تجزئة قضائيّة للتدقيق الجنائي:باب لطمس الحقيقة

تشتيت الصلاحيّات أو تمييع القضيّة؟
أكثر ما أثار القلق في مطالعة عويدات، كان الخلاصة التي أحالت القضيّة لكل من النيابة العامّة الماليّة والنيابة العامّة الاستئنافيّة في بيروت وهيئة التحقيق الخاصّة، في الوقت نفسه، لإجراء “التحقيقات اللازمة كلّ ضمن اختصاصه وصلاحيّاته واتخاذ ما يرونه مناسباً”. بهذا الشكل، قرّر عويدات تجزئة الملف، وتوزيع الخلاصات التي وصل إليها التدقيق على ثلاث جهات، بدل ضمّها في تحقيق موسّع وموحّد يمهّد لطلب الادعاء من جانب النيابات العامّة. أمّا إشكاليّة هذه المقاربة، الذي اختارها عويدات، فتكمن في ما يلي:
– أولًا، من شأن تقسيم التقرير والتحقيق على عدّة جهات أن يؤدّي إلى تضارب في الصلاحيّات ومسارات التحقيق، كما من شأنه أنّ يؤدّي إلى تكرار غير مفيد في الإجراءات القضائيّة في قضايا متشابكة ومترابطة. وهذا ما قد يورّط التحقيق في تأخيرات بيروقراطيّة قد تنتج عن الدفوع الشكليّة، التي يمكن أن يتقدّم بها فريق الدفاع عن المتهمين لتأخير التحقيقات في الملف.
– ثانيًا، وبمجرّد توزيع مسؤوليّة على عدّة جهات، فتح عويدات باب تمييع الملف، عبر تملّص كل جهة من مسؤوليّاتها بخصوص الارتكابات التي كشف عنها التدقيق في ميزانيّة مصرف لبنان، فيما كان من الممكن أن يتم التوسّع في التحقيق عبر ملف مركزي يليه طلب الادعاء من قبل النيابة العامّة صاحبة الاختصاص.
– ثالثًا، إحدى الجهات المكلّفة بمتابعة التحقيق هي النيابة العامّة الماليّة، التي يرأسها حاليًا القاضي علي إبراهيم، والذي لعب دورًا في التقاعس متابعة هذه الارتكابات كعضو في هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان. ومن هذه الزاوية، يصبح لدى إبراهيم بالتحديد تضاربًا في المصالح، بين مهمّته كسلطة ادعاء في هذا الملف، وبين مسؤوليّته في غض النظر عن كشف عمليّات تبييض الأموال التي قام بها سلامة خلال ولايته كحاكم مصرف لبنان.
– رابعًا، كان من الواضح أن عويدات لم يرسم للنيابتين العامّتين الماليّة والاستئنافيّة حدودًا واضحًة، بما يخص الحقائق التي يفترض أن تتوسّع في التحقيق بها كل نيابة عامّة. وبهذا الشكل، لم تتضمّن إحالة عويدات ما يضمن أن تشمل التحقيقات كل ما تضمّنه التقرير، حتّى لو افترضنا حسن نيّة النيابتين العامّتين في تتبّع هذه الحقائق.
في النتيجة، ثمّة ما يثير الريبة والخشية من إمكانيّة طمس المسار القضائي بخصوص استنتاجات تقرير التدقيق الجنائي، تمامًا كما جرى طمس العديد من التحقيقات القضائيّة التي تناولت سابقًا ارتكابات الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، ومنها ما يتعلّق مثلًا بمسألة تزوير ميزانيّة المصرف المركزي. أمّا البديل الذي جرى طرحه من قبل مجموعة من منظمات المجتمع المدني، ومنها المفكرة القانونيّة، فهو توسّع التحقيق بشكل جاد في ملف مركزي موحّد، وذلك بعد نشر تقرير آلفاريز آند مرسال بشكل رسمي.
مع الإشارة إلى أنّ التجارب السابقة تبرّر الخشية من المسار الذي يتبعه عويدات حاليًا، خصوصًا بعدما شهد اللبنانيون تملّص النائب العام الاستئنافي في بيروت زياد أبي حيدر من التحقيق في ملف سلامة أكثر من مرّة، تماماً كما فعل أيضًا النائب العام المالي علي إبراهيم، بحجّة عدم الصلاحيّة، وهذا ما أخّر التحقيقات القضائيّة الجارية في السابق لأشهر من الزمن. وبذلك، ثمّة ما يكفي من الأسباب للتوجّس من تكرار السيناريو نفسه بخصوص الحقائق التي كشفها تقرير الجنائي الجنائي، طالما أن أبي حيدر وإبراهيم لا يملكان أساسًا النيّة الجديّة بملاحقة ارتكابات سلامة.
المطالعة الملخّصة
الإشكاليّة الثانية في المطالعة، كانت عموميّتها واقتصارها على بعض الأرقام والخلاصات الفضفاضة، من دون ربطها جديًا بأي من التحقيقات القضائيّة السابقة التي جرت في النيابتين العامّتين الاستئنافيتين في بيروت وجبل لبنان، ومن دون ربطها بأي استنتاجات يفترض التوسّع بها في التحقيقات القضائيّة المقبلة، وهذا ما يدفع إلى الشك بجديّة المطالعة وجدواها والنيّة من إعدادها.
فعلى سبيل المثال، لم يجرِ ربط ما تضمّنه التقرير بخصوص التزوير في ميزانيّة مصرف لبنان بالتحقيق الذي جرى في النيابة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان، والذي تناول هذه المسألة بالتحديد. كما لم يتم ربط مسألة “حساب العمولات” بالتحقيقات التي قام بها القاضي جان طنّوس بخصوص ملف شركة فوري، والتي تُعنى بعمولات خرجت من هذا الحساب بالتحديد. ومن المعلوم أن أي مطالعة جدية كان يفترض أن تقارن هذه الخلاصات مع الخلاصات التي توصّلت إليها التحقيقات اللبنانيّة في هذه الملفّات، لضمان التوسّع بالتحقيق في نتائج التدقيق الجنائي على ضوء التحقيقات القائمة أصلًا.
في النتيجة، ثمّة ما يوحي بأن المُراد من هذه المطالعة لا يتجاوز حدود رفع العتب، من خلال الإيحاء بوجود متابعة ما من جانب النيابة العامّة التمييزيّة بخصوص مسار التدقيق الجنائي، من دون أن تستهدف هذه المطالعة إعداد مسار تحقيق جديّ على المدى البعيد.
أمّا المسار الأكثر جديّة، فسيكون بالإمكان تلمّسه إذا ما قرّرت النيابة العامّة التمييزيّة المضي قدمًا بإعداد تحقيق موسّع بخصوص الارتكابات التي حصلت في مصرف لبنان، وبالاستعانة بالخبرات الماليّة المحليّة المتاحة في هذا المجال، على أن يتم الطلب من النيابات العامّة الاستئنافيّة والماليّة الادعاء لاحقًا في ضوء نتائج التحقيق المركزي والموسّع.
تجزئة قضائيّة للتدقيق الجنائي:باب لطمس الحقيقة

تشتيت الصلاحيّات أو تمييع القضيّة؟
أكثر ما أثار القلق في مطالعة عويدات، كان الخلاصة التي أحالت القضيّة لكل من النيابة العامّة الماليّة والنيابة العامّة الاستئنافيّة في بيروت وهيئة التحقيق الخاصّة، في الوقت نفسه، لإجراء “التحقيقات اللازمة كلّ ضمن اختصاصه وصلاحيّاته واتخاذ ما يرونه مناسباً”. بهذا الشكل، قرّر عويدات تجزئة الملف، وتوزيع الخلاصات التي وصل إليها التدقيق على ثلاث جهات، بدل ضمّها في تحقيق موسّع وموحّد يمهّد لطلب الادعاء من جانب النيابات العامّة. أمّا إشكاليّة هذه المقاربة، الذي اختارها عويدات، فتكمن في ما يلي:
– أولًا، من شأن تقسيم التقرير والتحقيق على عدّة جهات أن يؤدّي إلى تضارب في الصلاحيّات ومسارات التحقيق، كما من شأنه أنّ يؤدّي إلى تكرار غير مفيد في الإجراءات القضائيّة في قضايا متشابكة ومترابطة. وهذا ما قد يورّط التحقيق في تأخيرات بيروقراطيّة قد تنتج عن الدفوع الشكليّة، التي يمكن أن يتقدّم بها فريق الدفاع عن المتهمين لتأخير التحقيقات في الملف.
– ثانيًا، وبمجرّد توزيع مسؤوليّة على عدّة جهات، فتح عويدات باب تمييع الملف، عبر تملّص كل جهة من مسؤوليّاتها بخصوص الارتكابات التي كشف عنها التدقيق في ميزانيّة مصرف لبنان، فيما كان من الممكن أن يتم التوسّع في التحقيق عبر ملف مركزي يليه طلب الادعاء من قبل النيابة العامّة صاحبة الاختصاص.
– ثالثًا، إحدى الجهات المكلّفة بمتابعة التحقيق هي النيابة العامّة الماليّة، التي يرأسها حاليًا القاضي علي إبراهيم، والذي لعب دورًا في التقاعس متابعة هذه الارتكابات كعضو في هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان. ومن هذه الزاوية، يصبح لدى إبراهيم بالتحديد تضاربًا في المصالح، بين مهمّته كسلطة ادعاء في هذا الملف، وبين مسؤوليّته في غض النظر عن كشف عمليّات تبييض الأموال التي قام بها سلامة خلال ولايته كحاكم مصرف لبنان.
– رابعًا، كان من الواضح أن عويدات لم يرسم للنيابتين العامّتين الماليّة والاستئنافيّة حدودًا واضحًة، بما يخص الحقائق التي يفترض أن تتوسّع في التحقيق بها كل نيابة عامّة. وبهذا الشكل، لم تتضمّن إحالة عويدات ما يضمن أن تشمل التحقيقات كل ما تضمّنه التقرير، حتّى لو افترضنا حسن نيّة النيابتين العامّتين في تتبّع هذه الحقائق.
في النتيجة، ثمّة ما يثير الريبة والخشية من إمكانيّة طمس المسار القضائي بخصوص استنتاجات تقرير التدقيق الجنائي، تمامًا كما جرى طمس العديد من التحقيقات القضائيّة التي تناولت سابقًا ارتكابات الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، ومنها ما يتعلّق مثلًا بمسألة تزوير ميزانيّة المصرف المركزي. أمّا البديل الذي جرى طرحه من قبل مجموعة من منظمات المجتمع المدني، ومنها المفكرة القانونيّة، فهو توسّع التحقيق بشكل جاد في ملف مركزي موحّد، وذلك بعد نشر تقرير آلفاريز آند مرسال بشكل رسمي.
مع الإشارة إلى أنّ التجارب السابقة تبرّر الخشية من المسار الذي يتبعه عويدات حاليًا، خصوصًا بعدما شهد اللبنانيون تملّص النائب العام الاستئنافي في بيروت زياد أبي حيدر من التحقيق في ملف سلامة أكثر من مرّة، تماماً كما فعل أيضًا النائب العام المالي علي إبراهيم، بحجّة عدم الصلاحيّة، وهذا ما أخّر التحقيقات القضائيّة الجارية في السابق لأشهر من الزمن. وبذلك، ثمّة ما يكفي من الأسباب للتوجّس من تكرار السيناريو نفسه بخصوص الحقائق التي كشفها تقرير الجنائي الجنائي، طالما أن أبي حيدر وإبراهيم لا يملكان أساسًا النيّة الجديّة بملاحقة ارتكابات سلامة.
المطالعة الملخّصة
الإشكاليّة الثانية في المطالعة، كانت عموميّتها واقتصارها على بعض الأرقام والخلاصات الفضفاضة، من دون ربطها جديًا بأي من التحقيقات القضائيّة السابقة التي جرت في النيابتين العامّتين الاستئنافيتين في بيروت وجبل لبنان، ومن دون ربطها بأي استنتاجات يفترض التوسّع بها في التحقيقات القضائيّة المقبلة، وهذا ما يدفع إلى الشك بجديّة المطالعة وجدواها والنيّة من إعدادها.
فعلى سبيل المثال، لم يجرِ ربط ما تضمّنه التقرير بخصوص التزوير في ميزانيّة مصرف لبنان بالتحقيق الذي جرى في النيابة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان، والذي تناول هذه المسألة بالتحديد. كما لم يتم ربط مسألة “حساب العمولات” بالتحقيقات التي قام بها القاضي جان طنّوس بخصوص ملف شركة فوري، والتي تُعنى بعمولات خرجت من هذا الحساب بالتحديد. ومن المعلوم أن أي مطالعة جدية كان يفترض أن تقارن هذه الخلاصات مع الخلاصات التي توصّلت إليها التحقيقات اللبنانيّة في هذه الملفّات، لضمان التوسّع بالتحقيق في نتائج التدقيق الجنائي على ضوء التحقيقات القائمة أصلًا.
في النتيجة، ثمّة ما يوحي بأن المُراد من هذه المطالعة لا يتجاوز حدود رفع العتب، من خلال الإيحاء بوجود متابعة ما من جانب النيابة العامّة التمييزيّة بخصوص مسار التدقيق الجنائي، من دون أن تستهدف هذه المطالعة إعداد مسار تحقيق جديّ على المدى البعيد.
أمّا المسار الأكثر جديّة، فسيكون بالإمكان تلمّسه إذا ما قرّرت النيابة العامّة التمييزيّة المضي قدمًا بإعداد تحقيق موسّع بخصوص الارتكابات التي حصلت في مصرف لبنان، وبالاستعانة بالخبرات الماليّة المحليّة المتاحة في هذا المجال، على أن يتم الطلب من النيابات العامّة الاستئنافيّة والماليّة الادعاء لاحقًا في ضوء نتائج التحقيق المركزي والموسّع.








