحوار مدخلا لبحث التعديلات التي يريدها، ولكن عندما فسِّر كلام النائب محمد رعد الداعي إلى حوار لإنتاج حل شامل أبعد من انتخابات رئاسية، أعادَ رعد التأكيد على عدم السعي لتعديل الطائف، إلا ان تجنُّب الحزب إثارة هذه المسألة إعلاميا بانتظار الظروف التي تسمح له بذلك، لا يعني عدم سعيه إلى انتزاع التعديلات التي يريدها عن طريق الأعراف التي يعمل على تكريسها، بدءا من ثنائية الدولة-المقاومة، مرورا بالفيتو المذهبي والثلث المعطِّل، وصولا إلى وزارة المالية، وأخيرا وليس آخراً جَعل رئاسة الجمهورية من حصته والتي يضمن من خلالها موقف رأس الدولة المؤيد له، وعدم التوقيع على اي حكومة لا يريدها، ويكون الساهر على الجمهورية التي يطمئِّن لها الحزب.

وبانتظار ان ينتزع «حزب الله» موقع نائب رئاسة الجمهورية وغيرها يريد ان تكون الرئاسة الأولى من حصته، وما ينطبق عليها لا ينسحب على رئاسة الحكومة انطلاقاً من مُراعاته الوضع السني بسبب امتداداته الخارجية، ولكنه في الوقت نفسه يضع فيتو على رئيس حكومة سيادي، إلا انّ خطأه هذه المرة انه لم يُحسن ترتيب بيته المسيحي قبل ان يزكّي مرشحه الرئاسي.
ولا يفوِّت الحزب اي مناسبة لتعطيل الدستور وشَلّه بهدف القول انّ الأزمة في لبنان هي أزمة نظام سعياً إلى تعديلات تمنحه القدرة على إمساك مفاصل هذا النظام بالطرق الشرعية، وليس فقط عن طريق قوة الأمر الواقع. وبالتالي، الهدف من التعطيل المتمادي هو تَهيئة المزاج اللبناني على تعديلات دستورية ضرورية من أجل إعادة الانتظام والاستقرار، ولكن المشكلة الفعلية ليست مشكلة نظام، إنما سببها وجود فئة لا تريد تطبيق الدستور وتمنع تطبيق هذا الدستور، وما ينطبق على اتفاق الطائف ينسحب على اي نظام سياسي آخر، بمعنى ان المشكلة ليست في الطائف، إنما في عدم تطبيق الطائف منذ إقراره.
وبمعزل عما ورد أعلاه والخلفية الكامنة وراء تحول «حزب الله» إلى داعية حوار، فإنه سيشترط على الموفد الرئاسي الفرنسي الحوار مدخلا للاتفاق على رئيس للجمهورية، وسيعيِّر من يقبل من أخصامه بالحوار بأنهم يقبلون بحوارات صناعة خارجية ويرفضون الحوار صناعة لبنانية، فيما أيّ قبول بمبدأ الحوار الرئاسي حول طاولة حوار يعني تكريس عُرف جديد مخالف لاتفاق الاتفاق، وهذا أمر خطير للغاية في ظل الانتهاك المتواصل لوثيقة الوفاق الوطني عن طريق الأعراف المستحدثة.

وعلى رغم ان الحوار في معرض انتخابات رئاسية مُخالِف للدستور، فإن كل مفهوم الحوار، وهو مفهوم راق وقيمي وانساني، يجب إعادة النظر به، لأنه يفترض ان يشكل هدفا لإيجاد الحلول المرجوّة وليس تأبيداً للأمر الواقع وشراء الوقت من دون طائل ولا نتيجة على غرار ما حصل منذ العام 2006، وأيّ حوار مستقبلي يجب ان يكون مشروطا بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني، والالتزام بمدة زمنية لوضع البنود التي لم تطبّق في هذه الوثيقة موضع التطبيق بدءا من الجانب الأهم المتعلِّق بسيادة الدولة التي من دونها لا دستور ولا دولة ولا إصلاحات.
وأما الدور الذي يمكن ان يتولاه لودريان فهو محاولة التوفيق بين القوى السياسية على مرشح رئاسي عن طريق لقاءات ثنائية، ومن يريد انتخابات ليس بحاجة أصلا لموفدين وأسماء، فهل ينجح الموفد الرئاسي الفرنسي حيث تم إفشال مبادرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ومن ثم إفشال مسعى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي كان قد أوفَدَ مطرانَين للقاء السيد حسن نصرالله؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار