استجواب سلامة انتهى لبنانياً بلا قرار: مسرحية غير هزلية

حضر اليوم حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة ضيفاً لدى قاضي التحقيق شربل أبو سمرا، لاستكمال جلسة استجوابه الثانية و”الأخيرة” في ملف الادعاء اللبناني. لكن، كما بات واضحاً، لم تُصدر أي مذكرة توقيف وجاهية بحق الحاكم، بل انتهت الجلسة بتركه رهن التحقيق.
انتهاء جلسة الحاكم
اللافت في جلسة اليوم، وصول أبو سمرا إلى قناعة سريعة مدهشة تقضي بالإعلان عن انتهاء جلسات استجواب الحاكم بشكل شبه نهائي، بعد أن اكتفى بجلستين فقط لطرح جميع الأسئلة التي يحتاجها في هذا الملف.
معنى هذا الكلام، أن زيارات الحاكم لقصر العدل انتهت تقريباً، وقد يدخل الملف في نفق الجمود والمماطلة، طالما أن الحاكم لن يزور أبو سمرا مرة أخرى، والمرحلة المقبلة ستُحصر بالقاضي أبو سمرا، الذي من المفترض أن ينظر في ملف سلامة قبل اتخاذ أي إجراء بحقه.
بمعنى أوضح، الجميع بانتظار أبو سمرا كي يعلن بعد انتهاء مطالعته ودراسته للملف عما إن كان سيصدر مذكرة توقيف بحق سلامة أم لا.
والحقيقة الثابتة في هذا الأمر، والتي تداولناها مراراً، أن أبو سمرا لن يصدر أي مذكرة توقيف بحق سلامة. ببساطة، لأنه ليس مقتنعاً بقرار توقيفه، انطلاقاً من أن الملاحقة يجب أن تطال أركان السلطة السياسية أيضاً. وبمنظوره، الحاكم ممنوع من السفر. وبالتالي، احتمال فراره خارج الأراضي اللبنانية ضئيل جداً. وأطرف ما في الأمر، أنه ليس مقتنعاً بقرار تركه “حراً طليقاً” وفي الوقت نفسه ليس مقتنعاً بقرار توقيفه! مفارقة قضائية من الصعب فهمها.
فـ”الهدية” التي حصل عليها سلامة من القضاء اللبناني، هي أمنية كل مشتبه به داخل قاعات المحاكم، بيد أن الأمنيات لا تتحقق دائماً، ولكن بات معروفاً أن امتيازات الحاكم هي بمثابة غطاء له.
تداعيات توقيف سلامة
ما يحاول القضاء اللبناني قوله اليوم، إن توقيف حاكم مصرف لبنان “سيكون له تداعيات خطيرة على البلد”. لذلك، يتحاشى القضاء اللبناني هذا الانفجار “الوهمي”. هذه الحجة التي تتكرر دائماً داخل أروقة العدل لم تعد مقنعة، وصارت مبتذلة. فالخوف من تفلت سعر صرف الدولار يعني أن البلد لم يشهد أي انهيار اقتصادي، وأن سياسة لبنان النقدية بألف خير، في حين أن الودائع سرقت، ويعيش لبنان أسوأ انهيار اقتصادي، وخلال ولاية سلامة تحديداً، انهارت الليرة اللبنانية ولامس الدولار الأميركي عتبة الـ145 ألف ليرة لبنانية.
يمكن القول اليوم، أن الانهيار الاقتصادي من المفترض أن يكون كفيلاً ليؤكد للقضاة بأن توقيف الحاكم لن يؤثر على تفلت سعر صرف الدولار في السوق السوداء، لأن الحاكم نفسه لم يتمكن من ضبط هذه السوق والحفاظ على السعر الرسمي للدولار الأميركي منذ 3 سنوات. ومسرحية تفلت السوق السوداء ستعود إلى الواجهة مجدداً، سواء كان سلامة حاكماً لمصرف لبنان أم لا.
لا ضرورة لكثير من التفاصيل لنؤكد أن هدف القضاء اليوم هو تأمين الغطاء لسلامة، وما يدل على ذلك هو عدم الوصول إلى قناعة تامة تقضي بتوقيف سلامة، الملاحق دولياً، على اعتبار أن “تداعيات هذا القرار ستكون خطيرة على لبنان”.
في المقلب الآخر، بات واضحاً أن “قناعة” القاضية الفرنسية أود بوروسي مختلفة جداً عن قناعة القاضي أبو سمرا. فبوروسي استجوبت سلامة لأكثر من 12 ساعة خلال يومين متتاليين، وطلبت حضوره إلى المحكمة الفرنسية لاستجوابه مرة أخرى، قبل أن تصدر بحقه مذكرة توقيف دولية وتتهمه بتشكيل عصابة أشرار، وبجرائم تبييض الأموال، في حين أن القاضي أبو سمرا اكتفى باستجواب سلامة في جلستين فقط من دون إصدار أي مذكرة توقيف بحقه أو أي إجراء آخر، بل ترك الأمر للأسابيع المقبلة ريثما ينتهي من مطالعة هذا الملف.
هيئة القضايا تنتفض
وهنا يجب أن نلفت، إلى أن سرعة انتهاء التحقيق أثارت حفيظة هيئة القضايا في وزارة العدل، التي اعترضت على انتهاء جلسات استجواب الحاكم، مؤكدةً أن الملف يتطلب تكثيف هذه الجلسات للحصول على معلومات إضافية. والسؤال الأهم: “هل سيكتفي أبو سمرا بالمعلومات التي حصل عليها خلال جلستين فقط؟”. فبالرغم من توسع القضاء الأوروبي في تحقيقاته إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإعلان عن انتهاء جلسات الاستجواب.
ووفقاً لمعلومات “المدن”، فبعد انتهاء جلسة استجواب الحاكم، وإبلاغه بعدم تحديد جلسة أخرى له إلا في الحالات الضرورية، اعترضت هيئة القضايا في وزارة العدل، وطلبت من القاضي أبو سمرا تدوين هذا الاعتراض، معتبرةً أن التحقيق بحاجة ملحة إلى جلسات أخرى لاستجواب سلامة في هذا الملف الدقيق.
هذا وأكد مصدر قضائي بارز لـ”المدن” بأن قرار عدم توقيف سلامة ناتج عن مرور البلد في مرحلة “مفصلية”، وبالتالي هذا القرار القضائي قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة. وقد علمت “المدن” أن سلامة أبرز كامل المستندات التي طلبت منه سابقاً ووضع عليها ملاحظاته. ومن المتوقع أن يعين أبو سمرا مجموعة من الخبراء في المحاسبة للتدقيق في هذه المستندات في حال استدعى الأمر ذلك.
الخلاصة إذن، الأسبوع المقبل سيتم استجواب كل من شقيق الحاكم، رجا سلامة، والمساعدة “المحترفة في المجال المصرفي”، ماريان الحويك، وبعد انتهاء استجوابهما سيحدد القاضي أبو سمرا مسار المرحلة المقبلة، إن كانت تستوجب الاستماع إلى مجموعة من الشهود في هذا الملف. وسيتم تحديد جلسة للحاكم مرة أخرى عند الضرورة، وهو الأمر المستبعد خلال هذه الفترة.
والسؤال الأهم: هل سيصدر أي إجراء قضائي بحق الحاكم خصوصاً بعد أن تبلورت الصورة أمام أبو سمرا؟ باختصار: لا.
ووفقاً لمعلومات “المدن”، سيحاول أبو سمرا إنهاء هذا الملف قبل شهر تشرين الثاني، أي قبل تاريخ وصوله إلى سن التقاعد.
المعطيات المذكورة أعلاه، تعني أن الحاكم ورط القضاء اللبناني معه في مسرحية هزلية مكشوفة. والمؤكد اليوم أن القضاء اللبناني سيمتنع عن أي إجراء قضائي قبل انتهاء ولاية الحاكم، وبعدها سنكون أمام مسارين: إما سينقض أبو سمرا على الحاكم، وهو الأمر المستبعد إلى حد كبير، أو ستستمر المراوغة في هذا الملف لأشهر طويلة وستنتهي ولاية الحاكم من دون إدانته.
استجواب سلامة انتهى لبنانياً بلا قرار: مسرحية غير هزلية

حضر اليوم حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة ضيفاً لدى قاضي التحقيق شربل أبو سمرا، لاستكمال جلسة استجوابه الثانية و”الأخيرة” في ملف الادعاء اللبناني. لكن، كما بات واضحاً، لم تُصدر أي مذكرة توقيف وجاهية بحق الحاكم، بل انتهت الجلسة بتركه رهن التحقيق.
انتهاء جلسة الحاكم
اللافت في جلسة اليوم، وصول أبو سمرا إلى قناعة سريعة مدهشة تقضي بالإعلان عن انتهاء جلسات استجواب الحاكم بشكل شبه نهائي، بعد أن اكتفى بجلستين فقط لطرح جميع الأسئلة التي يحتاجها في هذا الملف.
معنى هذا الكلام، أن زيارات الحاكم لقصر العدل انتهت تقريباً، وقد يدخل الملف في نفق الجمود والمماطلة، طالما أن الحاكم لن يزور أبو سمرا مرة أخرى، والمرحلة المقبلة ستُحصر بالقاضي أبو سمرا، الذي من المفترض أن ينظر في ملف سلامة قبل اتخاذ أي إجراء بحقه.
بمعنى أوضح، الجميع بانتظار أبو سمرا كي يعلن بعد انتهاء مطالعته ودراسته للملف عما إن كان سيصدر مذكرة توقيف بحق سلامة أم لا.
والحقيقة الثابتة في هذا الأمر، والتي تداولناها مراراً، أن أبو سمرا لن يصدر أي مذكرة توقيف بحق سلامة. ببساطة، لأنه ليس مقتنعاً بقرار توقيفه، انطلاقاً من أن الملاحقة يجب أن تطال أركان السلطة السياسية أيضاً. وبمنظوره، الحاكم ممنوع من السفر. وبالتالي، احتمال فراره خارج الأراضي اللبنانية ضئيل جداً. وأطرف ما في الأمر، أنه ليس مقتنعاً بقرار تركه “حراً طليقاً” وفي الوقت نفسه ليس مقتنعاً بقرار توقيفه! مفارقة قضائية من الصعب فهمها.
فـ”الهدية” التي حصل عليها سلامة من القضاء اللبناني، هي أمنية كل مشتبه به داخل قاعات المحاكم، بيد أن الأمنيات لا تتحقق دائماً، ولكن بات معروفاً أن امتيازات الحاكم هي بمثابة غطاء له.
تداعيات توقيف سلامة
ما يحاول القضاء اللبناني قوله اليوم، إن توقيف حاكم مصرف لبنان “سيكون له تداعيات خطيرة على البلد”. لذلك، يتحاشى القضاء اللبناني هذا الانفجار “الوهمي”. هذه الحجة التي تتكرر دائماً داخل أروقة العدل لم تعد مقنعة، وصارت مبتذلة. فالخوف من تفلت سعر صرف الدولار يعني أن البلد لم يشهد أي انهيار اقتصادي، وأن سياسة لبنان النقدية بألف خير، في حين أن الودائع سرقت، ويعيش لبنان أسوأ انهيار اقتصادي، وخلال ولاية سلامة تحديداً، انهارت الليرة اللبنانية ولامس الدولار الأميركي عتبة الـ145 ألف ليرة لبنانية.
يمكن القول اليوم، أن الانهيار الاقتصادي من المفترض أن يكون كفيلاً ليؤكد للقضاة بأن توقيف الحاكم لن يؤثر على تفلت سعر صرف الدولار في السوق السوداء، لأن الحاكم نفسه لم يتمكن من ضبط هذه السوق والحفاظ على السعر الرسمي للدولار الأميركي منذ 3 سنوات. ومسرحية تفلت السوق السوداء ستعود إلى الواجهة مجدداً، سواء كان سلامة حاكماً لمصرف لبنان أم لا.
لا ضرورة لكثير من التفاصيل لنؤكد أن هدف القضاء اليوم هو تأمين الغطاء لسلامة، وما يدل على ذلك هو عدم الوصول إلى قناعة تامة تقضي بتوقيف سلامة، الملاحق دولياً، على اعتبار أن “تداعيات هذا القرار ستكون خطيرة على لبنان”.
في المقلب الآخر، بات واضحاً أن “قناعة” القاضية الفرنسية أود بوروسي مختلفة جداً عن قناعة القاضي أبو سمرا. فبوروسي استجوبت سلامة لأكثر من 12 ساعة خلال يومين متتاليين، وطلبت حضوره إلى المحكمة الفرنسية لاستجوابه مرة أخرى، قبل أن تصدر بحقه مذكرة توقيف دولية وتتهمه بتشكيل عصابة أشرار، وبجرائم تبييض الأموال، في حين أن القاضي أبو سمرا اكتفى باستجواب سلامة في جلستين فقط من دون إصدار أي مذكرة توقيف بحقه أو أي إجراء آخر، بل ترك الأمر للأسابيع المقبلة ريثما ينتهي من مطالعة هذا الملف.
هيئة القضايا تنتفض
وهنا يجب أن نلفت، إلى أن سرعة انتهاء التحقيق أثارت حفيظة هيئة القضايا في وزارة العدل، التي اعترضت على انتهاء جلسات استجواب الحاكم، مؤكدةً أن الملف يتطلب تكثيف هذه الجلسات للحصول على معلومات إضافية. والسؤال الأهم: “هل سيكتفي أبو سمرا بالمعلومات التي حصل عليها خلال جلستين فقط؟”. فبالرغم من توسع القضاء الأوروبي في تحقيقاته إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإعلان عن انتهاء جلسات الاستجواب.
ووفقاً لمعلومات “المدن”، فبعد انتهاء جلسة استجواب الحاكم، وإبلاغه بعدم تحديد جلسة أخرى له إلا في الحالات الضرورية، اعترضت هيئة القضايا في وزارة العدل، وطلبت من القاضي أبو سمرا تدوين هذا الاعتراض، معتبرةً أن التحقيق بحاجة ملحة إلى جلسات أخرى لاستجواب سلامة في هذا الملف الدقيق.
هذا وأكد مصدر قضائي بارز لـ”المدن” بأن قرار عدم توقيف سلامة ناتج عن مرور البلد في مرحلة “مفصلية”، وبالتالي هذا القرار القضائي قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة. وقد علمت “المدن” أن سلامة أبرز كامل المستندات التي طلبت منه سابقاً ووضع عليها ملاحظاته. ومن المتوقع أن يعين أبو سمرا مجموعة من الخبراء في المحاسبة للتدقيق في هذه المستندات في حال استدعى الأمر ذلك.
الخلاصة إذن، الأسبوع المقبل سيتم استجواب كل من شقيق الحاكم، رجا سلامة، والمساعدة “المحترفة في المجال المصرفي”، ماريان الحويك، وبعد انتهاء استجوابهما سيحدد القاضي أبو سمرا مسار المرحلة المقبلة، إن كانت تستوجب الاستماع إلى مجموعة من الشهود في هذا الملف. وسيتم تحديد جلسة للحاكم مرة أخرى عند الضرورة، وهو الأمر المستبعد خلال هذه الفترة.
والسؤال الأهم: هل سيصدر أي إجراء قضائي بحق الحاكم خصوصاً بعد أن تبلورت الصورة أمام أبو سمرا؟ باختصار: لا.
ووفقاً لمعلومات “المدن”، سيحاول أبو سمرا إنهاء هذا الملف قبل شهر تشرين الثاني، أي قبل تاريخ وصوله إلى سن التقاعد.
المعطيات المذكورة أعلاه، تعني أن الحاكم ورط القضاء اللبناني معه في مسرحية هزلية مكشوفة. والمؤكد اليوم أن القضاء اللبناني سيمتنع عن أي إجراء قضائي قبل انتهاء ولاية الحاكم، وبعدها سنكون أمام مسارين: إما سينقض أبو سمرا على الحاكم، وهو الأمر المستبعد إلى حد كبير، أو ستستمر المراوغة في هذا الملف لأشهر طويلة وستنتهي ولاية الحاكم من دون إدانته.









