كيف قارب “الحزب” تهديدات غالانت بعمل عسكري واسع قريباً؟

منذ أن أطلق “حزب الله” قذائفه الأولى على الموقع الإسرائيلي في السماقة في تلال كفرشوبا في أعالي العرقوب في الثامن من تشرين الأول الماضي إيذاناً بسريان قرار دخوله المعركة التي انفتحت على مصراعيها قبل أقل من 24 ساعة بين حركة “حماس” والقوات الإسرائيلية في غلاف غزة، بدأت القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية تطلق تهديداً تلو آخر ضد لبنان و”حزب الله”، متوعّدة إياهما بعملية عسكرية واسعة النطاق مؤكدة أن ساعتها آتية لا ريب فيها. وتنوّعت هذه التهديدات مداخل وأشكالاً وارتفعت وتيرتها على مدى الفترة التي تلت عملية “طوفان الأقصى”، إلى أن ظهر عبر إحدى وكالات الأنباء العالمية في الساعات الماضية تصريح منسوب إلى وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يعلن فيه صراحة أن الجيش الإسرائيلي “سيتحرك قريباً جداً في الشمال عند الحدود مع لبنان”.
ولكي يقرن قوله بالفعل، كشف غالانت أنه أبلغ جنوده المتمركزين قرب الحدود مع غزة أن عليهم أن يغادروا المنطقة تمهيداً للانتقال إلى الشمال (أي الحدود مع لبنان).
بدا ذلك التصريح، كأنه ذروة التصعيد الكلامي غير المنقطع والمقرون يومياً بتوسيع تل أبيب لمدى المواجهات على الحدود مع لبنان ولجوئها أخيراً إلى أسلوب التدمير المنهجي لبلدات وقرى جنوبية تقع على الخط الحدودي الأمامي وما يليها مباشرة من البلدات على الخط الثاني، مضافاً إلى ذلك تكثيف عمليات الاغتيال لكوادر الحزب ومقاتليه عبر المسيّرات والمتفجّرات وملاحقتهم واصطيادهم.
فضلاً عن ذلك كله، أتى هذا الوعيد الإسرائيلي متزامناً مع تطوّرات ميدانية دراماتيكية ومفتوحة على كل الاحتمالات التفجيرية في الساحة الأردنية أخيراً وقبلها في الساحتين العراقية والسورية، إذ طاولت قواعد عسكرية أميركية ملحقة الأذى بعناصرها، وهو ما عُدّ استدراجاً لواشنطن للدخول المباشر والأعمق في أعمال الميدان المفتوح بعدما خسرت أكثر من خمسة جنود قُتلوا ونحو مئة سقطوا جرحى جراء هجمات متواصلة يشنّها عناصر جماعات عراقية ويمنية تحت عنوان تقديم الدعم والإسناد لغزة ومقاتليها بالمسيّرات تارة وبالصواريخ تارة أخرى. وليس خافياً أن إسرائيل تسعى منذ بداية الأحداث إلى ما من شأنه أن يستدرج التدخل العسكري الأميركي المباشر لمواجهة إيران مباشرة بالدرجة الأولى ومن ثم القوى الحليفة لها وفي مقدمها “حزب الله”.
وكمقدمة لكل هذه التطورات، سرت في الآونة الأخيرة تقديرات عسكرية تشير إلى أن تل أبيب ضاعفت عديد حشودها العسكرية على الحدود مع لبنان أربع مرات عما كانت عليه قبل اندلاع الأحداث والمواجهات الأخيرة على هذه الجبهة. وكان من البديهي أن يجد الإنذار والتهديد الإسرائيلي بهجوم واسع النطاق على الجنوب اللبناني إسناداً يعززه في الحملة الإعلامية والسياسية التي نفّذتها تل أبيب قبل فترة تحت عنوان دعوة “حزب الله” إلى سحب كل تشكيلاته ووحداته العسكرية المتمركزة على الحدود إلى ما لا يقل عن 7 كيلومترات عن الخط الحدودي، وربما أعمق من ذلك، ليكون ذلك عنصر تشجيع لسكان المستوطنات الشمالية على العودة بعدما أُكرِهوا على النزوح إلى الداخل الإسرائيلي طلباً للسلامة والأمان وفراراً من هجمات الحزب وصواريخه وقذائفه على مدار الساعة.
ولقد بات هذا المطلب، كما صار معروفاً، زاداً يحمله الموفدون الأميركيون والأوروبيون الذين تقاطروا إلى بيروت مراراً في الأشهر الماضية إلى الحكومة اللبنانية مباشرة وإلى “حزب الله” على نحو غير مباشر، وكانت طريقة طرحهم لهذه الشروط تظهرهم بمظهر المتبنّي لها بالمكامل، بل بدا أنه تحوّل مطلباً أممياً باعتباره مدخلاً لازماً لإعادة الأمور في تلك البقعة الجغرافية إلى ما كانت عليه قبل اشتعال فتيل المواجهات الحدودية المتوالية فصولاً.
وبناءً على ذلك ثمّة اقتناع ترسّخ في وعي كثيرين فحواه أن مفتاح التسوية لإعادة الوضع الحدودي إلى ما كان عليه قبل 8 تشرين الأول لن يتحقق إلا إذا سحب الحزب مجموعاته المقاتلة وفي مقدمها قوات الرضوان النخبوية إلى ما بعد نهر الليطاني، ليكون ذلك متوازياً مع انسحاب ما يمكن أن يبقى من حركة “حماس” كلياً من إدارة الوضع في غزة كشرط لا بد منه لوقف الهجوم الإسرائيلي المدمّر على المدينة وقطاعها.
ومن خلال كل تلك المقدمات، اكتسب تهديد غالانت بعمل عسكري وشيك في لبنان بُعداً أكبر ونمت عليه تكهّنات ومخاوف أوسع.
لكن الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد إلياس فرحات يقلل من فرضية أن تترجم إسرائيل سيل تهديداتها للبنان بعمل ميداني يقلب المعادلات، ويقول في حديثٍ لـ”النهار” إن من بديهيات العلم العسكري أنه يتعيّن أن يسبق أي اجتياح بري قد يقدم عليه جيش كلاسيكي ما، عملية تحشيد وتجميع للتشكيلات القتالية التي ستنخرط في المعركة. وهذا ما نفتقد رؤيته إلى الآن، فنحن كما سوانا من الراصدين، نرقب المحاور الثلاثة التي اعتاد الإسرائيلي الدخول عبرها إلى الأراضي اللبنانية وتحديداً في اجتياحه الواسع للبنان في صيف عام 1982، أي القطاع الغربي (معبر الناقورة) والقطاع الأوسط أي بنت جبيل – مارون الراس – عيترون أو القنطرة وادي الحجير، والقطاع الشرقي أي الخيام – مرجعيون.
ويستطرد أن عملية استقدام الحشود والتشكيلات اللازمة يلزم لها 48 ساعة حداً أدنى أو أسبوعاً حداً أقصى للتجهّز والاستعداد.
ويضيف: “ولأننا كمراقبين لم نرَ أثراً لتلك الحشود، فإننا نرى أن الكلام الإسرائيلي عن اجتياح وشيك للأراضي اللبنانية هو إما تهويل يُراد منه التعويض عن العجز عن الحسم أو رفع المعنويات”.
ويستدرك فرحات: “ومع ذلك، لا نسقط من تقديراتنا احتمال أن يجد العقل الاستراتيجي الصهيوني بدائل لهذا الوعيد المستمر عبر توسيع أمداء المواجهات الحالية على غرار ما حصل منذ أن بدأت الاشتباكات”.
وفي موازاة ذلك ما زال “حزب الله” مقيماً على إجابة معروفة يردّدها أمام كل تهديد إسرائيلي يُطلَق على لسان هذا المسؤول أو ذاك، وفحواها أنه يستبعد عملاًعسكرياً إسرائيلياً واسعاً انطلاقاً من 3 اعتبارات:
الأول، أن مفتاح قرار من هذا النوع ليس بيد الحكومة الإسرائيلية بل بيد واشنطن التي سبق أن حذّرت إسرائيل مراراً من مغبّة أيّ استدراج لحرب واسعة على الجبهة اللبنانية.
الثاني، أن نتنياهو المتخبّط في حربه الوحشية على غزة ويبدي عجزاً عن الحسم وتحقيق صورة انتصار ينشدها لن يجرؤ على الدخول في تجربة مع “حزب الله” الذي يعلم أن قدراته أوسع من قدرات حماس.
الثالث، يرى الحزب نفسه أنه نجح إلى حد بعيد في إدارة المعركة على نحو أقنع الإسرائيلي بأن عليه التفكير كثيراً قبل أن يقرر غزو لبنان بالتوازي مع إدارة ناجحة للوضع في كل الساحات الساخنة.
كيف قارب “الحزب” تهديدات غالانت بعمل عسكري واسع قريباً؟

منذ أن أطلق “حزب الله” قذائفه الأولى على الموقع الإسرائيلي في السماقة في تلال كفرشوبا في أعالي العرقوب في الثامن من تشرين الأول الماضي إيذاناً بسريان قرار دخوله المعركة التي انفتحت على مصراعيها قبل أقل من 24 ساعة بين حركة “حماس” والقوات الإسرائيلية في غلاف غزة، بدأت القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية تطلق تهديداً تلو آخر ضد لبنان و”حزب الله”، متوعّدة إياهما بعملية عسكرية واسعة النطاق مؤكدة أن ساعتها آتية لا ريب فيها. وتنوّعت هذه التهديدات مداخل وأشكالاً وارتفعت وتيرتها على مدى الفترة التي تلت عملية “طوفان الأقصى”، إلى أن ظهر عبر إحدى وكالات الأنباء العالمية في الساعات الماضية تصريح منسوب إلى وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت يعلن فيه صراحة أن الجيش الإسرائيلي “سيتحرك قريباً جداً في الشمال عند الحدود مع لبنان”.
ولكي يقرن قوله بالفعل، كشف غالانت أنه أبلغ جنوده المتمركزين قرب الحدود مع غزة أن عليهم أن يغادروا المنطقة تمهيداً للانتقال إلى الشمال (أي الحدود مع لبنان).
بدا ذلك التصريح، كأنه ذروة التصعيد الكلامي غير المنقطع والمقرون يومياً بتوسيع تل أبيب لمدى المواجهات على الحدود مع لبنان ولجوئها أخيراً إلى أسلوب التدمير المنهجي لبلدات وقرى جنوبية تقع على الخط الحدودي الأمامي وما يليها مباشرة من البلدات على الخط الثاني، مضافاً إلى ذلك تكثيف عمليات الاغتيال لكوادر الحزب ومقاتليه عبر المسيّرات والمتفجّرات وملاحقتهم واصطيادهم.
فضلاً عن ذلك كله، أتى هذا الوعيد الإسرائيلي متزامناً مع تطوّرات ميدانية دراماتيكية ومفتوحة على كل الاحتمالات التفجيرية في الساحة الأردنية أخيراً وقبلها في الساحتين العراقية والسورية، إذ طاولت قواعد عسكرية أميركية ملحقة الأذى بعناصرها، وهو ما عُدّ استدراجاً لواشنطن للدخول المباشر والأعمق في أعمال الميدان المفتوح بعدما خسرت أكثر من خمسة جنود قُتلوا ونحو مئة سقطوا جرحى جراء هجمات متواصلة يشنّها عناصر جماعات عراقية ويمنية تحت عنوان تقديم الدعم والإسناد لغزة ومقاتليها بالمسيّرات تارة وبالصواريخ تارة أخرى. وليس خافياً أن إسرائيل تسعى منذ بداية الأحداث إلى ما من شأنه أن يستدرج التدخل العسكري الأميركي المباشر لمواجهة إيران مباشرة بالدرجة الأولى ومن ثم القوى الحليفة لها وفي مقدمها “حزب الله”.
وكمقدمة لكل هذه التطورات، سرت في الآونة الأخيرة تقديرات عسكرية تشير إلى أن تل أبيب ضاعفت عديد حشودها العسكرية على الحدود مع لبنان أربع مرات عما كانت عليه قبل اندلاع الأحداث والمواجهات الأخيرة على هذه الجبهة. وكان من البديهي أن يجد الإنذار والتهديد الإسرائيلي بهجوم واسع النطاق على الجنوب اللبناني إسناداً يعززه في الحملة الإعلامية والسياسية التي نفّذتها تل أبيب قبل فترة تحت عنوان دعوة “حزب الله” إلى سحب كل تشكيلاته ووحداته العسكرية المتمركزة على الحدود إلى ما لا يقل عن 7 كيلومترات عن الخط الحدودي، وربما أعمق من ذلك، ليكون ذلك عنصر تشجيع لسكان المستوطنات الشمالية على العودة بعدما أُكرِهوا على النزوح إلى الداخل الإسرائيلي طلباً للسلامة والأمان وفراراً من هجمات الحزب وصواريخه وقذائفه على مدار الساعة.
ولقد بات هذا المطلب، كما صار معروفاً، زاداً يحمله الموفدون الأميركيون والأوروبيون الذين تقاطروا إلى بيروت مراراً في الأشهر الماضية إلى الحكومة اللبنانية مباشرة وإلى “حزب الله” على نحو غير مباشر، وكانت طريقة طرحهم لهذه الشروط تظهرهم بمظهر المتبنّي لها بالمكامل، بل بدا أنه تحوّل مطلباً أممياً باعتباره مدخلاً لازماً لإعادة الأمور في تلك البقعة الجغرافية إلى ما كانت عليه قبل اشتعال فتيل المواجهات الحدودية المتوالية فصولاً.
وبناءً على ذلك ثمّة اقتناع ترسّخ في وعي كثيرين فحواه أن مفتاح التسوية لإعادة الوضع الحدودي إلى ما كان عليه قبل 8 تشرين الأول لن يتحقق إلا إذا سحب الحزب مجموعاته المقاتلة وفي مقدمها قوات الرضوان النخبوية إلى ما بعد نهر الليطاني، ليكون ذلك متوازياً مع انسحاب ما يمكن أن يبقى من حركة “حماس” كلياً من إدارة الوضع في غزة كشرط لا بد منه لوقف الهجوم الإسرائيلي المدمّر على المدينة وقطاعها.
ومن خلال كل تلك المقدمات، اكتسب تهديد غالانت بعمل عسكري وشيك في لبنان بُعداً أكبر ونمت عليه تكهّنات ومخاوف أوسع.
لكن الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد إلياس فرحات يقلل من فرضية أن تترجم إسرائيل سيل تهديداتها للبنان بعمل ميداني يقلب المعادلات، ويقول في حديثٍ لـ”النهار” إن من بديهيات العلم العسكري أنه يتعيّن أن يسبق أي اجتياح بري قد يقدم عليه جيش كلاسيكي ما، عملية تحشيد وتجميع للتشكيلات القتالية التي ستنخرط في المعركة. وهذا ما نفتقد رؤيته إلى الآن، فنحن كما سوانا من الراصدين، نرقب المحاور الثلاثة التي اعتاد الإسرائيلي الدخول عبرها إلى الأراضي اللبنانية وتحديداً في اجتياحه الواسع للبنان في صيف عام 1982، أي القطاع الغربي (معبر الناقورة) والقطاع الأوسط أي بنت جبيل – مارون الراس – عيترون أو القنطرة وادي الحجير، والقطاع الشرقي أي الخيام – مرجعيون.
ويستطرد أن عملية استقدام الحشود والتشكيلات اللازمة يلزم لها 48 ساعة حداً أدنى أو أسبوعاً حداً أقصى للتجهّز والاستعداد.
ويضيف: “ولأننا كمراقبين لم نرَ أثراً لتلك الحشود، فإننا نرى أن الكلام الإسرائيلي عن اجتياح وشيك للأراضي اللبنانية هو إما تهويل يُراد منه التعويض عن العجز عن الحسم أو رفع المعنويات”.
ويستدرك فرحات: “ومع ذلك، لا نسقط من تقديراتنا احتمال أن يجد العقل الاستراتيجي الصهيوني بدائل لهذا الوعيد المستمر عبر توسيع أمداء المواجهات الحالية على غرار ما حصل منذ أن بدأت الاشتباكات”.
وفي موازاة ذلك ما زال “حزب الله” مقيماً على إجابة معروفة يردّدها أمام كل تهديد إسرائيلي يُطلَق على لسان هذا المسؤول أو ذاك، وفحواها أنه يستبعد عملاًعسكرياً إسرائيلياً واسعاً انطلاقاً من 3 اعتبارات:
الأول، أن مفتاح قرار من هذا النوع ليس بيد الحكومة الإسرائيلية بل بيد واشنطن التي سبق أن حذّرت إسرائيل مراراً من مغبّة أيّ استدراج لحرب واسعة على الجبهة اللبنانية.
الثاني، أن نتنياهو المتخبّط في حربه الوحشية على غزة ويبدي عجزاً عن الحسم وتحقيق صورة انتصار ينشدها لن يجرؤ على الدخول في تجربة مع “حزب الله” الذي يعلم أن قدراته أوسع من قدرات حماس.
الثالث، يرى الحزب نفسه أنه نجح إلى حد بعيد في إدارة المعركة على نحو أقنع الإسرائيلي بأن عليه التفكير كثيراً قبل أن يقرر غزو لبنان بالتوازي مع إدارة ناجحة للوضع في كل الساحات الساخنة.








