القضاء التائه وسلامة المختفي: رهاب العقوبات الأميركية لا يكفي!

الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
19 آب 2023

منذ حوالى الأسبوع، تلقّى حاكم مصرف لبنان السابق، رياض توفيق سلامة، “ضربة اقتصاديّة قاضية” لم تكن متوقعة. إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة الأميركية وكندا وبريطانيا فرضت سويًا عقوبات بتهم الفساد المالي على سلامة وأعوانه.

“وثيقة سرية”
بعد مرور أربعة أيام فقط، سُربّت وثيقة من هيئة التحقيق الخاصة، المعروفة سابقًا بأنها تحت قبضة سلامة، مدموغة بكلمة “سريّة”. ولكنها انتشرت بسرعة لافتة. ومضمونها، أن أعضاء الهيئة قرروا بالإجماع تجميد حسابات سلامة وشقيقه رجا سلامة، ومساعدته المصرفية ماريان الحويك، ووالدة طفلته ياسمين، آنا كازاكوفا، وابنه ندي سلامة.

يعني هذا، بأن الولايات المتحدة الأميركية سحبت البساط من تحت أقدام سلامة، المُطلوب دوليًا من مجموعة دول أوروبية، والمُلاحق محليًا بتهم فساد مالي وتبييض أموال واختلاس. فكانت العقوبات بمثابة إنذار للمنظومة الحاكمة في لبنان. وبالتالي، فإن الغطاء السياسي الذي تحصّن به سلامة لأشهر طويلة داخل القضاء اللبناني، سيُجرد منه أيضًا، بسبب مخاوف القضاة والمصرفيين والسياسيين من العقوبات الأميركية، التي من شأنها تدمير وهدم مستقبلهم المالي في لحظة واحدة.

مطالب هيئة القضايا
يُذكر أن هيئة التحقيق الخاصة، قد طُلب من أعضائها مرارًا تجميد حسابات سلامة لضمانة حق الدولة اللبنانية، وكي تتماشى مع الإجراءات القضائية الفرنسية التي اتخذت بحق سلامة، ولكنها رفضت. إذ تفيد معلومات “المدن”، بأن رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل، القاضية هيلانا اسكندر قد حاولت مرارًا وتكرارًا اتخاذ هذه الخطوة ورفع السرية المصرفية عن حسابات سلامة وعائلته لتجميدها، لكنها لم تتمكن بسبب سيطرة سلامة على هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان.

مذكرة رسمية
وبعدها، تقدمت هيئة القضايا في وزارة العدل، بطلب رسمي إلى القضاء الفرنسي، لمطالبته بتزويد القضاء اللبناني بنسخة عن محضر التحقيق مع المصرفي مروان خيرالدين، الذي تعهد بالمثول أمام القضاء الفرنسي بشكل مستمر، شريطة عدم توقيفه، وبنسخة عن المعلومات “الداتا” التي ضبطت في هاتفه المحمول، بعدما قرر القضاء الفرنسي تفريغه للاطلاع على مراسلاته مع عائلة سلامة والحويك.

هذه المعلومات ستكون كفيلة بتحريك ملف سلامة القضائي اللبناني، الذي لم يُعرف مصيره بعد، حيث من شأنها تغذية الملف ببعض الأدلة التي توصلت إليها الوفود الأوروبية في تحقيقاتها منذ عدة أشهر. علمًا أن ممثلة الدولة اللبنانية، القاضية اسكندر، طالبت أيضًا بالمستندات التي من شأنها أن تؤثر بشكل إيجابي على مسار ملف سلامة القضائي، وقد طلبت من قاضي التحقيق الأول، شربل أبو سمرا أن يطلب المعونة القضائية من فرنسا في الملف اللبناني.

في الداخل، هذا الملف يتأرجح بين مسارين مختلفين، وذلك بعدما “سُلخت” يد قاضي التحقيق الأول، شربل أبو سمرا عن الملف بصورة نهائية، بسبب دعوى “مخاصمة القضاة” المقدمة ضده أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وبالتالي، فلن يتمكن من استكمال جلسات استجوابه للمساعدة المصرفية ماريان الحويك ورجا سلامة في 12 تشرين الأول، لأن الهيئة العامة لمحكمة التمييز معطلة منذ أكثر من عام ونصف العام، بسبب إحالة أكثر من نصف أعضائها على التقاعد وعدم تعيين بدلاء عنهم، مما يعني أنها غير قادرة على البت في هذه الدعوى.

فيما بعد، حُوّل الملف للهيئة الاتهامية، التي حددت جلسة لاستجواب سلامة في التاسع والعشرين من آب الجاري، بعدما تعذر عليها تبليغ سلامة بموعد جلسته المحددة في التاسع من آب، والأكيد أن الملف لن يُرجع مرة أخرى إلى أبو سمرا، مما يعني أننا سنكون بحاجة إلى قاضي تحقيق آخر لمتابعة الملف أو سيحكم على الملف بالجمود والركود.

لذلك، الأمور ستتجه نحو تبليغه لصقًا خلال الأسبوع المقبل، أي قبل 3 أيام من موعد الجلسة، وذلك بعدما تعذر على الأجهزة الأمنية إيجاد مكان إقامته، وعدم تمكنهم من الوصول إلى أي معلومات حصرية حول سكنه الحالي.

من جهة أخرى، تتفاوت آراء القضاة حول مصير سلامة بعد هذه الجلسة، وتتأرجح بين احتمالين، الأول إصدار مذكرة توقيف بحق سلامة وتعميمها على الأجهزة الأمنية، أو أن الأمور قد تتخذ مسارًا مختلفًا عن المتوقع.

العقوبات الأميركية ومصير سلامة
وما لا يمكن تجاهله، بأن العقوبات الأميركية قلبت الموازين، إذ من شأنها التأثير بشكل مباشر على مصير سلامة القضائي. حيث أوضح مصدر قضائي بارز لـ”المدن” بأن العقوبات الأميركية أرعبت بعض الأسماء السياسية البارزة، وبالتالي من المتوقع أن يُرفع الغطاء السياسي تدريجيًا عن سلامة، لأن المنظومة الحاكمة ستكون مجبورة على إثبات تعاونها في هذا الملف للولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي قد يترجم بإصدار مذكرة توقيف غيابية بحقه، بعد إبلاغه لصقًا.

في السياق نفسه، عرضت “المدن” سابقًا تفاصيل حول حالة التخبط الحاصلة بين القضاة داخل الهيئة الاتهامية، والتي قسمتهم بين مجموعة تحاول السيطرة على ملف سلامة لتلاحقه، وأخرى رفضت التدخل في هذا الملف، على اعتبار أن الهجوم القضائي على سلامة، “ناتج عن رغبة بعض الأحزاب السياسية في ملاحقته”.

حالة التشتت لم تنته بعد، وقد ذكرت “المدن” أيضًا في تقرير سابق بأن توجه الهيئة الاتهامية لإصدار مذكرة توقيف بحق سلامة قد يكون مستبعدًا خلال المرحلة السابقة، لسببين رئيسيين، الخلافات القضائية حول هذا القرار، والعطلة القضائية وتبدّل القضاة. ووفقًا لمعلومات “المدن”، فإن بعض القضاة اعتبروا بأن الهيئة الاتهامية يفترض عليها التراجع عن قرارات الهيئة الاتهامية السابقة لأسباب قانونية متعلقة بالاستئناف وتبعاته.

حيث اعتبروا بأن فسخ قرار أبو سمرا لم يكن ضروريًا، لأن الأخير لم ينه تحقيقاته بعد، وأن الملف قد يتخذ مسارًا مشابهًا لمسار المرفأ المجمّد منذ عام 2021، في حال طغت التدخلات السياسية عليه وتأخّر الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، القاضي حبيب رزق الله في تعيين قاض آخر.

مفاد هذا الكلام، بأن الأسابيع المقبلة ستكون حافلة بترجمة مصير سلامة داخل القضاء اللبناني، وحينها سيحكم على ملفه القضائي بالجمود والنسيان، أو سيتخذ مساره الطبيعي وصولًا للقرار الظني. في حين أن تجريد سلامة من الغطاء السياسي يعني أنه أدخل في نفق ولن يخرج منه مرة أخرى، وسيكون أمام عدة مسارين، إما سيكمل بقية سنواته خلف القضبان، أو سيستمر في التخفي، خصوصًا في حال صدرت مذكرة توقيف غيابية بحقه.

