لماذا يُجهَّل المسؤول عن عملية رويسات العلم حتى الآن؟

نموذج جديد من المواجهات على الحدود يبدو أنها انطلقت أخيراً من تلال كفرشوبا من عناوينها العريضة:
– إظهار أن هناك مجموعات مقاتلة “مستقلة – شبحية” بدأت تشق طريقها وتأخذ دورها في المنطقة الحدودية استعداداً لجولات جديدة من المواجهات.
– تجهيل الفاعل أو إبقاؤه كحالة شبحية يتعيّن على العدوّ إعمال عقله لكي يفك طلاسمها.
هذا التطور الجديد ظهر الأحد الماضي بعدما كان الإعلام الإسرائيلي يسرّب تدريجاً أنباءً أولية عن مواجهات تدور في تلال كفرشوبا على مقربة من الموقع المعروف باسم رويسات العلم أو جبل الروس الذي تطلق عليه إسرائيل اسم جبل هار دوف، وهو الموقع الذي سبق أن هاجمه “حزب الله” صبيحة الثامن من تشرين الأول الماضي. وفي ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد انتظر المتابعون بيانات من “حزب الله” أو من حركتي “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” تكشف ملابسات الحدث وتلقي الأضواء عليه. ولكن بياناً بُثّ باسم “كتائب العز الإسلامية” تتبنّى هذه العملية ويتحدّث عن مواجهات خاضتها لساعات مجموعة من خمسة مقاتلين نجحت في خرق الإجراءات الإسرائيلية مستغلة المناخ الشتوي الحاجب للرؤية، واقتربت الى مسافة صفر من الموقع مشتبكة مع حاميته. وحسب البيان انتهت تلك المواجهة بسقوط ثلاثة من عناصر المجموعة وعودة الآخرين الى مواقعهما في الداخل.
وعلى الأثر انطلقت عملية البحث عن الجهة التي تنتمي إليها تلك المجموعة، انطلاقاً من اعتبارين:
الأول أن الموقع المستهدف حصين جداً وهو واحد من أربعة مواقع استراتيجية إسرائيلية في مزارع شبعا وأعالي العرقوب.
الثاني أن بلوغ ذلك الموقع يحتاج الى احتراف عسكري ولا يمكن أن يفلح هواة أو مبتدئون في تخطي الإجراءات والحواجز الإسرائيلية.
ولكن ما حصل أن عمّم بيان باسم مجموعة جديدة تعلن عن نفسها للمرة الأولى وهي “كتائب العز الإسلامية”. وسرعان ما ذهبت الظنون باتجاه حركتي “حماس” “والجهاد” لأن لهما سوابق في مجال منازلة الاحتلال عبر الحدود الجنوبية، ولأن الحزب ما اعتاد إخفاء دوره وحضوره عبر اسم حركي ولا مصلحة له في ذلك وهو الذي يتولى علانية قيادة المواجهات على الحدود.
وما لبث أن ظهر بيان تداولته بعض المواقع الإخبارية يعلن تبنّي “حماس” للعملية ويذكر أنها أتت انتقاماً أولياً لاغتيال القيادي فيها الشيخ صالح العاروري.
ولكن حماس نفت لـ”النهار ” في اتصال مع الناطق بلسانها في بيروت جهاد طه أن يكون صدر عنها رسمياً بيان ينطوي على هذا المضمون، علماً بأن النفي أتى متأخراً.
ولاحقاً أيضاً توجّهت الأنظار نحو مخيّم عين الحلوة بالقرب من صيدا، الذي ما زال مأوى لمجموعات فلسطينية مقاتلة، مفترضة أنه سيكون مكان تشييع جثامين العناصر الثلاثة أو مكان إقامة بيت العزاء فيهم، لكن ذلك لم يحصل، فيما كانت المجموعات المتشدّدة المقيمة في بعض أحياء المخيّم تنفي أيضاً علاقتها بتلك العملية، وعلى رغم مرور أربعة أيام على تاريخ وقوع العملية لم يكشف أحد عن مصير جثامين المقاتلين الثلاثة وهل تم سحبها أم ما زالت في أرض المعركة، واستطراداً لم تظهر أي جهة لبنانية أو فلسطينية تتبنّى العملية.
وما زاد عنصر الغموض والمفاجأة أن تجهيل الجهة المنفّذة للعملية يأتي في وقت يشهد تسابقاً بين القوى والفصائل على تبنّي الهجمات على مواقع الاحتلال والاشتباك مع حامياتها. وحسب الوقائع المستقاة من أكثر من جهة معنيّة بالأمر، فالظاهر أن الجانب الفلسطيني تعمّد منذ فترة التخفيف من “ثقل” حضوره على المشهد الحدودي اللبناني ويتعمّد النأي بنفسه قدر الإمكان عن هذا المشهد الملتهب تحاشياً لمزيد من “التنديد” الداخلي اللبناني بهذا الحضور والتداعيات المتأتية عنه وهذا على ما يبدو جزء من نهج جديد سيُحتذى من الآن فصاعداً.
المعلوم أن حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” نفذتا منذ اندلاع الأحداث على الحدود الجنوبية أكثر من 20 عملية هي عبارة عن عمليات تسلل الى الداخل (6 عمليات) نجحت واحدة منها قامت بها الجهاد واستهدفت الموقع المقابل للضهيرة الحدودية (برانيت) وأدّت الى مقتل جنديين إسرائيليين إضافة الى عمليات قصف للمواقع واشتباك مع الحاميات. وقد قدّمتا في هذا السياق ما لا يقل عن ثلاثين عنصراً سقطوا في محطات معيّنة.
وهذا ما دفع بعض القوى ووسائل الإعلام الى التركيز على الدور الفلسطيني من جهة وإعادة الذاكرة الى مرحلة نهاية عقد الستينيات وبداية عقد السبعينيات من القرن الماضي عندما اقتحم العامل الفلسطيني المعادلة اللبنانية الداخلية الهشّة وزاد في احتقانها وتأجّجها الى حين انفجرت الحرب، وقد حُمّل هذا العامل الجزء الأساس من مسؤوليتها. وفي الوقت عينه بدأت سهام الاتهام توجَّه الى “حزب الله” باعتباره المسؤول الأول عن كل اختراق فلسطيني للميدان الجنوبي انطلاقاً من فرضية أن لا حركة ولا سكون في الجنوب إلا بأمر من الحزب أو بمعرفة منه أو تنسيق معه.
وليس خافياً أن الهواجس والمخاوف ارتفعت أخيراً بعد التشييع الحاشد لجثمان العاروري في محلة الطريق الجديدة ما أعاد الأذهان الى مشهد تشييع القادة الفلسطينيين الثلاثة (أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر) عام 1973 الذين اغتالهم حينذاك كوماندوس إسرائيلي تسلّل بحراً الى أماكن سكنهم في محلة فردان.
وبناءً على كل هذه المعطيات فإن ثمة معلومات عن توصّل الحزب وحلفائه الفلسطينيين الى اقتناع جوهرها الآتي:
– الحد من ظهور العامل الفلسطيني على جبهة الحدود لكي لا يجذب الأنظار ويصير هو القضيّة وليس العدوان الإسرائيلي.
– وبناءً على ذلك ظهر القيادي في حركة حماس ليعلن أن الحركة هي من يتعهد الانتقام للعاروري ولا تنتظر أي جهة تحمّل هذه المسؤولية.
– التأكيد أن الحزب الذي يتولّى المعركة على الحدود ما زال يمتلك المزيد من القدرة على إنتاج المفاجآت.
– فضلاً عن ذلك فإن الحزب ومن والاه يريد أيضاً أن يظهر أن ثمة مواكب أجيال تنتظر أن تأخذ دورها في المواجهات وأن الأمر لن يتوقف عنده.
وفي كل الأحوال يرفض الحزب وحتى “حماس” وآخرون أن يردّوا على الذين يسألونهم عمّن يقف وراء تلك العملية الشبحية ومدى علاقتهم بها بإجابة واحدة وهي “لسنا حرس حدود لإسرائيل ولسنا معنيّين بتقديم كشف حساب عمّن قرّر الانخراط في المواجهة”.
لماذا يُجهَّل المسؤول عن عملية رويسات العلم حتى الآن؟

نموذج جديد من المواجهات على الحدود يبدو أنها انطلقت أخيراً من تلال كفرشوبا من عناوينها العريضة:
– إظهار أن هناك مجموعات مقاتلة “مستقلة – شبحية” بدأت تشق طريقها وتأخذ دورها في المنطقة الحدودية استعداداً لجولات جديدة من المواجهات.
– تجهيل الفاعل أو إبقاؤه كحالة شبحية يتعيّن على العدوّ إعمال عقله لكي يفك طلاسمها.
هذا التطور الجديد ظهر الأحد الماضي بعدما كان الإعلام الإسرائيلي يسرّب تدريجاً أنباءً أولية عن مواجهات تدور في تلال كفرشوبا على مقربة من الموقع المعروف باسم رويسات العلم أو جبل الروس الذي تطلق عليه إسرائيل اسم جبل هار دوف، وهو الموقع الذي سبق أن هاجمه “حزب الله” صبيحة الثامن من تشرين الأول الماضي. وفي ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد انتظر المتابعون بيانات من “حزب الله” أو من حركتي “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” تكشف ملابسات الحدث وتلقي الأضواء عليه. ولكن بياناً بُثّ باسم “كتائب العز الإسلامية” تتبنّى هذه العملية ويتحدّث عن مواجهات خاضتها لساعات مجموعة من خمسة مقاتلين نجحت في خرق الإجراءات الإسرائيلية مستغلة المناخ الشتوي الحاجب للرؤية، واقتربت الى مسافة صفر من الموقع مشتبكة مع حاميته. وحسب البيان انتهت تلك المواجهة بسقوط ثلاثة من عناصر المجموعة وعودة الآخرين الى مواقعهما في الداخل.
وعلى الأثر انطلقت عملية البحث عن الجهة التي تنتمي إليها تلك المجموعة، انطلاقاً من اعتبارين:
الأول أن الموقع المستهدف حصين جداً وهو واحد من أربعة مواقع استراتيجية إسرائيلية في مزارع شبعا وأعالي العرقوب.
الثاني أن بلوغ ذلك الموقع يحتاج الى احتراف عسكري ولا يمكن أن يفلح هواة أو مبتدئون في تخطي الإجراءات والحواجز الإسرائيلية.
ولكن ما حصل أن عمّم بيان باسم مجموعة جديدة تعلن عن نفسها للمرة الأولى وهي “كتائب العز الإسلامية”. وسرعان ما ذهبت الظنون باتجاه حركتي “حماس” “والجهاد” لأن لهما سوابق في مجال منازلة الاحتلال عبر الحدود الجنوبية، ولأن الحزب ما اعتاد إخفاء دوره وحضوره عبر اسم حركي ولا مصلحة له في ذلك وهو الذي يتولى علانية قيادة المواجهات على الحدود.
وما لبث أن ظهر بيان تداولته بعض المواقع الإخبارية يعلن تبنّي “حماس” للعملية ويذكر أنها أتت انتقاماً أولياً لاغتيال القيادي فيها الشيخ صالح العاروري.
ولكن حماس نفت لـ”النهار ” في اتصال مع الناطق بلسانها في بيروت جهاد طه أن يكون صدر عنها رسمياً بيان ينطوي على هذا المضمون، علماً بأن النفي أتى متأخراً.
ولاحقاً أيضاً توجّهت الأنظار نحو مخيّم عين الحلوة بالقرب من صيدا، الذي ما زال مأوى لمجموعات فلسطينية مقاتلة، مفترضة أنه سيكون مكان تشييع جثامين العناصر الثلاثة أو مكان إقامة بيت العزاء فيهم، لكن ذلك لم يحصل، فيما كانت المجموعات المتشدّدة المقيمة في بعض أحياء المخيّم تنفي أيضاً علاقتها بتلك العملية، وعلى رغم مرور أربعة أيام على تاريخ وقوع العملية لم يكشف أحد عن مصير جثامين المقاتلين الثلاثة وهل تم سحبها أم ما زالت في أرض المعركة، واستطراداً لم تظهر أي جهة لبنانية أو فلسطينية تتبنّى العملية.
وما زاد عنصر الغموض والمفاجأة أن تجهيل الجهة المنفّذة للعملية يأتي في وقت يشهد تسابقاً بين القوى والفصائل على تبنّي الهجمات على مواقع الاحتلال والاشتباك مع حامياتها. وحسب الوقائع المستقاة من أكثر من جهة معنيّة بالأمر، فالظاهر أن الجانب الفلسطيني تعمّد منذ فترة التخفيف من “ثقل” حضوره على المشهد الحدودي اللبناني ويتعمّد النأي بنفسه قدر الإمكان عن هذا المشهد الملتهب تحاشياً لمزيد من “التنديد” الداخلي اللبناني بهذا الحضور والتداعيات المتأتية عنه وهذا على ما يبدو جزء من نهج جديد سيُحتذى من الآن فصاعداً.
المعلوم أن حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” نفذتا منذ اندلاع الأحداث على الحدود الجنوبية أكثر من 20 عملية هي عبارة عن عمليات تسلل الى الداخل (6 عمليات) نجحت واحدة منها قامت بها الجهاد واستهدفت الموقع المقابل للضهيرة الحدودية (برانيت) وأدّت الى مقتل جنديين إسرائيليين إضافة الى عمليات قصف للمواقع واشتباك مع الحاميات. وقد قدّمتا في هذا السياق ما لا يقل عن ثلاثين عنصراً سقطوا في محطات معيّنة.
وهذا ما دفع بعض القوى ووسائل الإعلام الى التركيز على الدور الفلسطيني من جهة وإعادة الذاكرة الى مرحلة نهاية عقد الستينيات وبداية عقد السبعينيات من القرن الماضي عندما اقتحم العامل الفلسطيني المعادلة اللبنانية الداخلية الهشّة وزاد في احتقانها وتأجّجها الى حين انفجرت الحرب، وقد حُمّل هذا العامل الجزء الأساس من مسؤوليتها. وفي الوقت عينه بدأت سهام الاتهام توجَّه الى “حزب الله” باعتباره المسؤول الأول عن كل اختراق فلسطيني للميدان الجنوبي انطلاقاً من فرضية أن لا حركة ولا سكون في الجنوب إلا بأمر من الحزب أو بمعرفة منه أو تنسيق معه.
وليس خافياً أن الهواجس والمخاوف ارتفعت أخيراً بعد التشييع الحاشد لجثمان العاروري في محلة الطريق الجديدة ما أعاد الأذهان الى مشهد تشييع القادة الفلسطينيين الثلاثة (أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر) عام 1973 الذين اغتالهم حينذاك كوماندوس إسرائيلي تسلّل بحراً الى أماكن سكنهم في محلة فردان.
وبناءً على كل هذه المعطيات فإن ثمة معلومات عن توصّل الحزب وحلفائه الفلسطينيين الى اقتناع جوهرها الآتي:
– الحد من ظهور العامل الفلسطيني على جبهة الحدود لكي لا يجذب الأنظار ويصير هو القضيّة وليس العدوان الإسرائيلي.
– وبناءً على ذلك ظهر القيادي في حركة حماس ليعلن أن الحركة هي من يتعهد الانتقام للعاروري ولا تنتظر أي جهة تحمّل هذه المسؤولية.
– التأكيد أن الحزب الذي يتولّى المعركة على الحدود ما زال يمتلك المزيد من القدرة على إنتاج المفاجآت.
– فضلاً عن ذلك فإن الحزب ومن والاه يريد أيضاً أن يظهر أن ثمة مواكب أجيال تنتظر أن تأخذ دورها في المواجهات وأن الأمر لن يتوقف عنده.
وفي كل الأحوال يرفض الحزب وحتى “حماس” وآخرون أن يردّوا على الذين يسألونهم عمّن يقف وراء تلك العملية الشبحية ومدى علاقتهم بها بإجابة واحدة وهي “لسنا حرس حدود لإسرائيل ولسنا معنيّين بتقديم كشف حساب عمّن قرّر الانخراط في المواجهة”.










