تسليم التبغ الجنوبي تحت القصف: الأسعار حربٌ ثانية

بعد حصاد موسم التبغ لهذا العام، وترتيب الأوراق كالمعتاد وجهوزيّتها للتسليم، دخل الاعتداء الإسرائيلي على الخطّ، دافعاً إدارة الريجي إلى تقديم موعد التسليم في المناطق الحدودية. إلاّ أن المزارعين يواجهون خطر التنقُّل تحت القصف لإحضار الموسم من قراهم إلى مراكز التسليم كمركزيّ النبطية وتبنين.
تسليم المحصول وسط الخطر
تتواصل عملية تسليم محصول التبغ لإدارة الريجي في المراكز المعتمدة، خلال شهر تشرين الأول الجاري. ومع أن التسليم سنوياً يحمل معاناة متكرِّرة، إلا أنه هذا العام أكثر صعوبة. إذ يضطرّ مزارعو المناطق التي تتعرّض للقصف، إلى حمل محصولهم والتوجه به إلى النبطية أو تبنين لتسليمه، فيخضعون لضغط القصف واحتمال الموت أو لضغط ترك المحصول عرضة للتلف، وتالياً خسارة الموسم وما دُفِعَ عليه خلال العام. ولتسريع عملية تسليم محصول التبغ وتفادي احتمال اشتداد الوضع الأمني على الحدود، رأت إدارة الريجي أن الحل هو تقريب موعد التسليم نحو شهر “حرصاً منها على تسهيل أمور المزارعين وخصوصاً في القرى التي تتعرض للقصف والتهجير”، وفق ما جاء في بيان للريجي، أشارت فيه إلى أن “المزارعين أبدوا ارتياحهم إلى كَون الريجي وضعت خطة استباقية لتسلّم محاصيل القرى التي تتعرض للعدوان الإسرائيلي”.
تمثّل بلدة عيترون الجنوبية نموذجاً يختصر قضية التبغ. فمزارعوها نقلوا محصولهم إلى مركز التسليم في النبطية، وهو ما فعله ابن البلدة عماد مواسي الذي اضطر إلى العودة للبلدة بعد نزوحه منها إلى مدينة صور مع اشتداد الخطر الأمني. وحسب ما يقوله لـ”المدن”، فإن التوجّه نحو البلدة ونقل المحصول بشاحنة “بيك أب”، ينطوي على خطر تعرُّض الشاحنة للقصف إذا ما اشتبه بها العدوّ بأنها تنقل أسلحة أو ما شابه”. وقبل ذلك هناك خطر “تعرُّض المنزل الذي يُخَزَّن فيه المحصول للقصف، وتحديداً بالنسبة للمنازل التي تقع على أطراف البلدة”.
مواجهة الخطر لتسليم المحصول، هو أمر “لا جدوى منه… لكننا مضطرون. فلا شيء يمكن الاعتماد عليه للعيش في تلك المناطق أفضل من زراعة التبغ. كما أننا اعتدنا العمل في هذه الزراعة منذ عقود في ظل الاحتلال الاسرائيلي للمنطقة”.
ولو أن الأسعار مناسبة، لكان المزارع نسي معاناته. لكن أسعار التسليم بالنسبة لمواسي “لا تتناسب مع كلفة الزراعة. فكان المزارع يحصل على نحو 10 آلاف ليرة للكيلو قبل الأزمة، وأصبح يحصل على نحو 5 دولارات للكيلو”. ولأن الإيرادات لا تتوافق مع حجم النفقات المطلوبة للزراعة، لجأ المزارعون إلى تقليص كميات الأسمدة والمواد المستعملة في الزراعة إلى نحو ثلث الكمية المطلوبة، لأن كلفتها مرتفعة”. ولتحقيق التوازن وهامش ربح مناسب للمزارعين “على الريجي أن تعطي المزارع نحو 15 دولاراً للكيلو، لأن كلفة إنتاجه لا تقلّ عن 10 دولارات، في حين تعطينا 5 دولارات”.
ولا يقف الإجحاف عند السعر. فالريجي “تأخذ الكميات التي تزيد عن الكمية المحددة بحسب الرخصة لكل مزارع. فكل رخصة تسمح بزراعة نحو 400 كيلو، وإذا كان محصول أحدهم أكثر، تأخذ الريجي الكميات الزائدة بلا أي كلفة إضافية. لذلك يلجأ المزارعون إلى توزيع إنتاجهم بينهم لكي لا يذهب بعض المحصول هدراً”. فيأخذ صاحب المحصول الذي لم يُكمِل إنتاج الـ400 كيلو، ما يزيد عند زميله ويبيعه ضمن محصوله، ثم يعطيه ثمن الكمية المباعة بعد صرف الشيك الذي تصدره الريجي، من شركة تحويل الأموال OMT.
ليست شتلة صمود
يوافق رئيس نقابة مزارعي التبغ في الجنوب حسن فقيه، على أن السعر الذي تدفعه الريجي غير كافٍ ويتمنى أن يحصل المزارعون على سعر “يتراوح بين 10 و15 دولاراً للكيلو. لكن المسألة معقّدة والريجي تتبع الأسعار العالمية”. ويعتبر في حديث لـ”المدن”، أن عملية التسعير “تتقدّم خطوة بخطوة”، ويقصد بذلك الإنتقال من التسعير بالليرة إلى الدولار. والدفع بالدولار شجَّعَ بعض المزارعين على العودة إلى زراعة التبغ بعد اعتكافهم بسبب التكلفة المرتفعة. “فمنذ نحو سنتين تراجع حجم زراعة التبغ بنحو 50 بالمئة. وعندما بدأ الدفع بالدولار في العام الماضي، عاد الكثير من المزارعين إلى حقولهم”. ومع ذلك “ما زال مجمل محصول التبغ أقل من المستوى المطلوب إنتاجه بنحو 50 بالمئة”. ولفت فقيه النظر إلى أن “قرى الجنوب تنتج نحو 2 مليون كيلو، في حين يجب أن ينتج نحو 5 مليون كيلو. أما مناطق البقاع والشمال، فمن المفترض بها إنتاج نحو 3 مليون كيلو. والتبغ الجنوبي هو من أفضل أنواع التبغ، يليه البقاعي. أما مناطق الشمال فتنتج التنباك”.
التأكيد على عدم ملاءمة الأسعار التي يحصل عليها المزارعون من الريجي، يعيد التفكير بجدوى زراعة التبغ وبالشعارات الرنّانة التي ارتبطت بتلك الزراعة ووصفتها بأنها شتلة الصمود في الجنوب والتصدّي للعدوّ الإسرائيلي. فالصمود عليه أن يستند إلى جدار صلب من التقديمات التي تعطيها الدولة للصامدين. وفي حالة زراعة التبغ، فإن الدولة تترك المزارعين لمصيرهم “ولو كان هناك بديل أو فرصة للخروج من البلد، لكنّا تركنا هذه الزراعة”، يقول مواسي الذي يسخر من تسمية التبغ بأنه شتلة الصمود. ولو أرادت الدولة لهذه الشتلة أن تعبِّر عن الصمود لكان من الأجدى بها أن “تعطي المزارع أسعاراً تشجيعية تساعده على البقاء في أرضه وزراعة التبغ، لا أن تعطيه أسعاراً أقل من كلفة الزراعة”.
يستمر القصف الإسرائيلي جنوباً وسط خوف من توسُّع حدّة القصف والاعتداءات وصولاً إلى الحرب. وبالتوازي، تندلع حرب أسعار ضد مزارعي التبغ. وإن كان العدوّ في الحرب الأولى معروفاً وتسهل مواجهته، ففي الثانية سلطة تمارس الاستغلال ضد شعبها، والمعركة معها أعقد وأطول.
تسليم التبغ الجنوبي تحت القصف: الأسعار حربٌ ثانية

بعد حصاد موسم التبغ لهذا العام، وترتيب الأوراق كالمعتاد وجهوزيّتها للتسليم، دخل الاعتداء الإسرائيلي على الخطّ، دافعاً إدارة الريجي إلى تقديم موعد التسليم في المناطق الحدودية. إلاّ أن المزارعين يواجهون خطر التنقُّل تحت القصف لإحضار الموسم من قراهم إلى مراكز التسليم كمركزيّ النبطية وتبنين.
تسليم المحصول وسط الخطر
تتواصل عملية تسليم محصول التبغ لإدارة الريجي في المراكز المعتمدة، خلال شهر تشرين الأول الجاري. ومع أن التسليم سنوياً يحمل معاناة متكرِّرة، إلا أنه هذا العام أكثر صعوبة. إذ يضطرّ مزارعو المناطق التي تتعرّض للقصف، إلى حمل محصولهم والتوجه به إلى النبطية أو تبنين لتسليمه، فيخضعون لضغط القصف واحتمال الموت أو لضغط ترك المحصول عرضة للتلف، وتالياً خسارة الموسم وما دُفِعَ عليه خلال العام. ولتسريع عملية تسليم محصول التبغ وتفادي احتمال اشتداد الوضع الأمني على الحدود، رأت إدارة الريجي أن الحل هو تقريب موعد التسليم نحو شهر “حرصاً منها على تسهيل أمور المزارعين وخصوصاً في القرى التي تتعرض للقصف والتهجير”، وفق ما جاء في بيان للريجي، أشارت فيه إلى أن “المزارعين أبدوا ارتياحهم إلى كَون الريجي وضعت خطة استباقية لتسلّم محاصيل القرى التي تتعرض للعدوان الإسرائيلي”.
تمثّل بلدة عيترون الجنوبية نموذجاً يختصر قضية التبغ. فمزارعوها نقلوا محصولهم إلى مركز التسليم في النبطية، وهو ما فعله ابن البلدة عماد مواسي الذي اضطر إلى العودة للبلدة بعد نزوحه منها إلى مدينة صور مع اشتداد الخطر الأمني. وحسب ما يقوله لـ”المدن”، فإن التوجّه نحو البلدة ونقل المحصول بشاحنة “بيك أب”، ينطوي على خطر تعرُّض الشاحنة للقصف إذا ما اشتبه بها العدوّ بأنها تنقل أسلحة أو ما شابه”. وقبل ذلك هناك خطر “تعرُّض المنزل الذي يُخَزَّن فيه المحصول للقصف، وتحديداً بالنسبة للمنازل التي تقع على أطراف البلدة”.
مواجهة الخطر لتسليم المحصول، هو أمر “لا جدوى منه… لكننا مضطرون. فلا شيء يمكن الاعتماد عليه للعيش في تلك المناطق أفضل من زراعة التبغ. كما أننا اعتدنا العمل في هذه الزراعة منذ عقود في ظل الاحتلال الاسرائيلي للمنطقة”.
ولو أن الأسعار مناسبة، لكان المزارع نسي معاناته. لكن أسعار التسليم بالنسبة لمواسي “لا تتناسب مع كلفة الزراعة. فكان المزارع يحصل على نحو 10 آلاف ليرة للكيلو قبل الأزمة، وأصبح يحصل على نحو 5 دولارات للكيلو”. ولأن الإيرادات لا تتوافق مع حجم النفقات المطلوبة للزراعة، لجأ المزارعون إلى تقليص كميات الأسمدة والمواد المستعملة في الزراعة إلى نحو ثلث الكمية المطلوبة، لأن كلفتها مرتفعة”. ولتحقيق التوازن وهامش ربح مناسب للمزارعين “على الريجي أن تعطي المزارع نحو 15 دولاراً للكيلو، لأن كلفة إنتاجه لا تقلّ عن 10 دولارات، في حين تعطينا 5 دولارات”.
ولا يقف الإجحاف عند السعر. فالريجي “تأخذ الكميات التي تزيد عن الكمية المحددة بحسب الرخصة لكل مزارع. فكل رخصة تسمح بزراعة نحو 400 كيلو، وإذا كان محصول أحدهم أكثر، تأخذ الريجي الكميات الزائدة بلا أي كلفة إضافية. لذلك يلجأ المزارعون إلى توزيع إنتاجهم بينهم لكي لا يذهب بعض المحصول هدراً”. فيأخذ صاحب المحصول الذي لم يُكمِل إنتاج الـ400 كيلو، ما يزيد عند زميله ويبيعه ضمن محصوله، ثم يعطيه ثمن الكمية المباعة بعد صرف الشيك الذي تصدره الريجي، من شركة تحويل الأموال OMT.
ليست شتلة صمود
يوافق رئيس نقابة مزارعي التبغ في الجنوب حسن فقيه، على أن السعر الذي تدفعه الريجي غير كافٍ ويتمنى أن يحصل المزارعون على سعر “يتراوح بين 10 و15 دولاراً للكيلو. لكن المسألة معقّدة والريجي تتبع الأسعار العالمية”. ويعتبر في حديث لـ”المدن”، أن عملية التسعير “تتقدّم خطوة بخطوة”، ويقصد بذلك الإنتقال من التسعير بالليرة إلى الدولار. والدفع بالدولار شجَّعَ بعض المزارعين على العودة إلى زراعة التبغ بعد اعتكافهم بسبب التكلفة المرتفعة. “فمنذ نحو سنتين تراجع حجم زراعة التبغ بنحو 50 بالمئة. وعندما بدأ الدفع بالدولار في العام الماضي، عاد الكثير من المزارعين إلى حقولهم”. ومع ذلك “ما زال مجمل محصول التبغ أقل من المستوى المطلوب إنتاجه بنحو 50 بالمئة”. ولفت فقيه النظر إلى أن “قرى الجنوب تنتج نحو 2 مليون كيلو، في حين يجب أن ينتج نحو 5 مليون كيلو. أما مناطق البقاع والشمال، فمن المفترض بها إنتاج نحو 3 مليون كيلو. والتبغ الجنوبي هو من أفضل أنواع التبغ، يليه البقاعي. أما مناطق الشمال فتنتج التنباك”.
التأكيد على عدم ملاءمة الأسعار التي يحصل عليها المزارعون من الريجي، يعيد التفكير بجدوى زراعة التبغ وبالشعارات الرنّانة التي ارتبطت بتلك الزراعة ووصفتها بأنها شتلة الصمود في الجنوب والتصدّي للعدوّ الإسرائيلي. فالصمود عليه أن يستند إلى جدار صلب من التقديمات التي تعطيها الدولة للصامدين. وفي حالة زراعة التبغ، فإن الدولة تترك المزارعين لمصيرهم “ولو كان هناك بديل أو فرصة للخروج من البلد، لكنّا تركنا هذه الزراعة”، يقول مواسي الذي يسخر من تسمية التبغ بأنه شتلة الصمود. ولو أرادت الدولة لهذه الشتلة أن تعبِّر عن الصمود لكان من الأجدى بها أن “تعطي المزارع أسعاراً تشجيعية تساعده على البقاء في أرضه وزراعة التبغ، لا أن تعطيه أسعاراً أقل من كلفة الزراعة”.
يستمر القصف الإسرائيلي جنوباً وسط خوف من توسُّع حدّة القصف والاعتداءات وصولاً إلى الحرب. وبالتوازي، تندلع حرب أسعار ضد مزارعي التبغ. وإن كان العدوّ في الحرب الأولى معروفاً وتسهل مواجهته، ففي الثانية سلطة تمارس الاستغلال ضد شعبها، والمعركة معها أعقد وأطول.