القضاء التائه وسلامة المختفي: رهاب العقوبات الأميركية لا يكفي!

الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
19 آب 2023

منذ حوالى الأسبوع، تلقّى حاكم مصرف لبنان السابق، رياض توفيق سلامة، “ضربة اقتصاديّة قاضية” لم تكن متوقعة. إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة الأميركية وكندا وبريطانيا فرضت سويًا عقوبات بتهم الفساد المالي على سلامة وأعوانه.

“وثيقة سرية”
بعد مرور أربعة أيام فقط، سُربّت وثيقة من هيئة التحقيق الخاصة، المعروفة سابقًا بأنها تحت قبضة سلامة، مدموغة بكلمة “سريّة”. ولكنها انتشرت بسرعة لافتة. ومضمونها، أن أعضاء الهيئة قرروا بالإجماع تجميد حسابات سلامة وشقيقه رجا سلامة، ومساعدته المصرفية ماريان الحويك، ووالدة طفلته ياسمين، آنا كازاكوفا، وابنه ندي سلامة.

يعني هذا، بأن الولايات المتحدة الأميركية سحبت البساط من تحت أقدام سلامة، المُطلوب دوليًا من مجموعة دول أوروبية، والمُلاحق محليًا بتهم فساد مالي وتبييض أموال واختلاس. فكانت العقوبات بمثابة إنذار للمنظومة الحاكمة في لبنان. وبالتالي، فإن الغطاء السياسي الذي تحصّن به سلامة لأشهر طويلة داخل القضاء اللبناني، سيُجرد منه أيضًا، بسبب مخاوف القضاة والمصرفيين والسياسيين من العقوبات الأميركية، التي من شأنها تدمير وهدم مستقبلهم المالي في لحظة واحدة.

مطالب هيئة القضايا
يُذكر أن هيئة التحقيق الخاصة، قد طُلب من أعضائها مرارًا تجميد حسابات سلامة لضمانة حق الدولة اللبنانية، وكي تتماشى مع الإجراءات القضائية الفرنسية التي اتخذت بحق سلامة، ولكنها رفضت. إذ تفيد معلومات “المدن”، بأن رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل، القاضية هيلانا اسكندر قد حاولت مرارًا وتكرارًا اتخاذ هذه الخطوة ورفع السرية المصرفية عن حسابات سلامة وعائلته لتجميدها، لكنها لم تتمكن بسبب سيطرة سلامة على هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان.

مذكرة رسمية
وبعدها، تقدمت هيئة القضايا في وزارة العدل، بطلب رسمي إلى القضاء الفرنسي، لمطالبته بتزويد القضاء اللبناني بنسخة عن محضر التحقيق مع المصرفي مروان خيرالدين، الذي تعهد بالمثول أمام القضاء الفرنسي بشكل مستمر، شريطة عدم توقيفه، وبنسخة عن المعلومات “الداتا” التي ضبطت في هاتفه المحمول، بعدما قرر القضاء الفرنسي تفريغه للاطلاع على مراسلاته مع عائلة سلامة والحويك.

هذه المعلومات ستكون كفيلة بتحريك ملف سلامة القضائي اللبناني، الذي لم يُعرف مصيره بعد، حيث من شأنها تغذية الملف ببعض الأدلة التي توصلت إليها الوفود الأوروبية في تحقيقاتها منذ عدة أشهر. علمًا أن ممثلة الدولة اللبنانية، القاضية اسكندر، طالبت أيضًا بالمستندات التي من شأنها أن تؤثر بشكل إيجابي على مسار ملف سلامة القضائي، وقد طلبت من قاضي التحقيق الأول، شربل أبو سمرا أن يطلب المعونة القضائية من فرنسا في الملف اللبناني.

في الداخل، هذا الملف يتأرجح بين مسارين مختلفين، وذلك بعدما “سُلخت” يد قاضي التحقيق الأول، شربل أبو سمرا عن الملف بصورة نهائية، بسبب دعوى “مخاصمة القضاة” المقدمة ضده أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وبالتالي، فلن يتمكن من استكمال جلسات استجوابه للمساعدة المصرفية ماريان الحويك ورجا سلامة في 12 تشرين الأول، لأن الهيئة العامة لمحكمة التمييز معطلة منذ أكثر من عام ونصف العام، بسبب إحالة أكثر من نصف أعضائها على التقاعد وعدم تعيين بدلاء عنهم، مما يعني أنها غير قادرة على البت في هذه الدعوى.

فيما بعد، حُوّل الملف للهيئة الاتهامية، التي حددت جلسة لاستجواب سلامة في التاسع والعشرين من آب الجاري، بعدما تعذر عليها تبليغ سلامة بموعد جلسته المحددة في التاسع من آب، والأكيد أن الملف لن يُرجع مرة أخرى إلى أبو سمرا، مما يعني أننا سنكون بحاجة إلى قاضي تحقيق آخر لمتابعة الملف أو سيحكم على الملف بالجمود والركود.

لذلك، الأمور ستتجه نحو تبليغه لصقًا خلال الأسبوع المقبل، أي قبل 3 أيام من موعد الجلسة، وذلك بعدما تعذر على الأجهزة الأمنية إيجاد مكان إقامته، وعدم تمكنهم من الوصول إلى أي معلومات حصرية حول سكنه الحالي.

من جهة أخرى، تتفاوت آراء القضاة حول مصير سلامة بعد هذه الجلسة، وتتأرجح بين احتمالين، الأول إصدار مذكرة توقيف بحق سلامة وتعميمها على الأجهزة الأمنية، أو أن الأمور قد تتخذ مسارًا مختلفًا عن المتوقع.

العقوبات الأميركية ومصير سلامة
وما لا يمكن تجاهله، بأن العقوبات الأميركية قلبت الموازين، إذ من شأنها التأثير بشكل مباشر على مصير سلامة القضائي. حيث أوضح مصدر قضائي بارز لـ”المدن” بأن العقوبات الأميركية أرعبت بعض الأسماء السياسية البارزة، وبالتالي من المتوقع أن يُرفع الغطاء السياسي تدريجيًا عن سلامة، لأن المنظومة الحاكمة ستكون مجبورة على إثبات تعاونها في هذا الملف للولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي قد يترجم بإصدار مذكرة توقيف غيابية بحقه، بعد إبلاغه لصقًا.

في السياق نفسه، عرضت “المدن” سابقًا تفاصيل حول حالة التخبط الحاصلة بين القضاة داخل الهيئة الاتهامية، والتي قسمتهم بين مجموعة تحاول السيطرة على ملف سلامة لتلاحقه، وأخرى رفضت التدخل في هذا الملف، على اعتبار أن الهجوم القضائي على سلامة، “ناتج عن رغبة بعض الأحزاب السياسية في ملاحقته”.

حالة التشتت لم تنته بعد، وقد ذكرت “المدن” أيضًا في تقرير سابق بأن توجه الهيئة الاتهامية لإصدار مذكرة توقيف بحق سلامة قد يكون مستبعدًا خلال المرحلة السابقة، لسببين رئيسيين، الخلافات القضائية حول هذا القرار، والعطلة القضائية وتبدّل القضاة. ووفقًا لمعلومات “المدن”، فإن بعض القضاة اعتبروا بأن الهيئة الاتهامية يفترض عليها التراجع عن قرارات الهيئة الاتهامية السابقة لأسباب قانونية متعلقة بالاستئناف وتبعاته.

حيث اعتبروا بأن فسخ قرار أبو سمرا لم يكن ضروريًا، لأن الأخير لم ينه تحقيقاته بعد، وأن الملف قد يتخذ مسارًا مشابهًا لمسار المرفأ المجمّد منذ عام 2021، في حال طغت التدخلات السياسية عليه وتأخّر الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، القاضي حبيب رزق الله في تعيين قاض آخر.

مفاد هذا الكلام، بأن الأسابيع المقبلة ستكون حافلة بترجمة مصير سلامة داخل القضاء اللبناني، وحينها سيحكم على ملفه القضائي بالجمود والنسيان، أو سيتخذ مساره الطبيعي وصولًا للقرار الظني. في حين أن تجريد سلامة من الغطاء السياسي يعني أنه أدخل في نفق ولن يخرج منه مرة أخرى، وسيكون أمام عدة مسارين، إما سيكمل بقية سنواته خلف القضبان، أو سيستمر في التخفي، خصوصًا في حال صدرت مذكرة توقيف غيابية بحقه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار