جهود دولية للفصل بين غزة ولبنان وترتيب الحدود…

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
20 تشرين الثاني 2023

بينما تستمر المعارك العسكرية في غزة، وسط مقاومة شديدة لحركة حماس، في حرب يُتوقع أن تكون طويلة، تشهد جبهة جنوب لبنان تصعيداً يبقي مناطق الحدود مشتعلة ومفتوحة على كل الاحتمالات. ففي وقت لا تشير فيه المعطيات إلى أن الأمور ذاهبة إلى اتفاق على وقف لإطلاق النار، أو أقله التوصّل إلى هدنات موقتة، سيبقى الجنوب أسير الميدان وتطوراته، من دون أن يعني ذلك أن الحرب الكبرى باتت على الأبواب.

بات الميدان هو البوصلة التي يستند إليها “حزب الله” في حرب الاستنزاف الضاغطة على الجيش الإسرائيلي، وهو يشكل الجبهة الوحيدة من محور المقاومة المشتعلة تحت عنوان “نصرة غزة” فيما تراجعت وتيرة عمليات استهداف القواعد الأميركية في سوريا والعراق واليمن، ما يُبقي لبنان تحت دائرة الضغوط ويحمّله تبعات أنه الساحة الأساسية التي يؤدّي فيها الحزب دوراً باستهدافات إقليمية ويربط مستقبله بحرب غزة.

تظهر المعطيات في الميدان الجنوبي، ازدياد عمليات “حزب الله” واستخدام أسلحة جديدة في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وصواريخ ذكيّة، لكن ذلك لا يعني الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات تتوسع نحو عمق إسرائيل. ولذا تبقى العمليات حتى الآن مضبوطة ضمن الحرب الضاغطة، لكنها تلحق تدريجاً مسار الأمور في غزة على وقع تطورات الميدان وهذا الأخير “هو الذي يصنع مستقبل ما بعد العدوان، وصولاً إلى التكامل والتنسيق مع المقاومة في غزة لصنع الإنجازات الاستراتيجية” وفق عضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق، ما يعني أن الحزب يريد فرض معادلة جديدة على الحدود مع فلسطين المحتلة، لمرحلة ما بعد الحرب، تشترط وفق مصدر سياسي مطلع، عودة المستوطنين إلى المستعمرات الحدودية بترتيبات تتخطى القرار الدولي 1701. ويعني ذلك وفق المصدر أنه حتى لو انتهت حرب غزة، فإن الجنوب اللبناني سيبقى خط تماس ومواجهة تذكّر بمراحل سابقة تعود إلى حقبة القرار الدولي السابق 425 في عام 1978، ولن يعود إلى قواعد الاشتباك التي كانت سائدة قبل عملية طوفان الأقصى.

يحاول “حزب الله” فرض إيقاعه الخاص ضد الإسرائيليين انطلاقاً من الجنوب، فوتيرة المواجهات ترتفع أحياناً وتخف أوقاتاً أخرى، رغم أنها كسرت خطوط القرار الدولي 1701. وباتت جبهة لبنان متصلة أكثر بحرب غزة، وهي أيضاً مرتبطة بالتحرك الأميركي في المنطقة، فكلما زاد الدعم الأميركي لإسرائيل نشهد ارتفاعاً في عمليات “حزب الله” كما حدث قبل أيام مع زيارة قادة عسكريين أميركيين لإسرائيل، وقبل أسبوع حين كانت الحرب قاب قوسين أو أدنى من أن تشتعل بعد التصعيد الكبير الذي شهدته الحدود على الجهتين وتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت أن إسرائيل تستعد لتوجيه ضربات كبرى إلى لبنان، فيما “حزب الله” أعد العدة لمواجهة كبرى، ليعود إلى ضبط العمليات ضمن قواعد الاشتباك، وهي سياسة تتماهى مع خيارات مرجعيته الإيرانية التي تريد أن تبقى الجبهة ضاغطة ولا تقود إلى حرب كبرى.

وبالرغم من أن التصعيد جنوباً يترافق مع زيادة العمليات، فإن ذلك لا يزال ضمن الدائرة ذاتها، فـ”حزب الله” في الميدان يستهدف المواقع الإسرائيلية ذاتها على الحدود ولم يستخدم صواريخ بعيدة المدى، ما يعني أنه لم ينتقل إلى أهداف جديدة أو أنه يتحضر في سياق التطورات للانتقال إلى الخطة الثانية عندما يحين وقتها.

وفي المؤشرات يبدو حتى الآن أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا إيران أيضاً، تريد أن تتحول المعارك في الجنوب إلى حرب كبرى. لكن لا شيء يمكن أن يضبط الامور في المستقبل رغم التصريحات الأميركية بضرورة تحييد جبهة لبنان، وحتى تدخل إدارتها مع إسرائيل لمنع توسع المعارك. ذلك مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في غزة وإمكان الاتفاق على وقف لإطلاق النار، لا يزال غير متاح الآن، ما دامت إسرائيل لم تتمكن من تحقيق إنجاز في حربها أو أقله تحقيق بعض أهدافها المعلنة.

أي اتفاق لوقف النار في غزة ستكون له انعكاسات إقليمية تشمل جبهة لبنان، لكن التطورات لا تشير إلى إمكان تحقيقه قريباً، ذلك أن التوصل الى الاتفاق يفتح إمكان البحث بتسويات أو صيغ شاملة لوقف الحرب، وهو ما لا تريده إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأميركية قبل تحقيق إنجاز كبير على الأرض، لا يبدو أنه متاح بفعل المقاومة المستمرة في أحياء غزة. ويشمل ذلك صيغ إطلاق سراح الرهائن الأجانب وإدخال المساعدات والوقود إلى القطاع، وصولاً إلى صفقة تبادل الأسرى. وأي اتفاق سينخرط فيه المجتمع الدولي يفكك الجبهة الداعمة لإسرائيل في حربها، ويطرح حلولاً قد لا تكون لمصلحة إسرائيل بما أنها لم تحقق أهدافها، إضافة إلى شمل جبهة جنوب لبنان به، خصوصاً بعدما باتت هذه الجبهة ضاغطة على إسرائيل ومستوطناتها في الشمال.

المعادلة القائمة اليوم على الحدود، تشير إلى أن القرى الجنوبية فرغت من سكانها، وفي المقابل، أخرجت إسرائيل المستوطنين إلى ما تسمّيها مناطق آمنة. وإذا كانت قواعد الاشتباك خُرقت في المعارك الدائرة، فإن التصعيد بقي مضبوطاً رغم القصف الإسرائيلي لمواقع خارج منطقة عمل اليونيفيل.

لكن تفلت الجبهة إلى حرب كبرى يبقى قائماً وقد يتجاوز القواعد الحالية إذا وصلت الحرب في غزة إلى نقطة مفصلية، أو إذا حصلت إسرائيل على ضوء أخضر أميركي لا يزال حتى الآن ممنوعاً، بتنفيذ عمليات أوسع في عمق لبنان بحجة إزالة تهديد “حزب الله” المسلح على الحدود، لإعادة المستوطنين إلى منازلهم، لكن نتائج هذه الحرب غير محسومة لجهة الأفق السياسي لها أو القدرة على تحقيق أهدافها. وخطر توسع المعارك على جبهة لبنان يبقى قائماً، خصوصاً إذا لجأت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الهروب من مأزق غزة أو لإعادة الاعتبار لمنظومة الجيش والمؤسسة ولإعادة المستوطنين إلى منازلهم، وتوريط الولايات المتحدة بحرب لا تريدها الآن باعتبار أنها تنعكس على المنطقة كلها.

ووفق المصدر السياسي تبدو حرب غزة جزءاً من توجه أميركي لإعادة ترتيب وضع المنطقة، لذا يلاحظ أن الأميركيين يضغطون على إسرائيل لمنعها من اتخاذ قرارات جنونية أحياناً، ثم يتغاضون عن جرائمها في غزة أحياناً أخرى، لكنهم يضبطون مسار الحرب ويضغطون في الخارج لإبقاء الدعم المطلق لإسرائيل إلى حين تحقيقها إنجازات.

حتى الآن فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة، وهي تواجه على جبهة لبنان مأزقاً كبيراً. الفشل قد يفتح على إمكان التوصل الى وقف للنار، لكنه أيضاً قد يوسع دائرة الحرب. ولذا يعمل “حزب الله” على التحكم بالميدان، لكنه يحوّل لبنان إلى ساحة حرب أطبقت على كل أوضاعه. وكما أن حرب غزة لن تعيد الأمور إلى ما قبل 7 تشرين الأول، فإن جبهة الجنوب لن تعود كما كانت عليه سابقاً…

جهود دولية للفصل بين غزة ولبنان وترتيب الحدود…

الكاتب: ابراهيم حيدر | المصدر: النهار
20 تشرين الثاني 2023

بينما تستمر المعارك العسكرية في غزة، وسط مقاومة شديدة لحركة حماس، في حرب يُتوقع أن تكون طويلة، تشهد جبهة جنوب لبنان تصعيداً يبقي مناطق الحدود مشتعلة ومفتوحة على كل الاحتمالات. ففي وقت لا تشير فيه المعطيات إلى أن الأمور ذاهبة إلى اتفاق على وقف لإطلاق النار، أو أقله التوصّل إلى هدنات موقتة، سيبقى الجنوب أسير الميدان وتطوراته، من دون أن يعني ذلك أن الحرب الكبرى باتت على الأبواب.

بات الميدان هو البوصلة التي يستند إليها “حزب الله” في حرب الاستنزاف الضاغطة على الجيش الإسرائيلي، وهو يشكل الجبهة الوحيدة من محور المقاومة المشتعلة تحت عنوان “نصرة غزة” فيما تراجعت وتيرة عمليات استهداف القواعد الأميركية في سوريا والعراق واليمن، ما يُبقي لبنان تحت دائرة الضغوط ويحمّله تبعات أنه الساحة الأساسية التي يؤدّي فيها الحزب دوراً باستهدافات إقليمية ويربط مستقبله بحرب غزة.

تظهر المعطيات في الميدان الجنوبي، ازدياد عمليات “حزب الله” واستخدام أسلحة جديدة في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وصواريخ ذكيّة، لكن ذلك لا يعني الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات تتوسع نحو عمق إسرائيل. ولذا تبقى العمليات حتى الآن مضبوطة ضمن الحرب الضاغطة، لكنها تلحق تدريجاً مسار الأمور في غزة على وقع تطورات الميدان وهذا الأخير “هو الذي يصنع مستقبل ما بعد العدوان، وصولاً إلى التكامل والتنسيق مع المقاومة في غزة لصنع الإنجازات الاستراتيجية” وفق عضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق، ما يعني أن الحزب يريد فرض معادلة جديدة على الحدود مع فلسطين المحتلة، لمرحلة ما بعد الحرب، تشترط وفق مصدر سياسي مطلع، عودة المستوطنين إلى المستعمرات الحدودية بترتيبات تتخطى القرار الدولي 1701. ويعني ذلك وفق المصدر أنه حتى لو انتهت حرب غزة، فإن الجنوب اللبناني سيبقى خط تماس ومواجهة تذكّر بمراحل سابقة تعود إلى حقبة القرار الدولي السابق 425 في عام 1978، ولن يعود إلى قواعد الاشتباك التي كانت سائدة قبل عملية طوفان الأقصى.

يحاول “حزب الله” فرض إيقاعه الخاص ضد الإسرائيليين انطلاقاً من الجنوب، فوتيرة المواجهات ترتفع أحياناً وتخف أوقاتاً أخرى، رغم أنها كسرت خطوط القرار الدولي 1701. وباتت جبهة لبنان متصلة أكثر بحرب غزة، وهي أيضاً مرتبطة بالتحرك الأميركي في المنطقة، فكلما زاد الدعم الأميركي لإسرائيل نشهد ارتفاعاً في عمليات “حزب الله” كما حدث قبل أيام مع زيارة قادة عسكريين أميركيين لإسرائيل، وقبل أسبوع حين كانت الحرب قاب قوسين أو أدنى من أن تشتعل بعد التصعيد الكبير الذي شهدته الحدود على الجهتين وتصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت أن إسرائيل تستعد لتوجيه ضربات كبرى إلى لبنان، فيما “حزب الله” أعد العدة لمواجهة كبرى، ليعود إلى ضبط العمليات ضمن قواعد الاشتباك، وهي سياسة تتماهى مع خيارات مرجعيته الإيرانية التي تريد أن تبقى الجبهة ضاغطة ولا تقود إلى حرب كبرى.

وبالرغم من أن التصعيد جنوباً يترافق مع زيادة العمليات، فإن ذلك لا يزال ضمن الدائرة ذاتها، فـ”حزب الله” في الميدان يستهدف المواقع الإسرائيلية ذاتها على الحدود ولم يستخدم صواريخ بعيدة المدى، ما يعني أنه لم ينتقل إلى أهداف جديدة أو أنه يتحضر في سياق التطورات للانتقال إلى الخطة الثانية عندما يحين وقتها.

وفي المؤشرات يبدو حتى الآن أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا إيران أيضاً، تريد أن تتحول المعارك في الجنوب إلى حرب كبرى. لكن لا شيء يمكن أن يضبط الامور في المستقبل رغم التصريحات الأميركية بضرورة تحييد جبهة لبنان، وحتى تدخل إدارتها مع إسرائيل لمنع توسع المعارك. ذلك مرتبط بما ستؤول إليه الأوضاع في غزة وإمكان الاتفاق على وقف لإطلاق النار، لا يزال غير متاح الآن، ما دامت إسرائيل لم تتمكن من تحقيق إنجاز في حربها أو أقله تحقيق بعض أهدافها المعلنة.

أي اتفاق لوقف النار في غزة ستكون له انعكاسات إقليمية تشمل جبهة لبنان، لكن التطورات لا تشير إلى إمكان تحقيقه قريباً، ذلك أن التوصل الى الاتفاق يفتح إمكان البحث بتسويات أو صيغ شاملة لوقف الحرب، وهو ما لا تريده إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأميركية قبل تحقيق إنجاز كبير على الأرض، لا يبدو أنه متاح بفعل المقاومة المستمرة في أحياء غزة. ويشمل ذلك صيغ إطلاق سراح الرهائن الأجانب وإدخال المساعدات والوقود إلى القطاع، وصولاً إلى صفقة تبادل الأسرى. وأي اتفاق سينخرط فيه المجتمع الدولي يفكك الجبهة الداعمة لإسرائيل في حربها، ويطرح حلولاً قد لا تكون لمصلحة إسرائيل بما أنها لم تحقق أهدافها، إضافة إلى شمل جبهة جنوب لبنان به، خصوصاً بعدما باتت هذه الجبهة ضاغطة على إسرائيل ومستوطناتها في الشمال.

المعادلة القائمة اليوم على الحدود، تشير إلى أن القرى الجنوبية فرغت من سكانها، وفي المقابل، أخرجت إسرائيل المستوطنين إلى ما تسمّيها مناطق آمنة. وإذا كانت قواعد الاشتباك خُرقت في المعارك الدائرة، فإن التصعيد بقي مضبوطاً رغم القصف الإسرائيلي لمواقع خارج منطقة عمل اليونيفيل.

لكن تفلت الجبهة إلى حرب كبرى يبقى قائماً وقد يتجاوز القواعد الحالية إذا وصلت الحرب في غزة إلى نقطة مفصلية، أو إذا حصلت إسرائيل على ضوء أخضر أميركي لا يزال حتى الآن ممنوعاً، بتنفيذ عمليات أوسع في عمق لبنان بحجة إزالة تهديد “حزب الله” المسلح على الحدود، لإعادة المستوطنين إلى منازلهم، لكن نتائج هذه الحرب غير محسومة لجهة الأفق السياسي لها أو القدرة على تحقيق أهدافها. وخطر توسع المعارك على جبهة لبنان يبقى قائماً، خصوصاً إذا لجأت حكومة بنيامين نتنياهو إلى الهروب من مأزق غزة أو لإعادة الاعتبار لمنظومة الجيش والمؤسسة ولإعادة المستوطنين إلى منازلهم، وتوريط الولايات المتحدة بحرب لا تريدها الآن باعتبار أنها تنعكس على المنطقة كلها.

ووفق المصدر السياسي تبدو حرب غزة جزءاً من توجه أميركي لإعادة ترتيب وضع المنطقة، لذا يلاحظ أن الأميركيين يضغطون على إسرائيل لمنعها من اتخاذ قرارات جنونية أحياناً، ثم يتغاضون عن جرائمها في غزة أحياناً أخرى، لكنهم يضبطون مسار الحرب ويضغطون في الخارج لإبقاء الدعم المطلق لإسرائيل إلى حين تحقيقها إنجازات.

حتى الآن فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة، وهي تواجه على جبهة لبنان مأزقاً كبيراً. الفشل قد يفتح على إمكان التوصل الى وقف للنار، لكنه أيضاً قد يوسع دائرة الحرب. ولذا يعمل “حزب الله” على التحكم بالميدان، لكنه يحوّل لبنان إلى ساحة حرب أطبقت على كل أوضاعه. وكما أن حرب غزة لن تعيد الأمور إلى ما قبل 7 تشرين الأول، فإن جبهة الجنوب لن تعود كما كانت عليه سابقاً…

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار