امتنعت سوريا عن تخفيف الضغط على غزة… لماذا؟

الكاتب: سركيس نعوم | المصدر: النهار
11 كانون الأول 2023

أثار إمتناع سوريا بشار الأسد عن الإشتراك في الحرب ضد إسرائيل من أجل تخفيف ضغطها العسكري عن حركة “حماس” في غزة وعن شعبها الفلسطيني هناك تساؤلات كثيرة في أوساط الرأي العام اللبناني وعدد كثير من القيادات السياسية والحزبية والطوائفية والمذهبية. بعضها كان من أجل “التمريك” على سوريا التي رفعت ومنذ أيام مؤسّس النظام القائم فيها قبل نحو 53 سنة الرئيس حافظ الأسد شعار تحرير فلسطين من البحر الى النهر، والتي سارت في أكثر الطرقات صعوبة في الداخل والخارج من أجل الإستعداد للمعركة الفاصلة مع إسرائيل حارمةً بذلك شعبها حرياته الطبيعية وموارده المتنوّعة. يبدو أن هذا الشعب قبِل مختاراً وطائعاً التضحية من أجل تحرير فلسطين كونها القضية القومية الأكبر، لكنه اكتشف وبعد سنوات طويلة بل عقود تخلّلتها حرب 1967 التي حرمتهم من هضبة الجولان بإحتلال إسرائيل لها وضمّها إياها لاحقاً أن تضحياته ذهبت سدىً. وعزا ذلك الى أمرين الأول هو عجز النظام والأنظمة التي سبقته في حكم بلاده عن إنجاز التحرير لأسباب داخلية وتسليحية وإقليمية ودولية رغم صدق رغبته في ذلك. الثاني هو التسليم بهذا العجز والإنتقال من الإعداد والتحضير للتحرير الى تقوية النظام داخل البلاد والى جعل “الإنقلاب” عليه مستحيلاً وكذلك الثورة والى جعل إستمراره حاجةً داخلية وإقليمية. وفي الحالتين دفع الشعب السوري الثمن من حرياته ورفاهيته وتطوره وتقدمه ومن دور بلاده الوطني والعربي في آن واحد.

هل من جواب عن السؤال المطروح أعلاه؟ متابعو الوضع السوري من قرب ومعه الوضع اللبناني المرتبط به رغم إنسحاب جيش سوريا الأسد من لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 يقولون أن لامتناع سوريا عن إسناد “حماس” في مواجهتها جيش إسرائيل بعد “طوفانها” الناجح على غلاف الأخيرة لغزة في 17 أكتوبر الماضي أسباب منطقية، أبلغتها الى من يلزم من الأشقاء العرب والحلفاء الإقليميين فتفهموها ولم يُظهر أيٌ منهم إمتعاضاً أو عتباً أو حتى غضباً. السبب الأول هو أن الجيش السوري يعيش حالاً شديدةً من التعب منذ بداية الثورة الإصلاحية السلمية للشعب السوري على نظامه عام 2011 التي تحوّلت لاحقاً حرباً أهلية قادتها تنظيمات إسلامية متطرّفة وبالغة التشدّد كان القتل والإرهاب أبرز وسيلتين لها في الحرب، وواجهها الجيش السوري منفرداً في البداية. لاحقاً انتقل الى سوريا آلاف من مقاتلي “حزب الله” اللبناني الهوية والمؤمن بالإيديولوجيا الدينية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودافعوا مع جيشها عن النظام ونجحوا في صموده حتى عام 2015 ولما أدرك القائد السوري في دمشق الرئيس بشار الأسد وحليفته إيران أن استمرار الصمود وتالياً البقاء صار صعباً تدخلت روسيا عسكرياً بطلب من الرئيس السوري والولي الفقيه والمرشد الإيراني، وبمشاركة جزئية من جيش دولة الأخير تمثّلت بإرسال خبراء ومستشارين عسكريين وأسلحة وذخائر وأموال. أدى ذلك كله الى تحقيق الأسد فوزاً مبدئياً على أعداء الداخل في الوقت الذي كان العراق وإيران من جهة والولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة ثانية يقاتلون “داعش” الموجودة على أرض الدولتين الشقيقتين ويُلحقون بها ضربةً كبيرة. هذه المعارك أتعبت كثيراً الجيش السوري وجعلته عاجزاً عن الإشتراك في حرب أخرى لن تكون سهلة، ورافق ذلك حرصٌ على عدم تبديد “إنتصاره” داخل بلاده وإن غير كامل حتى الآن، ودفع ذلك الواقعيين من المراقبين والمحلّلين الى القول أن سوريا تحتاج الى إعادة بناء جيشها أو الى تأهيله أو الى تأسيس جيش جديد.

السبب الثاني لعدم إنخراط سوريا في مساندة “حماس” بالضغط عسكرياً على إسرائيل هو أن قسماً من أرضها في الشمال تحتله تركيا وتغطّي إحتلالها تنظيمات سياسية إسلامية متشدّدة تحميها هي. السبب الثالث هو وجود قوات أميركية في الجنوب السوري بالقرب من حدود العراق وكذلك في الشرق، ويعوق ذلك طبعاً أي تحرّك عسكري سوري رسمي في حال قرّرته القيادة السياسية في البلاد. السبب الرابع هو الوضع الإقتصادي المتردّي لسوريا وإخضاع الولايات المتحدة لها مع حلفائها لـ”قانون قيصر” الذي يهدّد بفرض العقوبات على أي دولة تتعاون معها من أجل إعادة بناء ما دمّرته الحرب. والتبعات الإقتصادية لهذا القانون كثيرة وصعبة. ولم تنجح دول عربية عدّة منها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في إقناع واشنطن بالتخفيف عن سوريا ونظامها رغم إنفتاحهما عليها مع دول أخرى وإعادتها الى مقعدها الدائم في جامعة الدول العربية. أما السبب الرابع فقد يكون عدم تحبيذ روسيا الموجودة عسكرياً في سوريا إشتراكها في حربٍ إقليمية قد تفرض عليها إشراك قواتها المرابطة هناك في القتال. وهذا أمرٌ لا تحبّذه على الإطلاق خصوصاً الآن لأنها منشغلة بحربها الطاحنة على أوكرانيا وبمواجهة الغرب كله الذي قرّر حماية الأخيرة ومدّها بكل ما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر وأموال وخبرات للصمود. وقد صمدت. لكن السؤال هو الى متى؟

إنطلاقاً من التحليل الموسّع هذا لإحجام سوريا عن الضغط عسكرياً على إسرائيل مثلما فعل “حزب الله” للتخفيف عن غزة و”حماس” داخلها يقول متابعو الوضع السوري من قرب ومعه الوضع اللبناني أنفسهم أن إنتقاد سوريا بسبب موقفها في غير محله. فجيشها يحتاج الى الراحة وهو لم يحصل عليها بعد. ويحتاج الى إعادة تنظيم وربما الى تأسيس جديد. ووقت ذلك لم يحن بعد. وقرارها الإبتعاد عن “ساحة الوغى” الحالية في محلّه. ويُعطي هؤلاء مثلاً على ذلك هو مقاتلو “حزب الله” الذين شاركوا وبالآلاف في حرب سوريا. فهؤلاء احتاجوا الى الراحة وربما لا يزالون فيها. لكن السؤال الذي لا يمتلك أحد جواباً عنه هو: ماذا تفعل سوريا إذا شنّت إسرائيل حرباً على لبنان؟ هل تشارك معه جيشاً و”حزباً” (أي حزب الله) في الدفاع عنه أو من يضمن أن لا تشارك في القتال الى جانبه دفاعاً عنه؟ لا جواب عن ذلك حتى الآن علماً أنها لم ترد حتى على الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة عليها.

امتنعت سوريا عن تخفيف الضغط على غزة… لماذا؟

الكاتب: سركيس نعوم | المصدر: النهار
11 كانون الأول 2023

أثار إمتناع سوريا بشار الأسد عن الإشتراك في الحرب ضد إسرائيل من أجل تخفيف ضغطها العسكري عن حركة “حماس” في غزة وعن شعبها الفلسطيني هناك تساؤلات كثيرة في أوساط الرأي العام اللبناني وعدد كثير من القيادات السياسية والحزبية والطوائفية والمذهبية. بعضها كان من أجل “التمريك” على سوريا التي رفعت ومنذ أيام مؤسّس النظام القائم فيها قبل نحو 53 سنة الرئيس حافظ الأسد شعار تحرير فلسطين من البحر الى النهر، والتي سارت في أكثر الطرقات صعوبة في الداخل والخارج من أجل الإستعداد للمعركة الفاصلة مع إسرائيل حارمةً بذلك شعبها حرياته الطبيعية وموارده المتنوّعة. يبدو أن هذا الشعب قبِل مختاراً وطائعاً التضحية من أجل تحرير فلسطين كونها القضية القومية الأكبر، لكنه اكتشف وبعد سنوات طويلة بل عقود تخلّلتها حرب 1967 التي حرمتهم من هضبة الجولان بإحتلال إسرائيل لها وضمّها إياها لاحقاً أن تضحياته ذهبت سدىً. وعزا ذلك الى أمرين الأول هو عجز النظام والأنظمة التي سبقته في حكم بلاده عن إنجاز التحرير لأسباب داخلية وتسليحية وإقليمية ودولية رغم صدق رغبته في ذلك. الثاني هو التسليم بهذا العجز والإنتقال من الإعداد والتحضير للتحرير الى تقوية النظام داخل البلاد والى جعل “الإنقلاب” عليه مستحيلاً وكذلك الثورة والى جعل إستمراره حاجةً داخلية وإقليمية. وفي الحالتين دفع الشعب السوري الثمن من حرياته ورفاهيته وتطوره وتقدمه ومن دور بلاده الوطني والعربي في آن واحد.

هل من جواب عن السؤال المطروح أعلاه؟ متابعو الوضع السوري من قرب ومعه الوضع اللبناني المرتبط به رغم إنسحاب جيش سوريا الأسد من لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 يقولون أن لامتناع سوريا عن إسناد “حماس” في مواجهتها جيش إسرائيل بعد “طوفانها” الناجح على غلاف الأخيرة لغزة في 17 أكتوبر الماضي أسباب منطقية، أبلغتها الى من يلزم من الأشقاء العرب والحلفاء الإقليميين فتفهموها ولم يُظهر أيٌ منهم إمتعاضاً أو عتباً أو حتى غضباً. السبب الأول هو أن الجيش السوري يعيش حالاً شديدةً من التعب منذ بداية الثورة الإصلاحية السلمية للشعب السوري على نظامه عام 2011 التي تحوّلت لاحقاً حرباً أهلية قادتها تنظيمات إسلامية متطرّفة وبالغة التشدّد كان القتل والإرهاب أبرز وسيلتين لها في الحرب، وواجهها الجيش السوري منفرداً في البداية. لاحقاً انتقل الى سوريا آلاف من مقاتلي “حزب الله” اللبناني الهوية والمؤمن بالإيديولوجيا الدينية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودافعوا مع جيشها عن النظام ونجحوا في صموده حتى عام 2015 ولما أدرك القائد السوري في دمشق الرئيس بشار الأسد وحليفته إيران أن استمرار الصمود وتالياً البقاء صار صعباً تدخلت روسيا عسكرياً بطلب من الرئيس السوري والولي الفقيه والمرشد الإيراني، وبمشاركة جزئية من جيش دولة الأخير تمثّلت بإرسال خبراء ومستشارين عسكريين وأسلحة وذخائر وأموال. أدى ذلك كله الى تحقيق الأسد فوزاً مبدئياً على أعداء الداخل في الوقت الذي كان العراق وإيران من جهة والولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة ثانية يقاتلون “داعش” الموجودة على أرض الدولتين الشقيقتين ويُلحقون بها ضربةً كبيرة. هذه المعارك أتعبت كثيراً الجيش السوري وجعلته عاجزاً عن الإشتراك في حرب أخرى لن تكون سهلة، ورافق ذلك حرصٌ على عدم تبديد “إنتصاره” داخل بلاده وإن غير كامل حتى الآن، ودفع ذلك الواقعيين من المراقبين والمحلّلين الى القول أن سوريا تحتاج الى إعادة بناء جيشها أو الى تأهيله أو الى تأسيس جيش جديد.

السبب الثاني لعدم إنخراط سوريا في مساندة “حماس” بالضغط عسكرياً على إسرائيل هو أن قسماً من أرضها في الشمال تحتله تركيا وتغطّي إحتلالها تنظيمات سياسية إسلامية متشدّدة تحميها هي. السبب الثالث هو وجود قوات أميركية في الجنوب السوري بالقرب من حدود العراق وكذلك في الشرق، ويعوق ذلك طبعاً أي تحرّك عسكري سوري رسمي في حال قرّرته القيادة السياسية في البلاد. السبب الرابع هو الوضع الإقتصادي المتردّي لسوريا وإخضاع الولايات المتحدة لها مع حلفائها لـ”قانون قيصر” الذي يهدّد بفرض العقوبات على أي دولة تتعاون معها من أجل إعادة بناء ما دمّرته الحرب. والتبعات الإقتصادية لهذا القانون كثيرة وصعبة. ولم تنجح دول عربية عدّة منها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في إقناع واشنطن بالتخفيف عن سوريا ونظامها رغم إنفتاحهما عليها مع دول أخرى وإعادتها الى مقعدها الدائم في جامعة الدول العربية. أما السبب الرابع فقد يكون عدم تحبيذ روسيا الموجودة عسكرياً في سوريا إشتراكها في حربٍ إقليمية قد تفرض عليها إشراك قواتها المرابطة هناك في القتال. وهذا أمرٌ لا تحبّذه على الإطلاق خصوصاً الآن لأنها منشغلة بحربها الطاحنة على أوكرانيا وبمواجهة الغرب كله الذي قرّر حماية الأخيرة ومدّها بكل ما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر وأموال وخبرات للصمود. وقد صمدت. لكن السؤال هو الى متى؟

إنطلاقاً من التحليل الموسّع هذا لإحجام سوريا عن الضغط عسكرياً على إسرائيل مثلما فعل “حزب الله” للتخفيف عن غزة و”حماس” داخلها يقول متابعو الوضع السوري من قرب ومعه الوضع اللبناني أنفسهم أن إنتقاد سوريا بسبب موقفها في غير محله. فجيشها يحتاج الى الراحة وهو لم يحصل عليها بعد. ويحتاج الى إعادة تنظيم وربما الى تأسيس جديد. ووقت ذلك لم يحن بعد. وقرارها الإبتعاد عن “ساحة الوغى” الحالية في محلّه. ويُعطي هؤلاء مثلاً على ذلك هو مقاتلو “حزب الله” الذين شاركوا وبالآلاف في حرب سوريا. فهؤلاء احتاجوا الى الراحة وربما لا يزالون فيها. لكن السؤال الذي لا يمتلك أحد جواباً عنه هو: ماذا تفعل سوريا إذا شنّت إسرائيل حرباً على لبنان؟ هل تشارك معه جيشاً و”حزباً” (أي حزب الله) في الدفاع عنه أو من يضمن أن لا تشارك في القتال الى جانبه دفاعاً عنه؟ لا جواب عن ذلك حتى الآن علماً أنها لم ترد حتى على الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة عليها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار