“صفر عجز”… فعلاً صدّقتم!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
29 كانون الثاني 2024
تباهوا على رأي عامّ متعب منهار متقزز من طبقة عجز عن اقتلاعها ونأى بنفسه عن كل عالمها بعد نهبه وإفقاره وراحوا يرفعون آيات الإنجاز التاريخي بأن الموازنة أُقرت بعد طول سنين في موعدها الدستوري. كمثل كل الجاري منذ تاريخ الانهيار وبعده مع حلول الفراغ الرئاسي في لبنان، تمضي فصول الفجيعة التي أدّت إلى إفقار اللبنانيين على نحو غير مسبوق في تاريخهم وتحويل لبنان برمّته الى بلد متسوّل يفتقر الى أدنى مقومات الكرامة الوطنية، ولا تنفصل عن النمطية التي تتبعها عملية خداع الناس مجريات إقرار موازنة “الصفر عجز” التي استعاد معها البرلمان الفاشل العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية بعض التمرين على “ممارسة” التشريع المالي ممزوجاً بصخب الشعبوية الفاقعة.
ولكننا، والحق يقال، نعترف للحكومة والمجلس وكل من صوّت بـ”نعم” على مجمل مواد الموازنة الطالعة من ثلاثة أيام التمرين على الديموقراطية الشكلية، بأنهم صدقوا من حيث تعمّدوا أو لم يتعمّدوا في وصم الموازنة بأنها “صفر عاجزة”. كيف لا وكل الإنجاز الطالع هو إخفاء خدمة الدين العام وإلغاء كل الإنفاق الإصلاحي والاستثماري وحصر الموازنة الورقية بنفقات الضرورة ونفخ الرسوم والضرائب على الناس.. واتباع البراعة المخادعة في استصدار ما يُسمّى موازنة!
كل ذلك في كفة والمساءلة عن زمن الإهدار والنهب والتسيّب في كفة أخرى. ولولا الإثارة “التشويقية” النادرة في رد رئيس الحكومة على النواب بتلك النهفة “انتخبوا رئيساً وحلّوا عنا” لكانت حفلة الزجل الشعبوي وحدها طبعت تلك المأثرة النيابية. ولكن العجيب في الأمر، بل لنقل الخطير الجدي الذي لم يستوقف النواب ولم يستدع أي جواب أو رد أو تعليقات، هو ما افصح عنه رئيس حكومة “تصريف الأعمال”، بما يستأهل فعلاً التساؤل مجدّداً عن “مغارة علي بابا” التي اسمها السلطة اللبنانية في معاودة الوقوف عند أطلال الانهيار الماضي في التدحرج.
يكشف رئيس الحكومة، في دفاعه عن إنجاز حكومته وبالعربي الفصيح، أن موازنة الدولة عام 2019 بلغت أكثر من 17،2 مليار دولار، أما في عامي 2022 و2023 فتمكنت حكومته من إدارة البلاد بحوالى 800 مليون دولار. ويستعين بالكشف عن “الهدر الذي كان يحصل في السنوات الماضية” بأن إحدى المؤسسات العامة كانت ميزانيتها الشهرية مليوناً و500 ألف دولار أميركي، “وقد أدرناها بـ28 ألف دولار فحققوا بالأموال التي صُرفت على مدى السنوات العشر الماضية”.
هذه الواقعة ذابت أو غيبت من مجريات الجلسة ولم يطفُ على سطح ما بقي منها سوى إنجاز وهمي مخادع اسمه صفر عجز ورسوم وضرائب لا نعرف كيف سيتمكن الناس من مواجهة أعبائها. ولكن الأهم أن يتنبه الناس الى أن حكومة ومجلساً يتباهيان بالعجز الوهمي فيما يكشف المزيد من عينات “الهدر” الذي هو التعبير الملطف المنمّق للسرقة والنهب والفساد، إنما يثبتان للبنانيين أن كل ما جرى منذ الانهيار، وكل ما يجري منذ بدء مرحلة الفراغ الرئاسي، هو نهج ترسيخ التعطيل الدستوري والتلاعب بالرأي العام وعلى الرأي العام، إذ يكفي أن تقرّ الموازنة “دستورياً” الآن ليقال إن “الدولة ماشية”، ولا هلع مع سنة فراغ إضافية!
صدقوا تماماً في نقطة توصيفية واحدة هي كشف طبقة عاجزة عن كل الرهانات عليها لإنقاذ بقايا لبنان فيما هم يرتعون في استثمار الفراغ!

“صفر عجز”… فعلاً صدّقتم!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
29 كانون الثاني 2024
تباهوا على رأي عامّ متعب منهار متقزز من طبقة عجز عن اقتلاعها ونأى بنفسه عن كل عالمها بعد نهبه وإفقاره وراحوا يرفعون آيات الإنجاز التاريخي بأن الموازنة أُقرت بعد طول سنين في موعدها الدستوري. كمثل كل الجاري منذ تاريخ الانهيار وبعده مع حلول الفراغ الرئاسي في لبنان، تمضي فصول الفجيعة التي أدّت إلى إفقار اللبنانيين على نحو غير مسبوق في تاريخهم وتحويل لبنان برمّته الى بلد متسوّل يفتقر الى أدنى مقومات الكرامة الوطنية، ولا تنفصل عن النمطية التي تتبعها عملية خداع الناس مجريات إقرار موازنة “الصفر عجز” التي استعاد معها البرلمان الفاشل العاجز عن انتخاب رئيس للجمهورية بعض التمرين على “ممارسة” التشريع المالي ممزوجاً بصخب الشعبوية الفاقعة.
ولكننا، والحق يقال، نعترف للحكومة والمجلس وكل من صوّت بـ”نعم” على مجمل مواد الموازنة الطالعة من ثلاثة أيام التمرين على الديموقراطية الشكلية، بأنهم صدقوا من حيث تعمّدوا أو لم يتعمّدوا في وصم الموازنة بأنها “صفر عاجزة”. كيف لا وكل الإنجاز الطالع هو إخفاء خدمة الدين العام وإلغاء كل الإنفاق الإصلاحي والاستثماري وحصر الموازنة الورقية بنفقات الضرورة ونفخ الرسوم والضرائب على الناس.. واتباع البراعة المخادعة في استصدار ما يُسمّى موازنة!
كل ذلك في كفة والمساءلة عن زمن الإهدار والنهب والتسيّب في كفة أخرى. ولولا الإثارة “التشويقية” النادرة في رد رئيس الحكومة على النواب بتلك النهفة “انتخبوا رئيساً وحلّوا عنا” لكانت حفلة الزجل الشعبوي وحدها طبعت تلك المأثرة النيابية. ولكن العجيب في الأمر، بل لنقل الخطير الجدي الذي لم يستوقف النواب ولم يستدع أي جواب أو رد أو تعليقات، هو ما افصح عنه رئيس حكومة “تصريف الأعمال”، بما يستأهل فعلاً التساؤل مجدّداً عن “مغارة علي بابا” التي اسمها السلطة اللبنانية في معاودة الوقوف عند أطلال الانهيار الماضي في التدحرج.
يكشف رئيس الحكومة، في دفاعه عن إنجاز حكومته وبالعربي الفصيح، أن موازنة الدولة عام 2019 بلغت أكثر من 17،2 مليار دولار، أما في عامي 2022 و2023 فتمكنت حكومته من إدارة البلاد بحوالى 800 مليون دولار. ويستعين بالكشف عن “الهدر الذي كان يحصل في السنوات الماضية” بأن إحدى المؤسسات العامة كانت ميزانيتها الشهرية مليوناً و500 ألف دولار أميركي، “وقد أدرناها بـ28 ألف دولار فحققوا بالأموال التي صُرفت على مدى السنوات العشر الماضية”.
هذه الواقعة ذابت أو غيبت من مجريات الجلسة ولم يطفُ على سطح ما بقي منها سوى إنجاز وهمي مخادع اسمه صفر عجز ورسوم وضرائب لا نعرف كيف سيتمكن الناس من مواجهة أعبائها. ولكن الأهم أن يتنبه الناس الى أن حكومة ومجلساً يتباهيان بالعجز الوهمي فيما يكشف المزيد من عينات “الهدر” الذي هو التعبير الملطف المنمّق للسرقة والنهب والفساد، إنما يثبتان للبنانيين أن كل ما جرى منذ الانهيار، وكل ما يجري منذ بدء مرحلة الفراغ الرئاسي، هو نهج ترسيخ التعطيل الدستوري والتلاعب بالرأي العام وعلى الرأي العام، إذ يكفي أن تقرّ الموازنة “دستورياً” الآن ليقال إن “الدولة ماشية”، ولا هلع مع سنة فراغ إضافية!
صدقوا تماماً في نقطة توصيفية واحدة هي كشف طبقة عاجزة عن كل الرهانات عليها لإنقاذ بقايا لبنان فيما هم يرتعون في استثمار الفراغ!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار