ساحات المنطقة تهتزّ فوق «فالق غزة»… من الضاحية إلى كرمان؟

المصدر: الراي الكويتية
4 كانون الثاني 2024
– نصرالله: لن يمرّ اغتيال العاروري بلا عقاب وإذا شُنت علينا الحرب فسنذهب إليها بلا ضوابط
– المنطقة في قلب «حرب غير تقليدية» مع المرحلة الثالثة من حرب غزة
– ماذا وراء التسريب الإسرائيلي عن أن العاروري كان على موعد من نصرالله أمس؟
– تقارير عن طائرة حربية نفذت عملية اغتيال بصواريخ موجهة بالليزر
– جبهة الجنوب احتدمت ضمن نسَق «مواجهات المشاغلة» وإن بعيار أثقل

… كأنّها «وحدة ساحاتٍ» في الاستهدافات والاختراقات الأمنية الأخطر، في ما يشبه «الحربَ غير التقليدية» التي اشتعلت على تخوم بركان غزة الذي يُنْذِر تَمَدُّد حممه، من دمشق (في 25 ديسمبر)، مروراً بالضاحية الجنوبية لبيروت (أول من أمس)، وصولاً إلى كرمان الإيرانية أمس بأن المنطقة برمّتها باتت في فوهة الانفجار الكبير.

فبينما كان «حَبْسُ الأنفاس» على أشدّه حيال طبيعة ونوعية ومكان وزمان الردّ «الرادع» من «حزب الله» على «الإنزال» الأمني خلْف كل الخطوط الحمر الذي شكّله خرْقُ إسرائيل عمق الضاحية الجنوبية واغتيالها بضربةٍ جويةٍ موجّهة أحد أبرز «العقول الأمنية» لحركة «حماس» ومهندسي «طوفان الأقصى» صالح العاروري والقيادييْن في «كتائب القسام» سمير فندي (أبو عامر) وعزام الأقرع (أبو عمار)، إضافةً إلى 4 من كوادر الحركة (بينهم 3 لبنانيين)، بدا أن المنطقةَ «ربطتْ الأحزمةَ» مع «الهجوم الإرهابي» الذي استهدفَ مَسيرات كانت تشارك في مراسم إحياء الذكرى الرابعة لاغتيال الجنرال قاسم سليماني في منطقة كرمان وباغتَها تفجيرٌ متعدّد العبوات قرب المقبرة حيث ضريح القائد السابق لفيلق القدس، ما أدى إلى مقتل أكثر من 190 وجرْح عشرات آخَرين.

وإذا كان وقوف إسرائيل وراء اغتيال العاروري أمراً أكيداً، رغم عدم تبنّيه من تل أبيب إلا في شكل غير مباشر وسط إعلانِ رئيس «الموساد» إن «كل مَن كانت له علاقة بأحداث 7 أكتوبر مصيره الموت»، فإن الأنظارَ شخصت على مَن «ضغط على زناد» ما اعتُبر بمثابة «اغتيال ثانٍ» لسليماني، الذي كان سقط في بغداد بقصف صاروخي أميركي في 3 يناير 2020، وهل ستوجَّه طهران أصابع الاتهام لإسرائيل أم لمجموعاتٍ أصولية إرهابية، وسط اعتقادٍ بأنّ من الصعوبة بمكان الفصل بين أضلع «مثلث الموت» الذي ارتسم تباعاً منذ 25 ديسمبر باغتيال القيادي في الحرس الثوري الإيراني، رفيق درب سليماني، رضى موسوي ثم تصفية العاروري في ضاحية «حزب الله»، وليس انتهاءً بتفجيرات كرمان.

ويشي هذا المسار التصعيدي الأخطر بأن رقعةَ التوتر الأعلى تتسع ومعها الاحتمالاتُ المفتوحة على شتى السيناريوات، في ظلّ اعتبار أوساط مطلعة أن حقبةً جديدةً بالكامل دُشنتْ – ربْطاً بالمرحلة الثالثة من حرب غزة – وكان الأبرز في جولتها الأولى ما يشبه «الحزام الناري» الذي يلتفّ حول إيران، التي استُهدفت مباشرةً مرة في دمشق وأخرى على أرضها، وثالثة في «ذراعها الأقوى» أي «حزب الله» الذي تلقى ضربةً في معقله باغتيال العاروري الذي بدا «الوصول إليه» وكأنه «إصابة لعصفورين بحجر»: «حماس» بشطب أحد «المطلوبين رقم واحد» على «لائحة الإعدام» التي تفاخر بها إسرائيل، والحزب الذي اهتزّت بـ «زلزال الضاحية» معادلاتُ الردع التي كان وَضَعهَا واعتقد الجميعُ أنها بمثابة «حزامِ أمانٍ» لقادته كما لـ «صويفه» من قادة فصائل فلسطينية وغير فلسطينية تحتضنها «عاصمته» وقامت على: «ممنوع الاغتيالات لشخصيات من أي جنسية» و«قصف الضاحية خط أحمر».

وقبل أن تجفّ دماءُ ضحايا مذبحة كرمان، لم تتأخّر القراءاتُ بين سطور الاعتداءات المتوالية على عموم ساحات «محور الممانعة» في ربْطها بـ «شيفرةٍ» لم يَعُد من الصعب فكّها وتتمثّل في إصرارٍ اسرائيلي على استدراج إيران و«حزب الله» إلى «محرقة غزة» فتتوحّد الساحات «بالنار» وتالياً بالحلول التي لا بدّ أن تشكل «حمّالةً» تخرج على متنها المنطقة من وضعية الحرب إلى تسويات، تسعى تل أبيب لإرساء أرضيّتها في القطاع المسفوك الدم على قواعد تهجيرية أو تدميرية تجعله «غير قابل للحياة»، وفي جنوب لبنان تحت لافتة القرار 1701، والأرجح مع طهران بما «ينزع أنيابها» التي تَعتبر حكومة بنيامين نتانياهو أنها غُرزت في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر وأنها تحاصرها على جبهتها الشمالية.

نصرالله

ومن هنا، وإذ كانت العيون مشدودةً إلى خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله مساء أمس، باعتبار أنه سيحدّد بوصلة الردّ على اغتيال العاروري ومآلات «مواجهات المشاغَلة» على جبهة الجنوب، سرعان ما تراجَع حَدَثُ الضاحية الجنوبية أمام وَهْجِ الهجوم الدموي في كرمان بأبعاده العميقة التي وَضَعَتْ طهران أمام تحدي إدارة انفجار «كرة نار» في عقر دارها وتحديد المنفّذ وإطار «الثأر الممكن».

ووصف نصرالله اغتيال العاروري بأنه «جريمة خطيرة وكبيرة لا يمكن السكوت عنها، ولن تبقى من دون ردّ وعقاب»، متوجهاً إلى الاسرائيليين «بيننا وبينكم الميدان والأيام والليالي».وقال في خطابه في الذكرى الرابعة لاغتيال قاسم سليماني «ان اغتيال الشيخ صالح العاروري ورفاقه خطير في ذاته كجريمة ولأن العدو ضرب في الضاحية الجنوبية للمرة الأولى منذ 2006، وما أقوله إننا باقون على ما وعدْنا به ولو كان هذا حصل ولم تكن هناك حرب، وأكرر ما جاء في بيان حزب الله بأن الجريمة لن تمرّ من دون عقاب».

ورداً على «التهويل والتهديدات الاسرائيلية أقول، الحرب معنا ستكون مكلفة جداً وتهدد وجود اسرائيل، واذا شُنت الحرب فمقتضى المصلحة الوطنية اللبنانية أن نذهب في الحرب الى الأخير وبلا ضوابط وسقوف وحساب أو قواعد مثل التي تسود الجبهة حتى الساعة والتي اعتمدناها وفق مواءمة بين الرؤية الاستراتيجية وبين المصلحة الوطنية اللبنانية».

تفجير كرمان

وعلى وقع إعلان وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي أنّ «انفجاري كرمان مؤامرة جديدة سترد قواتنا عليها بشكل ساحق وعاجل»، اعتبرت الأوساط المطلعة أن أي تصويبٍ من طهران بالاسم على «الفاعل» وما يرتّبه ذلك من تحديدٍ لآفاق الردّ ودائرته، سيبقى محكوماً بكيفية المواءمة بين قرارٍ برفْض الانجرار إلى حربٍ شاملة تكون فيها إيران طرفاً مباشراً وبين الحاجة إلى وقف مسار تجرؤ متمادٍ عليها ازداد منسوبه منذ 25 ديسمبر وصولاً إلى مجزرة الأمس وقبْلها «الهبوط» في عرين «حزب الله» حليفها الأقوى ونقطة الارتكاز لمحور الممانعة وفيه.

وهذا الاعتبار نفسه، يَحْكم مقاربة «حزب الله» لِما بعد اغتيال العاروري الذي يُخشى أنه بات مترابطاً مع تشظياتِ هجوم كرمان، وهو ما كان عبّر عنه بيان الحرس الثوري تنديداً باغتيال الرجل القوي «مهندس وحدة الساحات»، قبل الجريمة المروّعة في محيط ضريح سليماني، حين أشار إلى «أن الصبر الإستراتيجي للمقاومة وحزب الله، تحت تأثير الآمال والأحلام المشؤومة للكيان الصهيوني وداعميه، لن يَخرج عن فلك العقلانية والمنطق والنظر إلى متطلبات محتلي القدس ومغتصبي فلسطين»، معتبراً «أن اغتيال العاروري جريمة لن تجعل حسابات المقاومة تقع في خطأ إستراتيجي».

وفي حين اثار هذا الموقف – الذي اعتُبر بمثابة «وضع سقف علني» لحدود ردّ «حزب الله» على استهداف العاروري في «حضنه» وأقرب إلى «تغطية» مسبقة لِما سيعلنه نصرالله بوصفه «خياراً إستراتيجياً» – علامات استفهام حول إذا كانت طهران في ذاتها ستلجأ إلى «الصبر الاستراتيجي» بإزاء اعتداء كرمان، وهو ما سيؤشر إليه بدايةً لمَن ستحمّل مسؤولية الهجوم، فإنّ الأوساطَ المطلعة عبّرت عن مخاوف كبرى من الإمعان في حشْر إيران وحلفائها في ملعب النار الذي افتتحته «حماس» بـ «طوفان الأقصى» ولا سيما في ضوء المعاني الـ ما فوق عادية لـ «الجِراح» التي تصيب إيران مباشرة وتتوالى عليها، هي التي سبق ان فاخرتْ بأنها أحكمت النفوذ على 4 عواصم عربية، ناهيك عن دلالاتٍ خطيرة جداً أطلّت من خلف غبار اغتيال العاروري.

ولعلّ أبرز هذه الدلالات تسريب وسائل إعلام إسرائيلية أن عمليةَ الضاحية جاءت عشية لقاء كان مقرَّراً أمس بين العاروري ونصرالله، بما أوحى أن تل أبيب، التي لا يمكن تصوُّر أن تكون نجحت في هذا الاغتيال من دون خرقٍ تقني وبشري، كان بإمكانها تأخير «التنفيذ» حتى ساعة اللقاء وتالياً وضْع الأمين العام لـ «حزب الله» نفسه في دائرة الخطر الشديد، وخصوصاً في ضوء ما كُشف عن أن الشقة التي استُهدف فيها العاروري أول من أمس وتحديداً الطابق الثاني أصيبت بصواريخ ذكية GBU موجّهة بالليزر خارقة للتحصينات (أسقف الاسمنت المُسلّح) وفق ما أوردتْ «قناة الجديد» التي أشارت أيضاً إلى أن العملية نُفذت بطائرة حربيّة وليس بمسيّرة.

وإذ استوجب المشهد المتفجّر من الضاحية الجنوبية إلى كرمان رصداً دقيقاً لاتصالات عبر «الهواتف الحمر» في محاولةٍ لمنْع انزلاق المنطقة إلى الصِدام المدمّر الذي لا تريده الولايات المتحدة التي أفادت تقارير أن إسرائيل لم تبلغها بعملية اغتيال العاروري إلا خلال تنفيذها، فإن مجموعة مؤشرات كانت لاحت بعيد هذا الاغتيال وعكستْ القلق الدولي المتعاظم من «صب الزيت على نار» حرب غزة وإمكان أن تخرج الأمور عن السيطرة بقرار كبير أو خطأ كبير.

وفي هذا الإطار، جاءت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الثلاثاء إسرائيل إلى «تجنب أي سلوك تصعيدي خاصة في لبنان»، وذلك إثر اغتيال العاروري.

وأعلن قصر الإليزيه إثر مكالمة هاتفية أجراها ماكرون بالوزير الإسرائيلي بيني غانتس، عضو مجلس الحرب الوزاري، ان الرئيس الفرنسي شدّد على أنه «ينبغي تجنّب أي سلوك تصعيدي، خصوصاً في لبنان، وأن فرنسا ستستمر في إيصال هذه الرسائل إلى كل الجهات الفاعلة المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر في المنطقة».

وفيما كانت ارتداداتُ استهداف العاروري تطاول الوساطةَ المصرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية حيث نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر قطرية أن مسؤولين مصريين كشفوا لها أن القاهرة أبلغت الحكومة الإسرائيلية بتجميد مشاركتها في هذه الوساطة، فقد بدا من الصعب تقدير ارتدادات مجزرة كرمان التي وقعت على «فالق غزة» وقد توضع «على مقياسٍ» من نوعٍ كاسِر للتوقعات.

التأهب الأمني

وفي موازاة هذه اللوحة البالغة التعقيد، وعلى وقع حال التأهب الأمني داخل إسرائيل وعلى الحدود مع لبنان والإعلان عن «استعدادات خاصة في نجمة داود الحمراء في أنحاء البلاد»، والتي واكبتْها تل ابيب بمحاولة التخفيف من وطأة ضربها في عمق الضاحية للمرة الأولى منذ 2006 بالحديث عن «اننا لا نستهدف لبنان، ولا حزب الله، بل كل من تورط في هجوم 7 أكتوبر»، احتدم الميدان جنوباً وإن ضمن نَسَقٍ رُبط بالمواجهات المستمرة منذ 8 اكتوبر الماضي وليس بمسار «تحمية للأرض» رداً على تصفية العاروري التي أعربت قوة «اليونيفيل» غداتها عن «قلق عميق إزاء أي احتمال للتصعيد قد تكون له عواقب مدمرة على الناس على جانبي الخط الأزرق» مناشدة «جميع الأطراف وقف إطلاق النار، وكذلك نناشد أي محاورين يتمتعون بالنفوذ أن يحثّوا على ضبط النفس».

وكثّف «حزب الله» عملياته ضد مواقع اسرائيلية ومستوطنات في شمال اسرائيل، مستخدماً صواريخ «بركان» وأسلحة أخرى، فيما زاد الطيران المعادي من وتيرة غاراته التي استهدف 11 منها منطقة اللبونة، في حين أفيد أن 3 أشخاص سقطوا في غارة طاولت منزلاً عند الأطراف الشرقيّة لبلدة مركبا، ناهيك عن قصف مدفعي عنيف شمل بلدات عدة.

ساحات المنطقة تهتزّ فوق «فالق غزة»… من الضاحية إلى كرمان؟

المصدر: الراي الكويتية
4 كانون الثاني 2024
– نصرالله: لن يمرّ اغتيال العاروري بلا عقاب وإذا شُنت علينا الحرب فسنذهب إليها بلا ضوابط
– المنطقة في قلب «حرب غير تقليدية» مع المرحلة الثالثة من حرب غزة
– ماذا وراء التسريب الإسرائيلي عن أن العاروري كان على موعد من نصرالله أمس؟
– تقارير عن طائرة حربية نفذت عملية اغتيال بصواريخ موجهة بالليزر
– جبهة الجنوب احتدمت ضمن نسَق «مواجهات المشاغلة» وإن بعيار أثقل

… كأنّها «وحدة ساحاتٍ» في الاستهدافات والاختراقات الأمنية الأخطر، في ما يشبه «الحربَ غير التقليدية» التي اشتعلت على تخوم بركان غزة الذي يُنْذِر تَمَدُّد حممه، من دمشق (في 25 ديسمبر)، مروراً بالضاحية الجنوبية لبيروت (أول من أمس)، وصولاً إلى كرمان الإيرانية أمس بأن المنطقة برمّتها باتت في فوهة الانفجار الكبير.

فبينما كان «حَبْسُ الأنفاس» على أشدّه حيال طبيعة ونوعية ومكان وزمان الردّ «الرادع» من «حزب الله» على «الإنزال» الأمني خلْف كل الخطوط الحمر الذي شكّله خرْقُ إسرائيل عمق الضاحية الجنوبية واغتيالها بضربةٍ جويةٍ موجّهة أحد أبرز «العقول الأمنية» لحركة «حماس» ومهندسي «طوفان الأقصى» صالح العاروري والقيادييْن في «كتائب القسام» سمير فندي (أبو عامر) وعزام الأقرع (أبو عمار)، إضافةً إلى 4 من كوادر الحركة (بينهم 3 لبنانيين)، بدا أن المنطقةَ «ربطتْ الأحزمةَ» مع «الهجوم الإرهابي» الذي استهدفَ مَسيرات كانت تشارك في مراسم إحياء الذكرى الرابعة لاغتيال الجنرال قاسم سليماني في منطقة كرمان وباغتَها تفجيرٌ متعدّد العبوات قرب المقبرة حيث ضريح القائد السابق لفيلق القدس، ما أدى إلى مقتل أكثر من 190 وجرْح عشرات آخَرين.

وإذا كان وقوف إسرائيل وراء اغتيال العاروري أمراً أكيداً، رغم عدم تبنّيه من تل أبيب إلا في شكل غير مباشر وسط إعلانِ رئيس «الموساد» إن «كل مَن كانت له علاقة بأحداث 7 أكتوبر مصيره الموت»، فإن الأنظارَ شخصت على مَن «ضغط على زناد» ما اعتُبر بمثابة «اغتيال ثانٍ» لسليماني، الذي كان سقط في بغداد بقصف صاروخي أميركي في 3 يناير 2020، وهل ستوجَّه طهران أصابع الاتهام لإسرائيل أم لمجموعاتٍ أصولية إرهابية، وسط اعتقادٍ بأنّ من الصعوبة بمكان الفصل بين أضلع «مثلث الموت» الذي ارتسم تباعاً منذ 25 ديسمبر باغتيال القيادي في الحرس الثوري الإيراني، رفيق درب سليماني، رضى موسوي ثم تصفية العاروري في ضاحية «حزب الله»، وليس انتهاءً بتفجيرات كرمان.

ويشي هذا المسار التصعيدي الأخطر بأن رقعةَ التوتر الأعلى تتسع ومعها الاحتمالاتُ المفتوحة على شتى السيناريوات، في ظلّ اعتبار أوساط مطلعة أن حقبةً جديدةً بالكامل دُشنتْ – ربْطاً بالمرحلة الثالثة من حرب غزة – وكان الأبرز في جولتها الأولى ما يشبه «الحزام الناري» الذي يلتفّ حول إيران، التي استُهدفت مباشرةً مرة في دمشق وأخرى على أرضها، وثالثة في «ذراعها الأقوى» أي «حزب الله» الذي تلقى ضربةً في معقله باغتيال العاروري الذي بدا «الوصول إليه» وكأنه «إصابة لعصفورين بحجر»: «حماس» بشطب أحد «المطلوبين رقم واحد» على «لائحة الإعدام» التي تفاخر بها إسرائيل، والحزب الذي اهتزّت بـ «زلزال الضاحية» معادلاتُ الردع التي كان وَضَعهَا واعتقد الجميعُ أنها بمثابة «حزامِ أمانٍ» لقادته كما لـ «صويفه» من قادة فصائل فلسطينية وغير فلسطينية تحتضنها «عاصمته» وقامت على: «ممنوع الاغتيالات لشخصيات من أي جنسية» و«قصف الضاحية خط أحمر».

وقبل أن تجفّ دماءُ ضحايا مذبحة كرمان، لم تتأخّر القراءاتُ بين سطور الاعتداءات المتوالية على عموم ساحات «محور الممانعة» في ربْطها بـ «شيفرةٍ» لم يَعُد من الصعب فكّها وتتمثّل في إصرارٍ اسرائيلي على استدراج إيران و«حزب الله» إلى «محرقة غزة» فتتوحّد الساحات «بالنار» وتالياً بالحلول التي لا بدّ أن تشكل «حمّالةً» تخرج على متنها المنطقة من وضعية الحرب إلى تسويات، تسعى تل أبيب لإرساء أرضيّتها في القطاع المسفوك الدم على قواعد تهجيرية أو تدميرية تجعله «غير قابل للحياة»، وفي جنوب لبنان تحت لافتة القرار 1701، والأرجح مع طهران بما «ينزع أنيابها» التي تَعتبر حكومة بنيامين نتانياهو أنها غُرزت في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر وأنها تحاصرها على جبهتها الشمالية.

نصرالله

ومن هنا، وإذ كانت العيون مشدودةً إلى خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله مساء أمس، باعتبار أنه سيحدّد بوصلة الردّ على اغتيال العاروري ومآلات «مواجهات المشاغَلة» على جبهة الجنوب، سرعان ما تراجَع حَدَثُ الضاحية الجنوبية أمام وَهْجِ الهجوم الدموي في كرمان بأبعاده العميقة التي وَضَعَتْ طهران أمام تحدي إدارة انفجار «كرة نار» في عقر دارها وتحديد المنفّذ وإطار «الثأر الممكن».

ووصف نصرالله اغتيال العاروري بأنه «جريمة خطيرة وكبيرة لا يمكن السكوت عنها، ولن تبقى من دون ردّ وعقاب»، متوجهاً إلى الاسرائيليين «بيننا وبينكم الميدان والأيام والليالي».وقال في خطابه في الذكرى الرابعة لاغتيال قاسم سليماني «ان اغتيال الشيخ صالح العاروري ورفاقه خطير في ذاته كجريمة ولأن العدو ضرب في الضاحية الجنوبية للمرة الأولى منذ 2006، وما أقوله إننا باقون على ما وعدْنا به ولو كان هذا حصل ولم تكن هناك حرب، وأكرر ما جاء في بيان حزب الله بأن الجريمة لن تمرّ من دون عقاب».

ورداً على «التهويل والتهديدات الاسرائيلية أقول، الحرب معنا ستكون مكلفة جداً وتهدد وجود اسرائيل، واذا شُنت الحرب فمقتضى المصلحة الوطنية اللبنانية أن نذهب في الحرب الى الأخير وبلا ضوابط وسقوف وحساب أو قواعد مثل التي تسود الجبهة حتى الساعة والتي اعتمدناها وفق مواءمة بين الرؤية الاستراتيجية وبين المصلحة الوطنية اللبنانية».

تفجير كرمان

وعلى وقع إعلان وزير الداخلية الإيراني أحمد وحيدي أنّ «انفجاري كرمان مؤامرة جديدة سترد قواتنا عليها بشكل ساحق وعاجل»، اعتبرت الأوساط المطلعة أن أي تصويبٍ من طهران بالاسم على «الفاعل» وما يرتّبه ذلك من تحديدٍ لآفاق الردّ ودائرته، سيبقى محكوماً بكيفية المواءمة بين قرارٍ برفْض الانجرار إلى حربٍ شاملة تكون فيها إيران طرفاً مباشراً وبين الحاجة إلى وقف مسار تجرؤ متمادٍ عليها ازداد منسوبه منذ 25 ديسمبر وصولاً إلى مجزرة الأمس وقبْلها «الهبوط» في عرين «حزب الله» حليفها الأقوى ونقطة الارتكاز لمحور الممانعة وفيه.

وهذا الاعتبار نفسه، يَحْكم مقاربة «حزب الله» لِما بعد اغتيال العاروري الذي يُخشى أنه بات مترابطاً مع تشظياتِ هجوم كرمان، وهو ما كان عبّر عنه بيان الحرس الثوري تنديداً باغتيال الرجل القوي «مهندس وحدة الساحات»، قبل الجريمة المروّعة في محيط ضريح سليماني، حين أشار إلى «أن الصبر الإستراتيجي للمقاومة وحزب الله، تحت تأثير الآمال والأحلام المشؤومة للكيان الصهيوني وداعميه، لن يَخرج عن فلك العقلانية والمنطق والنظر إلى متطلبات محتلي القدس ومغتصبي فلسطين»، معتبراً «أن اغتيال العاروري جريمة لن تجعل حسابات المقاومة تقع في خطأ إستراتيجي».

وفي حين اثار هذا الموقف – الذي اعتُبر بمثابة «وضع سقف علني» لحدود ردّ «حزب الله» على استهداف العاروري في «حضنه» وأقرب إلى «تغطية» مسبقة لِما سيعلنه نصرالله بوصفه «خياراً إستراتيجياً» – علامات استفهام حول إذا كانت طهران في ذاتها ستلجأ إلى «الصبر الاستراتيجي» بإزاء اعتداء كرمان، وهو ما سيؤشر إليه بدايةً لمَن ستحمّل مسؤولية الهجوم، فإنّ الأوساطَ المطلعة عبّرت عن مخاوف كبرى من الإمعان في حشْر إيران وحلفائها في ملعب النار الذي افتتحته «حماس» بـ «طوفان الأقصى» ولا سيما في ضوء المعاني الـ ما فوق عادية لـ «الجِراح» التي تصيب إيران مباشرة وتتوالى عليها، هي التي سبق ان فاخرتْ بأنها أحكمت النفوذ على 4 عواصم عربية، ناهيك عن دلالاتٍ خطيرة جداً أطلّت من خلف غبار اغتيال العاروري.

ولعلّ أبرز هذه الدلالات تسريب وسائل إعلام إسرائيلية أن عمليةَ الضاحية جاءت عشية لقاء كان مقرَّراً أمس بين العاروري ونصرالله، بما أوحى أن تل أبيب، التي لا يمكن تصوُّر أن تكون نجحت في هذا الاغتيال من دون خرقٍ تقني وبشري، كان بإمكانها تأخير «التنفيذ» حتى ساعة اللقاء وتالياً وضْع الأمين العام لـ «حزب الله» نفسه في دائرة الخطر الشديد، وخصوصاً في ضوء ما كُشف عن أن الشقة التي استُهدف فيها العاروري أول من أمس وتحديداً الطابق الثاني أصيبت بصواريخ ذكية GBU موجّهة بالليزر خارقة للتحصينات (أسقف الاسمنت المُسلّح) وفق ما أوردتْ «قناة الجديد» التي أشارت أيضاً إلى أن العملية نُفذت بطائرة حربيّة وليس بمسيّرة.

وإذ استوجب المشهد المتفجّر من الضاحية الجنوبية إلى كرمان رصداً دقيقاً لاتصالات عبر «الهواتف الحمر» في محاولةٍ لمنْع انزلاق المنطقة إلى الصِدام المدمّر الذي لا تريده الولايات المتحدة التي أفادت تقارير أن إسرائيل لم تبلغها بعملية اغتيال العاروري إلا خلال تنفيذها، فإن مجموعة مؤشرات كانت لاحت بعيد هذا الاغتيال وعكستْ القلق الدولي المتعاظم من «صب الزيت على نار» حرب غزة وإمكان أن تخرج الأمور عن السيطرة بقرار كبير أو خطأ كبير.

وفي هذا الإطار، جاءت دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الثلاثاء إسرائيل إلى «تجنب أي سلوك تصعيدي خاصة في لبنان»، وذلك إثر اغتيال العاروري.

وأعلن قصر الإليزيه إثر مكالمة هاتفية أجراها ماكرون بالوزير الإسرائيلي بيني غانتس، عضو مجلس الحرب الوزاري، ان الرئيس الفرنسي شدّد على أنه «ينبغي تجنّب أي سلوك تصعيدي، خصوصاً في لبنان، وأن فرنسا ستستمر في إيصال هذه الرسائل إلى كل الجهات الفاعلة المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر في المنطقة».

وفيما كانت ارتداداتُ استهداف العاروري تطاول الوساطةَ المصرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية حيث نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر قطرية أن مسؤولين مصريين كشفوا لها أن القاهرة أبلغت الحكومة الإسرائيلية بتجميد مشاركتها في هذه الوساطة، فقد بدا من الصعب تقدير ارتدادات مجزرة كرمان التي وقعت على «فالق غزة» وقد توضع «على مقياسٍ» من نوعٍ كاسِر للتوقعات.

التأهب الأمني

وفي موازاة هذه اللوحة البالغة التعقيد، وعلى وقع حال التأهب الأمني داخل إسرائيل وعلى الحدود مع لبنان والإعلان عن «استعدادات خاصة في نجمة داود الحمراء في أنحاء البلاد»، والتي واكبتْها تل ابيب بمحاولة التخفيف من وطأة ضربها في عمق الضاحية للمرة الأولى منذ 2006 بالحديث عن «اننا لا نستهدف لبنان، ولا حزب الله، بل كل من تورط في هجوم 7 أكتوبر»، احتدم الميدان جنوباً وإن ضمن نَسَقٍ رُبط بالمواجهات المستمرة منذ 8 اكتوبر الماضي وليس بمسار «تحمية للأرض» رداً على تصفية العاروري التي أعربت قوة «اليونيفيل» غداتها عن «قلق عميق إزاء أي احتمال للتصعيد قد تكون له عواقب مدمرة على الناس على جانبي الخط الأزرق» مناشدة «جميع الأطراف وقف إطلاق النار، وكذلك نناشد أي محاورين يتمتعون بالنفوذ أن يحثّوا على ضبط النفس».

وكثّف «حزب الله» عملياته ضد مواقع اسرائيلية ومستوطنات في شمال اسرائيل، مستخدماً صواريخ «بركان» وأسلحة أخرى، فيما زاد الطيران المعادي من وتيرة غاراته التي استهدف 11 منها منطقة اللبونة، في حين أفيد أن 3 أشخاص سقطوا في غارة طاولت منزلاً عند الأطراف الشرقيّة لبلدة مركبا، ناهيك عن قصف مدفعي عنيف شمل بلدات عدة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار