ماذا بعد “الهدنة الإنسانية” في غزّة وعلى الحدود الجنوبية؟

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
25 تشرين الثاني 2023

كان بديهياً أن تنقسم آراء الخبراء والمحللين والمعنيين، فور سريان اتفاق الهدنة الإنسانية المحدودة زمناً في غزة وتلقائياً على الحدود الجنوبية في لبنان، بين مستبشر بها باعتبارها تعبيراً عن وصول الأطراف المشاركين الثلاثة الإسرائيليين والفلسطينيين و”حزب الله” الى درجة الإنهاك، ما يعني حاجتهم الى هدنة طويلة، وبين معتبر أن إسرائيل، بناءً على دراسة عميقة لواقعها وتاريخها، لن يكون بإمكانها تجرّع الأمر كله لكونه يشكل إقراراً منها بالانكسار وتآكل قوة ردعها وهو سلاحها الأمضى الذي يضمن تفوّقها المطلق على أعدائها في كل آن ومكان منذ أن انوجدت حيث هي كيان قام على الغلبة والتفوّق.

يقول الباحث في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي وعضو “كتلة التنمية والتحرير” النائب محمد خواجة: “خوفنا أن الإسرائيلي هو من لا يقبل أن تتطوّر الهدنة الإنسانية المحدودة زمناً (4 أيام) الى واقع يعزز الآمال بالانفتاح على هدنة دائمة إذ إن الإشكالية التاريخية أن الكيان الصهيوني لا يمكنه أن يتقبّل أن يتوقف في ما يعتبره “منتصف الطريق” فهذا الوضع لا يناسبه إطلاقاً وخصوصاً في غزة. وهو يعتبر أن اللحظة مؤاتية له خصوصاً لجهة توفر الدعم الأميركي والغربي المفتوح له والمغطّي لكل عدوانيته ووحشيته وجرائمه بحق الإنسانية”.
أضاف “ما نعرفه أن كيان الاحتلال لا يعبأ بالرأي العام العالمي الذي يبدي تعاطفاً واسعاً مع الشعب الفلسطيني في غزة ما دام يتغطى ويتدثر بهذا الدعم الأميركي والغربي اللامحدود… لذا لا نستغرب إطلاقاً التصريح الذي أدلى به وزير الحرب الصهيوني قبيل ساعات من سريان الهدنة وتكهّن فيه بأن الحرب عائدة بعد انتهاء زمنها بشكل أكثر ضراوة”.

ويرى الخبير الاستراتيجي العميد الياس فرحات أن الهدنة الإنسانية الموقتة التي بدأ سريانها صبيحة أمس في غزة وعلى الحدود الجنوبية “لا تعني بالضرورة أن الأمور عائدة الى سيرتها الأولى قبل السابع من شهر تشرين الأول الماضي في كلتا البقعتين الجغرافيتين، ولا تعني أيضاً أن ثمة استقراراً مرتقباً سيستمر لفترة طويلة”.

وقال: “من الواضح أن ثمة التزاماً إسرائيلياً بمندرجات اتفاق التهدئة الذي من المعلوم أنه تم التوصل إليه بعد مخاض عسير وضغوط قوية من أكثر من طرف وعاصمة، ولكن لا يمكن لأي راصد ومتابع أن يتكهّن بأن الهدنة الموقتة ستصير دائمة، وأن ثمة من المستجدات والموانع ما يمنع إسرائيل من العودة الى استئناف حربها الضروس والمدمرة ضد غزة بشراً وحجراً والتي تحولت كما هو معلوم وثابت الى حرب إبادة حقيقية”.

واستطرد فرحات: “إن ما أورده وزير الحرب الإسرائيلي عن عودة أشد لجولات القتال بعد انصرام أيام الهدنة المعلنة الأساسية والإضافية، ليس وحده دليلنا الى هذا الاستنتاج. واقع الحال أن إسرائيل كلها لا تستطيع أن تتقبّل مآلات الأوضاع الميدانية التي فرضت نفسها بعد 47 يوماً على انفتاح أبواب المعارك والمواجهات خصوصاً على أثر عملية “طوفان الأقصى” التي شكلت ضربة صاعقة لكل نظريات الردع والتفوق العسكري الإسرائيلي”.

وبمعنى آخر، يضيف فرحات: “لا يمكن إطلاقاً اعتبار الهدنة الموقتة التي بوشر الالتزام بها خلال الساعات الماضية مشابهة للوضع الذي نشأ بعد صدور القرار الأممي الرقم 1701 في صيف عام 2006 والذي رسّخ هدنة طويلة نسبياً على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. فالمعلوم أن هذا القرار الذي رعى هدنة واستقراراً معقولاً سرى طوال الأعوام الـ17 التي تلت صدوره هو قرار وضعه مجلس الأمن الدولي بعد طول مشاورات فضلاً عن أنه وضع آليات وأدوات تنفيذية له تمثلت بإرسال أكثر من عشرة آلاف جندي ينتمون الى أكثر من أربعين دولة تحت القوة الدولية العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل) الى بقعة عمليات محدّدة (جنوبي الليطاني).

أما الهدنة الحالية، فهي هدنة إنسانية موقتة لم يقرّها مجلس الأمن ولم تلحظ آليات تنفيذية لها. فضلاً عن ذلك، إن مآلات الأوضاع الميدانية لا تشفي بطبيعة الحال غليل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وغير المستقرة أصلاً برئاسة بنيامين نتنياهو بل إن هذه الهدنة بشروطها وظروفها الحالية من شأنها أن تشكل عامل تهديد لهذه الحكومة وتزيد فرص انهيارها وسقوطها وربما قادها لاحقاً الى المثول أمام القضاء والمحاكمة”.

وعن واقع الحال على الحدود الجنوبية اللبنانية يقول فرحات: “نحن في لبنان معنيون مباشرة بطبيعة الحال. فعلى رغم أننا لم نكن طرفاً في جولات المفاوضات الطويلة التي أفضت الى إقرار تلك الهدنة الإنسانية، فإننا عملياً شركاء في الميدان وفي المشهد العسكري كله وتحديداً منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها المقاومة في المعركة كجبهة مساندة ونصرة لغزة ومقاومتها وشعبها”.

وتالياً، يستطرد فرحات: “مستقبل الوضع على الحدود الجنوبية يتأثر ويتفاعل مع التطورات المحتملة للوضع في غزة وقطاعها في مقبل الأيام. صحيح ما يقال بأن المقاومة أبلغت من يعنيهم الأمر مباشرة أنها ستلتزم بموجبات الهدنة الموقتة على الحدود الجنوبية، إلا أنها أوحت بأن مصير الوضع مرهون بأمرين اثنين:
الأول مدى التزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بالهدنة وبنودها وأساسياتها.

الثاني أن المقاومة التي جاهرت بدخولها في المواجهات بعد أقل من 24 ساعة على انطلاق حركة “حماس” والفصائل المشاركة معها بعمليتها المسمّاة “طوفان الاقصى”، صارت عملياً وتلقائياً شريكاً ومسانداً، لذا فهي ليست في وارد التخلي عن دورها وواجبها المساند للمقاومة في غزة ولن تتركها وحيدة في مواجهة التوحّش والتغوّل الإسرائيلي”.

ماذا بعد “الهدنة الإنسانية” في غزّة وعلى الحدود الجنوبية؟

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
25 تشرين الثاني 2023

كان بديهياً أن تنقسم آراء الخبراء والمحللين والمعنيين، فور سريان اتفاق الهدنة الإنسانية المحدودة زمناً في غزة وتلقائياً على الحدود الجنوبية في لبنان، بين مستبشر بها باعتبارها تعبيراً عن وصول الأطراف المشاركين الثلاثة الإسرائيليين والفلسطينيين و”حزب الله” الى درجة الإنهاك، ما يعني حاجتهم الى هدنة طويلة، وبين معتبر أن إسرائيل، بناءً على دراسة عميقة لواقعها وتاريخها، لن يكون بإمكانها تجرّع الأمر كله لكونه يشكل إقراراً منها بالانكسار وتآكل قوة ردعها وهو سلاحها الأمضى الذي يضمن تفوّقها المطلق على أعدائها في كل آن ومكان منذ أن انوجدت حيث هي كيان قام على الغلبة والتفوّق.

يقول الباحث في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي وعضو “كتلة التنمية والتحرير” النائب محمد خواجة: “خوفنا أن الإسرائيلي هو من لا يقبل أن تتطوّر الهدنة الإنسانية المحدودة زمناً (4 أيام) الى واقع يعزز الآمال بالانفتاح على هدنة دائمة إذ إن الإشكالية التاريخية أن الكيان الصهيوني لا يمكنه أن يتقبّل أن يتوقف في ما يعتبره “منتصف الطريق” فهذا الوضع لا يناسبه إطلاقاً وخصوصاً في غزة. وهو يعتبر أن اللحظة مؤاتية له خصوصاً لجهة توفر الدعم الأميركي والغربي المفتوح له والمغطّي لكل عدوانيته ووحشيته وجرائمه بحق الإنسانية”.
أضاف “ما نعرفه أن كيان الاحتلال لا يعبأ بالرأي العام العالمي الذي يبدي تعاطفاً واسعاً مع الشعب الفلسطيني في غزة ما دام يتغطى ويتدثر بهذا الدعم الأميركي والغربي اللامحدود… لذا لا نستغرب إطلاقاً التصريح الذي أدلى به وزير الحرب الصهيوني قبيل ساعات من سريان الهدنة وتكهّن فيه بأن الحرب عائدة بعد انتهاء زمنها بشكل أكثر ضراوة”.

ويرى الخبير الاستراتيجي العميد الياس فرحات أن الهدنة الإنسانية الموقتة التي بدأ سريانها صبيحة أمس في غزة وعلى الحدود الجنوبية “لا تعني بالضرورة أن الأمور عائدة الى سيرتها الأولى قبل السابع من شهر تشرين الأول الماضي في كلتا البقعتين الجغرافيتين، ولا تعني أيضاً أن ثمة استقراراً مرتقباً سيستمر لفترة طويلة”.

وقال: “من الواضح أن ثمة التزاماً إسرائيلياً بمندرجات اتفاق التهدئة الذي من المعلوم أنه تم التوصل إليه بعد مخاض عسير وضغوط قوية من أكثر من طرف وعاصمة، ولكن لا يمكن لأي راصد ومتابع أن يتكهّن بأن الهدنة الموقتة ستصير دائمة، وأن ثمة من المستجدات والموانع ما يمنع إسرائيل من العودة الى استئناف حربها الضروس والمدمرة ضد غزة بشراً وحجراً والتي تحولت كما هو معلوم وثابت الى حرب إبادة حقيقية”.

واستطرد فرحات: “إن ما أورده وزير الحرب الإسرائيلي عن عودة أشد لجولات القتال بعد انصرام أيام الهدنة المعلنة الأساسية والإضافية، ليس وحده دليلنا الى هذا الاستنتاج. واقع الحال أن إسرائيل كلها لا تستطيع أن تتقبّل مآلات الأوضاع الميدانية التي فرضت نفسها بعد 47 يوماً على انفتاح أبواب المعارك والمواجهات خصوصاً على أثر عملية “طوفان الأقصى” التي شكلت ضربة صاعقة لكل نظريات الردع والتفوق العسكري الإسرائيلي”.

وبمعنى آخر، يضيف فرحات: “لا يمكن إطلاقاً اعتبار الهدنة الموقتة التي بوشر الالتزام بها خلال الساعات الماضية مشابهة للوضع الذي نشأ بعد صدور القرار الأممي الرقم 1701 في صيف عام 2006 والذي رسّخ هدنة طويلة نسبياً على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. فالمعلوم أن هذا القرار الذي رعى هدنة واستقراراً معقولاً سرى طوال الأعوام الـ17 التي تلت صدوره هو قرار وضعه مجلس الأمن الدولي بعد طول مشاورات فضلاً عن أنه وضع آليات وأدوات تنفيذية له تمثلت بإرسال أكثر من عشرة آلاف جندي ينتمون الى أكثر من أربعين دولة تحت القوة الدولية العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل) الى بقعة عمليات محدّدة (جنوبي الليطاني).

أما الهدنة الحالية، فهي هدنة إنسانية موقتة لم يقرّها مجلس الأمن ولم تلحظ آليات تنفيذية لها. فضلاً عن ذلك، إن مآلات الأوضاع الميدانية لا تشفي بطبيعة الحال غليل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وغير المستقرة أصلاً برئاسة بنيامين نتنياهو بل إن هذه الهدنة بشروطها وظروفها الحالية من شأنها أن تشكل عامل تهديد لهذه الحكومة وتزيد فرص انهيارها وسقوطها وربما قادها لاحقاً الى المثول أمام القضاء والمحاكمة”.

وعن واقع الحال على الحدود الجنوبية اللبنانية يقول فرحات: “نحن في لبنان معنيون مباشرة بطبيعة الحال. فعلى رغم أننا لم نكن طرفاً في جولات المفاوضات الطويلة التي أفضت الى إقرار تلك الهدنة الإنسانية، فإننا عملياً شركاء في الميدان وفي المشهد العسكري كله وتحديداً منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها المقاومة في المعركة كجبهة مساندة ونصرة لغزة ومقاومتها وشعبها”.

وتالياً، يستطرد فرحات: “مستقبل الوضع على الحدود الجنوبية يتأثر ويتفاعل مع التطورات المحتملة للوضع في غزة وقطاعها في مقبل الأيام. صحيح ما يقال بأن المقاومة أبلغت من يعنيهم الأمر مباشرة أنها ستلتزم بموجبات الهدنة الموقتة على الحدود الجنوبية، إلا أنها أوحت بأن مصير الوضع مرهون بأمرين اثنين:
الأول مدى التزام قوات الاحتلال الإسرائيلي بالهدنة وبنودها وأساسياتها.

الثاني أن المقاومة التي جاهرت بدخولها في المواجهات بعد أقل من 24 ساعة على انطلاق حركة “حماس” والفصائل المشاركة معها بعمليتها المسمّاة “طوفان الاقصى”، صارت عملياً وتلقائياً شريكاً ومسانداً، لذا فهي ليست في وارد التخلي عن دورها وواجبها المساند للمقاومة في غزة ولن تتركها وحيدة في مواجهة التوحّش والتغوّل الإسرائيلي”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار