ميقاتي المتناغم مع “الحزب” يردّ على منتقديه هل يُقحم الدولة أيضاً في الحرب؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
19 كانون الثاني 2024

ليس غريباً ان يتبنى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وجهة نظر “حزب الله” في رفض الحرب الاسرائيلية في غزة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من وجدان عروبي سنّي رافق القضية الفلسطينية على مدى عقود، ولكن ان يتماهى من موقعه على رأس السلطة التنفيذية مع قرار “الحزب” الرافض لفصل المسار اللبناني عن المسار الفلسطيني، وربط الساحة الجنوبية بساحة غزة، وذلك بعد مرور ثلاثة اشهر على اندلاع “طوفان الأقصى”، فالأمر يستحق التوقف عنده، خصوصاً ان مواقف ميقاتي في بداية الحرب كانت مغايرة، وعلى طريقة لا حول ولا قوة طالما ان قرار السلم والحرب ليس في يد حكومته.
فلبنان ليس جزيرة كوراساو التي استشهد بها ميقاتي في إطلالة تلفزيونية له قبل اسابيع، وشعبه لا يعيش هناك حتماً، ولكنه يبقى في تعاطي الاسرة الدولية والأممية بلداً ذا سيادة، وبالتالي غير مخطوف الإرادة، كما بدا من كلام رئيس حكومته، وإنْ كان في ذلك الكلام اعترافٌ بواقع تعجز الحكومة عن مواجهته.

أما التحول المثير إلى موقف يتماهى في الكامل مع قرار “الحزب”، واُطلِق في جلسة لمجلس الوزراء، ما يضفي عليه الصفة الرسمية وينزع عنه أي صفة شخصية يمكن ان تُبرر لميقاتي قوله، فهذا استدعى من الأوساط السياسية والديبلوماسية التوقف عنده للوقوف عند خلفياته في مرحلة دقيقة جداً حيث يرتفع قرع طبول الحرب في السباق القائم مع الجهود الديبلوماسية لاحتواء أي تفلّت أو انزلاق يمكن ان يحصل عمداً أو عن غير قصد.

فالكلام الاخير لميقاتي وفق اوساط سياسية اسقط سياسة النأي بالنفس التي كان بطلها ومارسها على مدى حكومتين ترأسهما، والأخطر في رأيها، انه وضع لبنان الدولة والمؤسسات في خندق واحد مع “الحزب” ومع حركة “حماس” في حربهما على إسرائيل، ما يمكن ان يعطي الذريعة والمبرر للأخيرة في اي خطوة تقدِم عليها في المرحلة المقبلة، بحيث لا يعود الاستهداف مقتصراً على “الحزب” ومواقعه وانما ايضاً على الدولة ومقوماتها، بما فيها ربما المؤسسة العسكرية.

ولا يمكن هنا تجاهل التصعيد في التهديدات الاسرائيلية وآخرها ما نُقل عن رئيس الأركان في الجيش الاسرائيلي اول من امس عن ان احتمال حدوث حرب على لبنان في الأشهر المقبلة اعلى بكثير مما كان عليه سابقاً. ولعل هذا اكثر ما يخشاه الموفدون الدوليون الذين ينقلون التحذيرات الجدية والخطيرة بان لبنان بات في مرحلة متقدمة جداً في الحرب مع إسرائيل، وان أي خطأ في التكتيك او سوء تقدير يمكن ان يشعل الحرب في وجهها الاوسع.

والسؤال: ما الذي دفع ميقاتي إلى الخروج عن موقفه ورفع السقف إلى هذا الحد، وهل للتفسيرات القائلة بأنه في رهان على حفظ مكان له في مرحلة ما بعد غزة، ما يبررها، ام ان ثمة لدى الرجل معطيات او قراءة او مقاربة مختلفة لتلك التفسيرات، تبرر له سقفه العالي؟
لا يبدو الرجل مرتاحاً للتفسيرات التي أعطيت لكلامه، على ما ينقل عنه زواره. وهو في رأيه، لم يغير في مواقفه منذ بداية الحرب. وتزايد الانتقادات لكلامه الأخير في مجلس الوزراء دفعه إلى اصدار رد مسهب بالتواريخ والمحطات يذكّر فيه بتسلسل تلك المواقف وثباتها، لا سيما لجهة تعبيره الدائم عن خشيته من فوضى امنية ليس فقط في لبنان بل في المنطقة في حال عدم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، وان وقف النار يكتسب اهمية للانطلاق في حل مستدام ومنصف بالطرق الديبلوماسية بعيداً من المعارك. كما انه حرص في آخر اطلالاته الاعلامية من دافوس على توضيح موقفه بقوله انه كان دائماً يسعى من اجل اعتماد الحل الديبلوماسي، مستنداً إلى ما سمعه من الامين العام لـ”حزب الله” عن وجود فرصة لايجاد حل للاستقرار في الجنوب.

ويجدد ميقاتي دائماً التأكيد على التزام لبنان بالقرارات الدولية، لكنه لا يغفل القول بأن وقف اطلاق النار في غزة هو حجر الزاوية لبداية كل الحوارات، اي بما يعني ان لا حل أو حوار في الشأن اللبناني قبل وقف النار في غزة، أي لا يزال الملف اللبناني مرتبطاً بالحل في غزة، ليعود فيستطرد بأن لبنان يجب ان يكون بعيداً من اي صراع وان قرار السلم في يد الدولة اللبنانية والحرب خسارة للجميع.

واذا كان ميقاتي خلص في رده إلى ان مواقفه تندرج في سياق موقف متكامل واضح المقصد والرؤية، واي اجتزاء او تشويه له لا يلغي الحقيقة الثابتة بأن مدخل الحل لكل أزمات المنطقة هو في ارساء الحل العادل للقضية الفلسطينية، فإن الاوساط ترى في هذا الموقف ان ميقاتي يحاول ان يجمع ما بين ما يريده “الحزب” ويرفضه جزء واسع من اللبنانيين، وبين ما يرضي الغرب لجهة النأي عن الصراع والتزام القرارات الدولية، رغم تعذّر الجمع بين الأمرين في المرحلة التي بلغتها الحرب والانغماس الكامل لـ”الحزب” فيها.

ميقاتي المتناغم مع “الحزب” يردّ على منتقديه هل يُقحم الدولة أيضاً في الحرب؟

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
19 كانون الثاني 2024

ليس غريباً ان يتبنى رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وجهة نظر “حزب الله” في رفض الحرب الاسرائيلية في غزة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني، انطلاقاً من وجدان عروبي سنّي رافق القضية الفلسطينية على مدى عقود، ولكن ان يتماهى من موقعه على رأس السلطة التنفيذية مع قرار “الحزب” الرافض لفصل المسار اللبناني عن المسار الفلسطيني، وربط الساحة الجنوبية بساحة غزة، وذلك بعد مرور ثلاثة اشهر على اندلاع “طوفان الأقصى”، فالأمر يستحق التوقف عنده، خصوصاً ان مواقف ميقاتي في بداية الحرب كانت مغايرة، وعلى طريقة لا حول ولا قوة طالما ان قرار السلم والحرب ليس في يد حكومته.
فلبنان ليس جزيرة كوراساو التي استشهد بها ميقاتي في إطلالة تلفزيونية له قبل اسابيع، وشعبه لا يعيش هناك حتماً، ولكنه يبقى في تعاطي الاسرة الدولية والأممية بلداً ذا سيادة، وبالتالي غير مخطوف الإرادة، كما بدا من كلام رئيس حكومته، وإنْ كان في ذلك الكلام اعترافٌ بواقع تعجز الحكومة عن مواجهته.

أما التحول المثير إلى موقف يتماهى في الكامل مع قرار “الحزب”، واُطلِق في جلسة لمجلس الوزراء، ما يضفي عليه الصفة الرسمية وينزع عنه أي صفة شخصية يمكن ان تُبرر لميقاتي قوله، فهذا استدعى من الأوساط السياسية والديبلوماسية التوقف عنده للوقوف عند خلفياته في مرحلة دقيقة جداً حيث يرتفع قرع طبول الحرب في السباق القائم مع الجهود الديبلوماسية لاحتواء أي تفلّت أو انزلاق يمكن ان يحصل عمداً أو عن غير قصد.

فالكلام الاخير لميقاتي وفق اوساط سياسية اسقط سياسة النأي بالنفس التي كان بطلها ومارسها على مدى حكومتين ترأسهما، والأخطر في رأيها، انه وضع لبنان الدولة والمؤسسات في خندق واحد مع “الحزب” ومع حركة “حماس” في حربهما على إسرائيل، ما يمكن ان يعطي الذريعة والمبرر للأخيرة في اي خطوة تقدِم عليها في المرحلة المقبلة، بحيث لا يعود الاستهداف مقتصراً على “الحزب” ومواقعه وانما ايضاً على الدولة ومقوماتها، بما فيها ربما المؤسسة العسكرية.

ولا يمكن هنا تجاهل التصعيد في التهديدات الاسرائيلية وآخرها ما نُقل عن رئيس الأركان في الجيش الاسرائيلي اول من امس عن ان احتمال حدوث حرب على لبنان في الأشهر المقبلة اعلى بكثير مما كان عليه سابقاً. ولعل هذا اكثر ما يخشاه الموفدون الدوليون الذين ينقلون التحذيرات الجدية والخطيرة بان لبنان بات في مرحلة متقدمة جداً في الحرب مع إسرائيل، وان أي خطأ في التكتيك او سوء تقدير يمكن ان يشعل الحرب في وجهها الاوسع.

والسؤال: ما الذي دفع ميقاتي إلى الخروج عن موقفه ورفع السقف إلى هذا الحد، وهل للتفسيرات القائلة بأنه في رهان على حفظ مكان له في مرحلة ما بعد غزة، ما يبررها، ام ان ثمة لدى الرجل معطيات او قراءة او مقاربة مختلفة لتلك التفسيرات، تبرر له سقفه العالي؟
لا يبدو الرجل مرتاحاً للتفسيرات التي أعطيت لكلامه، على ما ينقل عنه زواره. وهو في رأيه، لم يغير في مواقفه منذ بداية الحرب. وتزايد الانتقادات لكلامه الأخير في مجلس الوزراء دفعه إلى اصدار رد مسهب بالتواريخ والمحطات يذكّر فيه بتسلسل تلك المواقف وثباتها، لا سيما لجهة تعبيره الدائم عن خشيته من فوضى امنية ليس فقط في لبنان بل في المنطقة في حال عدم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، وان وقف النار يكتسب اهمية للانطلاق في حل مستدام ومنصف بالطرق الديبلوماسية بعيداً من المعارك. كما انه حرص في آخر اطلالاته الاعلامية من دافوس على توضيح موقفه بقوله انه كان دائماً يسعى من اجل اعتماد الحل الديبلوماسي، مستنداً إلى ما سمعه من الامين العام لـ”حزب الله” عن وجود فرصة لايجاد حل للاستقرار في الجنوب.

ويجدد ميقاتي دائماً التأكيد على التزام لبنان بالقرارات الدولية، لكنه لا يغفل القول بأن وقف اطلاق النار في غزة هو حجر الزاوية لبداية كل الحوارات، اي بما يعني ان لا حل أو حوار في الشأن اللبناني قبل وقف النار في غزة، أي لا يزال الملف اللبناني مرتبطاً بالحل في غزة، ليعود فيستطرد بأن لبنان يجب ان يكون بعيداً من اي صراع وان قرار السلم في يد الدولة اللبنانية والحرب خسارة للجميع.

واذا كان ميقاتي خلص في رده إلى ان مواقفه تندرج في سياق موقف متكامل واضح المقصد والرؤية، واي اجتزاء او تشويه له لا يلغي الحقيقة الثابتة بأن مدخل الحل لكل أزمات المنطقة هو في ارساء الحل العادل للقضية الفلسطينية، فإن الاوساط ترى في هذا الموقف ان ميقاتي يحاول ان يجمع ما بين ما يريده “الحزب” ويرفضه جزء واسع من اللبنانيين، وبين ما يرضي الغرب لجهة النأي عن الصراع والتزام القرارات الدولية، رغم تعذّر الجمع بين الأمرين في المرحلة التي بلغتها الحرب والانغماس الكامل لـ”الحزب” فيها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار