المسيحيون غائبون وغير مغيّبين و”القوات” تحفر جبل العودة بإبرة

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
22 كانون الثاني 2024

لا يكفي ان تتذرع المكونات المسيحية على اختلافها بأنها لا تقصّر في رفع الصوت عاليًا في وجه الحالة الشاذة التي يشهدها لبنان بسبب شغور موقع الرئاسة الاولى الناجم عن استمرار تعطيل عقد جلسة الانتخاب، أو في وجه التطورات الدراماتيكية على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية المنذرة بانزلاق خطير نحو حرب تتجاوز الساحة الجنوبية، أو حتى في وجه التجاوز الحاصل لصلاحيات رئيس الجمهورية في عمل مجلس وزراء مستقيل تنحصر صلاحياته في تصريف الاعمال. ذلك ان ما تعتبره هذه المكونات انه تعبير عن رفض الممارسات الحاصلة وادانة للمواقف منها، أو أنه كافٍ لمواجهة الوضع القائم، فهذا لا يلغي حقيقة ان هذه القوى باتت بأدائها تقف متفرجة على ما يحصل، مفتقدة أي دور أو مشاركة تتيح لها المساهمة في صنع القرار.

فحزب “القوات اللبنانية” الذي يملك اكبر تكتل نيابي مسيحي خالص، هو خارج السلطة التنفيذية بقرار منه، وهو، منذ شغور الرئاسة، يمتنع عن ممارسة دوره التشريعي انطلاقاً من رفضه التشريع في غياب رئيس الجمهورية، باستثناء مشاركة وحيدة اخيراً هدفت الى التمديد لقائد الجيش. حال حزب الكتائب لا يختلف عن “القوات”، ما يجعل مكوّنين من اصل ثلاثة خارج السلطة. أما “التيار الوطني الحر” الذي يملك ثاني اكبر تمثيل مسيحي، ويمثل الفريق المسيحي في الحكومة، فهو منذ خلوّ قصر بعبدا من شاغله بعد خروج العماد ميشال عون منه، اتخذ قرار مقاطعة جلسات مجلس الوزراء للسبب عينه، اي غياب الرئيس، مع كل ما رتبته هذه المقاطعة من أضرار جسيمة، كان يمكن تلافيها لو عاد وزراء “التيار” إلى ممارسة دورهم، اقله في ما يتصل بحماية صلاحيات رئيس الجمهورية التي يتذرعون بالدفاع عنها وحمايتها، وهي قد سقطت ضحية سوء ممارسة الوزراء لها، او حتى في ما يتصل بالموقف الأخير لرئيس حكومة تصريف الأعمال بالتماهي مع “حزب الله” في توحيد الساحة اللبنانية مع الساحة الفلسطينية، حيث ثمة من يسأل: هل يوافق رئيس “التيار” جبران باسيل على هذا الموقف، وهل كان وزراؤه في الحكومة وافقوا على صدوره من على طاولة مجلس الوزراء؟

هكذا، وتحت وطأة مزايدات شعبوية في ما بينها، باتت المكونات المسيحية خارج المشهد، مكتفية بالمشاهدة والتعليق، تاركة الساحة خالية بالكامل امام الفريق الأقوى، الذي بات بفعل نفوذه، هو الحاكم الفعلي، عبر ثنائيته الموزعة بين رأس السلطة التشريعية ورأس المقاومة التي تحمل السلاح، فيما الشريك السنّي غائب او مغيّب، والشريك الدرزي في بحث دائم عن التموضع الذي يحفظ وجوده وديمومته. فهل خسر المسيحيون موقعهم في معادلة الحكم، وما الذي يعيقهم عن استعادة هذا الدور؟

لا توافق اوساط “قواتية” على مقاربة الواقع المسيحي من موقع ضعف، وإنْ كان التشرذم في ما بين مكوناته يعكس هذا الانطباع. هذا لا يعني ان القيادات المسيحية لم تفقد القدرة على المبادرة، ليقينها ان ما يشهده لبنان من إمساك “حزب الله” بمقدرات الحكم فيه لا يختلف عن انقلاب السابع من أيار، وانما هذه المرة من دون الحاجة إلى قمصان سود، ذلك ان الانقلاب يحصل ضمن اللعبة الدستورية ومن داخل المؤسسات. وفي رأي هذه الاوساط ان اي مواجهة اليوم من خارج المواجهة السياسية ستؤدي حكماً إلى اندلاع الحرب الاهلية مجدداً.
ترفض الاوساط تحميل المسيحيين، ولا سيما “القوات”، باعتبارها تمثل القوة الأكبر في الشارع المسيحي، مسؤولية فقدان التوازن لمصلحة “الحزب”، مشيرة إلى ان المسؤولية تقع ايضاً على القاعدتين السنّية والدرزية. ولا يمكن في رأيها ان يخوض المسيحيون وحدهم او “القوات” وحدها معركة استعادة السيادة واسترجاع لبنان النموذج، لأن عنوان المعركة يتحول فئوياً، بل هي معركة مشتركة مع الشركاء في الوطن لتشكيل قوة واحدة، على غرار القوة التي وُلدت من رحم 14 شباط 2005. هي اذاً حاجة إلى استيلاد 14 آذار جديدة من رحم الاحداث الأخيرة، التي لا تقل اهمية من حيث خطورتها على البلاد ومستقبلها، عن احداث شباط 2005 وتبعاتها، وعدّة العمل إبرة لحفر جبل العودة!

ليست “القوات” وحدها في ميدان المواجهة السياسية، حيث تنضم إلى جانب مجموعة غير قليلة من النواب والكتل لتشكل اكثر من ثلث المجلس. كما تتقاطع مع بكركي التي يؤمن سيدها بالدور الوطني اولاً والمسيحي ثانياً لاسترجاع لبنان إلى كنف السيادة والسلم والاستقرار. لكن في غياب المكون المسيحي الآخر، الذي يمثله “التيار الوطني الحر”، واستمراره في السير في مقاربات لا تلتقي مع المقاربة المسيحية العامة، يعزز انقسام الشارع المسيحي، ويزيد فرص القوى الأخرى في ملء الفراغ وإحكام السيطرة.

مصادر في “التيار” تعي هذا الواقع وخطورته، لكنها لا تبدي الاستعداد لخوض مغامرة التغيير التي لم تنضج ظروفها بعد، في ظل الرعاية التي لا يزال يوفرها مؤسس “التيار” لرئيسه اليوم.
وعليه، تبقى الصورة على ما هي من رصد وترقب لميدان غزة والجنوب، قبل ان تعود إلى الداخل اللبناني لتسلط الضوء على واقع جديد لن يعيد حتماً لبنان إلى صورته ودوره ونموذجه في المدى القريب!

المسيحيون غائبون وغير مغيّبين و”القوات” تحفر جبل العودة بإبرة

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
22 كانون الثاني 2024

لا يكفي ان تتذرع المكونات المسيحية على اختلافها بأنها لا تقصّر في رفع الصوت عاليًا في وجه الحالة الشاذة التي يشهدها لبنان بسبب شغور موقع الرئاسة الاولى الناجم عن استمرار تعطيل عقد جلسة الانتخاب، أو في وجه التطورات الدراماتيكية على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية المنذرة بانزلاق خطير نحو حرب تتجاوز الساحة الجنوبية، أو حتى في وجه التجاوز الحاصل لصلاحيات رئيس الجمهورية في عمل مجلس وزراء مستقيل تنحصر صلاحياته في تصريف الاعمال. ذلك ان ما تعتبره هذه المكونات انه تعبير عن رفض الممارسات الحاصلة وادانة للمواقف منها، أو أنه كافٍ لمواجهة الوضع القائم، فهذا لا يلغي حقيقة ان هذه القوى باتت بأدائها تقف متفرجة على ما يحصل، مفتقدة أي دور أو مشاركة تتيح لها المساهمة في صنع القرار.

فحزب “القوات اللبنانية” الذي يملك اكبر تكتل نيابي مسيحي خالص، هو خارج السلطة التنفيذية بقرار منه، وهو، منذ شغور الرئاسة، يمتنع عن ممارسة دوره التشريعي انطلاقاً من رفضه التشريع في غياب رئيس الجمهورية، باستثناء مشاركة وحيدة اخيراً هدفت الى التمديد لقائد الجيش. حال حزب الكتائب لا يختلف عن “القوات”، ما يجعل مكوّنين من اصل ثلاثة خارج السلطة. أما “التيار الوطني الحر” الذي يملك ثاني اكبر تمثيل مسيحي، ويمثل الفريق المسيحي في الحكومة، فهو منذ خلوّ قصر بعبدا من شاغله بعد خروج العماد ميشال عون منه، اتخذ قرار مقاطعة جلسات مجلس الوزراء للسبب عينه، اي غياب الرئيس، مع كل ما رتبته هذه المقاطعة من أضرار جسيمة، كان يمكن تلافيها لو عاد وزراء “التيار” إلى ممارسة دورهم، اقله في ما يتصل بحماية صلاحيات رئيس الجمهورية التي يتذرعون بالدفاع عنها وحمايتها، وهي قد سقطت ضحية سوء ممارسة الوزراء لها، او حتى في ما يتصل بالموقف الأخير لرئيس حكومة تصريف الأعمال بالتماهي مع “حزب الله” في توحيد الساحة اللبنانية مع الساحة الفلسطينية، حيث ثمة من يسأل: هل يوافق رئيس “التيار” جبران باسيل على هذا الموقف، وهل كان وزراؤه في الحكومة وافقوا على صدوره من على طاولة مجلس الوزراء؟

هكذا، وتحت وطأة مزايدات شعبوية في ما بينها، باتت المكونات المسيحية خارج المشهد، مكتفية بالمشاهدة والتعليق، تاركة الساحة خالية بالكامل امام الفريق الأقوى، الذي بات بفعل نفوذه، هو الحاكم الفعلي، عبر ثنائيته الموزعة بين رأس السلطة التشريعية ورأس المقاومة التي تحمل السلاح، فيما الشريك السنّي غائب او مغيّب، والشريك الدرزي في بحث دائم عن التموضع الذي يحفظ وجوده وديمومته. فهل خسر المسيحيون موقعهم في معادلة الحكم، وما الذي يعيقهم عن استعادة هذا الدور؟

لا توافق اوساط “قواتية” على مقاربة الواقع المسيحي من موقع ضعف، وإنْ كان التشرذم في ما بين مكوناته يعكس هذا الانطباع. هذا لا يعني ان القيادات المسيحية لم تفقد القدرة على المبادرة، ليقينها ان ما يشهده لبنان من إمساك “حزب الله” بمقدرات الحكم فيه لا يختلف عن انقلاب السابع من أيار، وانما هذه المرة من دون الحاجة إلى قمصان سود، ذلك ان الانقلاب يحصل ضمن اللعبة الدستورية ومن داخل المؤسسات. وفي رأي هذه الاوساط ان اي مواجهة اليوم من خارج المواجهة السياسية ستؤدي حكماً إلى اندلاع الحرب الاهلية مجدداً.
ترفض الاوساط تحميل المسيحيين، ولا سيما “القوات”، باعتبارها تمثل القوة الأكبر في الشارع المسيحي، مسؤولية فقدان التوازن لمصلحة “الحزب”، مشيرة إلى ان المسؤولية تقع ايضاً على القاعدتين السنّية والدرزية. ولا يمكن في رأيها ان يخوض المسيحيون وحدهم او “القوات” وحدها معركة استعادة السيادة واسترجاع لبنان النموذج، لأن عنوان المعركة يتحول فئوياً، بل هي معركة مشتركة مع الشركاء في الوطن لتشكيل قوة واحدة، على غرار القوة التي وُلدت من رحم 14 شباط 2005. هي اذاً حاجة إلى استيلاد 14 آذار جديدة من رحم الاحداث الأخيرة، التي لا تقل اهمية من حيث خطورتها على البلاد ومستقبلها، عن احداث شباط 2005 وتبعاتها، وعدّة العمل إبرة لحفر جبل العودة!

ليست “القوات” وحدها في ميدان المواجهة السياسية، حيث تنضم إلى جانب مجموعة غير قليلة من النواب والكتل لتشكل اكثر من ثلث المجلس. كما تتقاطع مع بكركي التي يؤمن سيدها بالدور الوطني اولاً والمسيحي ثانياً لاسترجاع لبنان إلى كنف السيادة والسلم والاستقرار. لكن في غياب المكون المسيحي الآخر، الذي يمثله “التيار الوطني الحر”، واستمراره في السير في مقاربات لا تلتقي مع المقاربة المسيحية العامة، يعزز انقسام الشارع المسيحي، ويزيد فرص القوى الأخرى في ملء الفراغ وإحكام السيطرة.

مصادر في “التيار” تعي هذا الواقع وخطورته، لكنها لا تبدي الاستعداد لخوض مغامرة التغيير التي لم تنضج ظروفها بعد، في ظل الرعاية التي لا يزال يوفرها مؤسس “التيار” لرئيسه اليوم.
وعليه، تبقى الصورة على ما هي من رصد وترقب لميدان غزة والجنوب، قبل ان تعود إلى الداخل اللبناني لتسلط الضوء على واقع جديد لن يعيد حتماً لبنان إلى صورته ودوره ونموذجه في المدى القريب!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار