التململ الجنوبيّ يرتفع… “دخان مواجهات” وغموض

الكاتب: مجد بو مجاهد | المصدر: النهار
5 كانون الأول 2023

يلملم المواطنون الجنوبيون ما تُبَعثره المناوشات الحربية الدائرة في القرى الحدودية من غياب للاستقرار بالحدّ المُمكن، في ظلّ تململٍ واضح للعيان يسود انطباعاتهم لاعتبارات متعدّدة، أوّلها عدم تلقّفهم أجوبة صريحة حيال طبيعة ما ستنحو إليه الأوضاع في الأسابيع المقبلة. ويكمن السبب الأساسيّ المؤدّي إلى بدء تصاعد وتيرة “الحنق والاستياء” على مستوى المناطق المحاذية للحدود الجنوبية التي يشملها “ضِرام الغارات”، الواقع المتأرجح ليس بـ”حربٍ أو سلم” لكنّه يؤدّي إلى تكبيد السكان عناء النزوح العشوائيّ زمانياً ومكانياً… وكذلك الانقطاع عن الأعمال. ولا ينسحب هذا السخط على اتباع منهاج مغتاظ انطلاقاً من “بُعد سياسيّ” حتّى اللحظة على تنوّع أطياف القاطنين وانتماءاتهم بما في ذلك البيئة الشيعية، بقدر ما أنّ الأسباب ترجع إلى مشاعر القلق التي تعتري كاهلهم نتيجة عدم معرفتهم في ما يتوجّب عليهم فعله وسط معادلة أشبه بـ”صقيع احتدام” لا يفرض مكوثاً أو نزوحاً في آن… ولا يؤدّي كذلك إلى مواظبة أو توقّف للعمل أو الدراسة. وهذا ما يجعل من اللبنانيين المتاخمين للحدود الجنوبية يعيشون على “عتبة التوجّس” بعدما بدأوا يعانون الخسائر منذ 7 تشرين الأول الماضي نتيجة تدهور أعمالهم أو تحمّل نفقات نزوحهم الاضطراريّ أو استهداف أراضيهم الزراعية.

وتتمحور الخشية الجنوبية حول تمدّد المواجهات الحاصلة أسابيع إضافية، لكنّ السخط لم يتحوّل إلى “غضب بأبعاد سياسية” ناقمة حتى اللحظة، بل إنّه يتّخذ منحى مجتمعياً، وفق المستطلعين المواكبين للمجريات. وتشمل المحاذير خصوصاً العيش في مرحلة الافتتاح الجزئي وغير اليومي للمؤسسات والمصارف، وبدء مظاهر الشحّ في وصول الأدوية. وفي غضون ذلك، انقسمت توجّهات مواطني القرى الحدودية الأمامية وبعض تلك المتاخمة لها بين فئات فضّلت النزوح وأخرى اتخذت خيار المكوث. واتجهت فئات واسعة من نازحي قرى بنت جبيل وعيترون ورميش إلى صور والنبطية، في موازاة انتقال عدد من أهالي العرقوب وقرى كفرشوبا وشبعا وحلتا نحو مناطق حاصبيا وكوكبا. واتّخذت فئات من النازحين من قرى جديدة مرجعيون والقليعة ودير ميماس العاصمة بيروت وجهة لها. ولوحظ أنّ بعضاً من النازحين لم يعد أدراجه منذ اندلاع المواجهات النارية جنوباً، واختار بعضهم الآخر الاستفادة من أيام الهدنة لتفقّد أراضيه ومنازله ومزاولة أعمال الفلاحة في الأراضي الزراعية التي ارتفعت وتيرتها بكثافة كردّة فعل لم يتوقّعها كثر من المراقبين. أمّا أولئك الذين فضّلوا المكوث في قراهم بعيداً عن خيار النزوح، فإنّهم من موظّفي القطاع العام أو الذين لديهم أعمالهم على نطاق القرى المتاخمة.

وأن يردّد أحد الأقطاب السياسيين اللبنانيين البارزين في مجالسه قبل أيام أنّ الحدّة التي تتخذها المناوشات المندلعة جنوباً هدفها فرض منطقة خالية على نطاق القرى اللبنانية الأمامية المتاخمة للحدود والاتجاه نحو تحوّل ديموغرافيّ، فإنّ ذلك يرفع مستوى الهواجس أكثر إذا كان المبتغى هو بلورة هكذا تحوّل ديموغرافي وإفراغ هذه القرى الدائم من سكّانها، ما يطرح علامات استفهام فحواها الوجهة المكانية التي يمكن أن يستقرّ فيها هؤلاء المواطنين، وإذا كان واقع نزوحهم سيتفاقم في المرحلة الآتية من دون أفق واضح أو سريع لعودتهم المنتظرة.

إلى ذلك، يقول الناشط السياسي والباحث القانوني علي مراد إنّ “القلق يراود المواطنين الجنوبيين بعدما طالت المعركة الحدودية، سيّما وأنّ ما يجري اليوم لا يشبه ما كان حصل قبل اجتياح عام 1978 أو تبعات عام 1982، بل هو أقرب إلى المواجهات التي كانت عرفتها القرى الأمامية في مرحلة السبعينات. ولا شكّ أنّ عدم الانخراط في حرب كبرى قد أراح المواطنين الجنوبيين، إلّا أنّ عدم وضوح أفق المناوشات يطرح هواجسهم وسط حاجتهم إلى أجوبة حول المدى الزمني للوضع الحالي خاصة أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة قد تطول، كما وأنّ ذلك يعيد السؤال حول الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة وتوقّف الأعمال بشكل كامل والإغلاق الكلّيّ للمدراس في هذه القرى”.

في ما يخصّ الترجمة السياسية للاستياء الذي يعانيه المواطنون، يضيف مراد لـ”النهار” أنّه “طالما أنّ الحرب الإسرائيلية مستمرة في غزة ومع عدم توقّف الإجرام الإسرائيليّ، لا يمكن توقّع ترجمة سياسية لهذا القلق، إلّا أنّ الأسئلة التي تطرح اليوم هي حول مدى وكيفية تأثّر لبنان بالتغيّرات الإقليمية ما بعد الحرب، وهي ليست مسألة جنوبية بل وطنية مرتبطة بالتعامل مع تداعيات ونتائج أيّ خيار، سيّما حول ما ينتظر المواطنين بعد انتهاء هذه المرحلة وإمكان العودة إلى الاستقرار في مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول، وسط الحديث عن ضغط إسرائيليّ لفرض منطقة عازلة جنوب الليطانيّ”.

من جهته، يَعتَبر الناشط السياسي نزار الأمين أنّ “الاستياء ليس عبارة عن موقف سياسيّ… يتضامن السكان مع غزّة والشعب الفلسطيني لكنّهم لا يريدون حرباً ولا يدركون على ماذا يمكن أن تستقرّ الأوضاع، ولا يحظون بمصارحة من الأحزاب السياسية حول ماهية الوضع وكيفية تفسيره. ولا تزال قدرتهم على التحمّل قائمة على غرار النتائج التي تحمّلوها بُعَيد الانهيار الاقتصادي واضمحلال الودائع والعيش على طريقة الاكتفاء الذاتيّ”. ويؤكّد الأمين لـ”النهار” أنّ “السخط الحاصل ليس مرتبطاً بانتماء ديني محدّد لكنّه ينسحب على غالبية من المواطنين الذين يخشون استمرار الأوضاع الصعبة أسابيع إضافية. وهناك أجواء معبّرة عن رغبة في التشبّث بالمكوث في الأراضي جنوباً، في وقت يتفاقم القلق حول الخسائر الاقتصادية خصوصاً أنّ المواطنين يتكبّدونها منذ بدء اندلاع المواجهات، لكنّهم يأملون في التوصّل إلى الاستقرار مع تعويلهم على التضامن الملحوظ معهم”.

التململ الجنوبيّ يرتفع… “دخان مواجهات” وغموض

الكاتب: مجد بو مجاهد | المصدر: النهار
5 كانون الأول 2023

يلملم المواطنون الجنوبيون ما تُبَعثره المناوشات الحربية الدائرة في القرى الحدودية من غياب للاستقرار بالحدّ المُمكن، في ظلّ تململٍ واضح للعيان يسود انطباعاتهم لاعتبارات متعدّدة، أوّلها عدم تلقّفهم أجوبة صريحة حيال طبيعة ما ستنحو إليه الأوضاع في الأسابيع المقبلة. ويكمن السبب الأساسيّ المؤدّي إلى بدء تصاعد وتيرة “الحنق والاستياء” على مستوى المناطق المحاذية للحدود الجنوبية التي يشملها “ضِرام الغارات”، الواقع المتأرجح ليس بـ”حربٍ أو سلم” لكنّه يؤدّي إلى تكبيد السكان عناء النزوح العشوائيّ زمانياً ومكانياً… وكذلك الانقطاع عن الأعمال. ولا ينسحب هذا السخط على اتباع منهاج مغتاظ انطلاقاً من “بُعد سياسيّ” حتّى اللحظة على تنوّع أطياف القاطنين وانتماءاتهم بما في ذلك البيئة الشيعية، بقدر ما أنّ الأسباب ترجع إلى مشاعر القلق التي تعتري كاهلهم نتيجة عدم معرفتهم في ما يتوجّب عليهم فعله وسط معادلة أشبه بـ”صقيع احتدام” لا يفرض مكوثاً أو نزوحاً في آن… ولا يؤدّي كذلك إلى مواظبة أو توقّف للعمل أو الدراسة. وهذا ما يجعل من اللبنانيين المتاخمين للحدود الجنوبية يعيشون على “عتبة التوجّس” بعدما بدأوا يعانون الخسائر منذ 7 تشرين الأول الماضي نتيجة تدهور أعمالهم أو تحمّل نفقات نزوحهم الاضطراريّ أو استهداف أراضيهم الزراعية.

وتتمحور الخشية الجنوبية حول تمدّد المواجهات الحاصلة أسابيع إضافية، لكنّ السخط لم يتحوّل إلى “غضب بأبعاد سياسية” ناقمة حتى اللحظة، بل إنّه يتّخذ منحى مجتمعياً، وفق المستطلعين المواكبين للمجريات. وتشمل المحاذير خصوصاً العيش في مرحلة الافتتاح الجزئي وغير اليومي للمؤسسات والمصارف، وبدء مظاهر الشحّ في وصول الأدوية. وفي غضون ذلك، انقسمت توجّهات مواطني القرى الحدودية الأمامية وبعض تلك المتاخمة لها بين فئات فضّلت النزوح وأخرى اتخذت خيار المكوث. واتجهت فئات واسعة من نازحي قرى بنت جبيل وعيترون ورميش إلى صور والنبطية، في موازاة انتقال عدد من أهالي العرقوب وقرى كفرشوبا وشبعا وحلتا نحو مناطق حاصبيا وكوكبا. واتّخذت فئات من النازحين من قرى جديدة مرجعيون والقليعة ودير ميماس العاصمة بيروت وجهة لها. ولوحظ أنّ بعضاً من النازحين لم يعد أدراجه منذ اندلاع المواجهات النارية جنوباً، واختار بعضهم الآخر الاستفادة من أيام الهدنة لتفقّد أراضيه ومنازله ومزاولة أعمال الفلاحة في الأراضي الزراعية التي ارتفعت وتيرتها بكثافة كردّة فعل لم يتوقّعها كثر من المراقبين. أمّا أولئك الذين فضّلوا المكوث في قراهم بعيداً عن خيار النزوح، فإنّهم من موظّفي القطاع العام أو الذين لديهم أعمالهم على نطاق القرى المتاخمة.

وأن يردّد أحد الأقطاب السياسيين اللبنانيين البارزين في مجالسه قبل أيام أنّ الحدّة التي تتخذها المناوشات المندلعة جنوباً هدفها فرض منطقة خالية على نطاق القرى اللبنانية الأمامية المتاخمة للحدود والاتجاه نحو تحوّل ديموغرافيّ، فإنّ ذلك يرفع مستوى الهواجس أكثر إذا كان المبتغى هو بلورة هكذا تحوّل ديموغرافي وإفراغ هذه القرى الدائم من سكّانها، ما يطرح علامات استفهام فحواها الوجهة المكانية التي يمكن أن يستقرّ فيها هؤلاء المواطنين، وإذا كان واقع نزوحهم سيتفاقم في المرحلة الآتية من دون أفق واضح أو سريع لعودتهم المنتظرة.

إلى ذلك، يقول الناشط السياسي والباحث القانوني علي مراد إنّ “القلق يراود المواطنين الجنوبيين بعدما طالت المعركة الحدودية، سيّما وأنّ ما يجري اليوم لا يشبه ما كان حصل قبل اجتياح عام 1978 أو تبعات عام 1982، بل هو أقرب إلى المواجهات التي كانت عرفتها القرى الأمامية في مرحلة السبعينات. ولا شكّ أنّ عدم الانخراط في حرب كبرى قد أراح المواطنين الجنوبيين، إلّا أنّ عدم وضوح أفق المناوشات يطرح هواجسهم وسط حاجتهم إلى أجوبة حول المدى الزمني للوضع الحالي خاصة أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة قد تطول، كما وأنّ ذلك يعيد السؤال حول الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة وتوقّف الأعمال بشكل كامل والإغلاق الكلّيّ للمدراس في هذه القرى”.

في ما يخصّ الترجمة السياسية للاستياء الذي يعانيه المواطنون، يضيف مراد لـ”النهار” أنّه “طالما أنّ الحرب الإسرائيلية مستمرة في غزة ومع عدم توقّف الإجرام الإسرائيليّ، لا يمكن توقّع ترجمة سياسية لهذا القلق، إلّا أنّ الأسئلة التي تطرح اليوم هي حول مدى وكيفية تأثّر لبنان بالتغيّرات الإقليمية ما بعد الحرب، وهي ليست مسألة جنوبية بل وطنية مرتبطة بالتعامل مع تداعيات ونتائج أيّ خيار، سيّما حول ما ينتظر المواطنين بعد انتهاء هذه المرحلة وإمكان العودة إلى الاستقرار في مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول، وسط الحديث عن ضغط إسرائيليّ لفرض منطقة عازلة جنوب الليطانيّ”.

من جهته، يَعتَبر الناشط السياسي نزار الأمين أنّ “الاستياء ليس عبارة عن موقف سياسيّ… يتضامن السكان مع غزّة والشعب الفلسطيني لكنّهم لا يريدون حرباً ولا يدركون على ماذا يمكن أن تستقرّ الأوضاع، ولا يحظون بمصارحة من الأحزاب السياسية حول ماهية الوضع وكيفية تفسيره. ولا تزال قدرتهم على التحمّل قائمة على غرار النتائج التي تحمّلوها بُعَيد الانهيار الاقتصادي واضمحلال الودائع والعيش على طريقة الاكتفاء الذاتيّ”. ويؤكّد الأمين لـ”النهار” أنّ “السخط الحاصل ليس مرتبطاً بانتماء ديني محدّد لكنّه ينسحب على غالبية من المواطنين الذين يخشون استمرار الأوضاع الصعبة أسابيع إضافية. وهناك أجواء معبّرة عن رغبة في التشبّث بالمكوث في الأراضي جنوباً، في وقت يتفاقم القلق حول الخسائر الاقتصادية خصوصاً أنّ المواطنين يتكبّدونها منذ بدء اندلاع المواجهات، لكنّهم يأملون في التوصّل إلى الاستقرار مع تعويلهم على التضامن الملحوظ معهم”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار