“الخماسية”: تمايزٌ للسعودية والكلمة الفصل أميركية

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
1 شباط 2024

عندما وصل السفير السعودي وليد بخاري إلى عين التينة اول من امس، لم يتعرف اليه جهاز البروتوكول، بل اكثر سأل عن هوية الضيف الداخل من دون موعد في حين كل الجهاز في حالة استنفار لاستقبال سفراء الدول الخمس بناء على الموعد مع رئيس المجلس نبيه بري.

هذا الالتباس مردّه إلى “اللوك” المختلف الذي ظهر فيه بخاري، بارتدائه بدلة رسمية مستعيضاً عن الزي التقليدي الذي اعتاد الظهور فيه. لكن الخواء السياسي المتحكم بالمشهد العام، جعل من زيّ بخاري ووصوله مادة تساؤل ما إذا كان يرمي من ورائه الى التمايز شكلاً، بعد تمايز أوّل عبّر عنه في المبادرة إلى طلب الموعد الاول للمجموعة مع بري من دون تنسيق مع زملائه، ما أثار امتعاض السفيرة الاميركية ليزا جونسون التي أطاحت عملياً الموعد الاول، في تأكيد منها لموقع بلادها ودورها الفاصل، وتمايز آخر عبر جلسة الخيمة التي ارادها “سبور”، ما ترك انطباعاً بعدم اتسامها بالجدية في التعامل مع ازمة هي من أصعب وأدق الأزمات التي يمر فيها لبنان إلى جانب ازماته السياسية والاقتصادية والمالية والامنية.

فهل فعلاً يصحّ الكلام عن تمايز سعودي، ذهبت بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى حد وضعه في خانة السعي إلى تصدّر الصورة وقيادة التحرك، على نحو أثار امتعاض الدول الأخرى ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، خصوصاً بعدما تردد انه تعمّد الوصول قبل نصف ساعة للقاء منفرد مع بري قبل وصول زملائه؟

تنفي اوساط عين التينة وصول بخاري مبكراً، كاشفة ان السفير القطري وصل بعده بثلاث دقائق، ما ينفي عملياً اي لقاء منفرد سبق اللقاء الموسع، وينفي ايضا اي محاولة إيحاء بأن ثمة تنسيقا ما يحصل بين بري وبخاري.

فضلا عن ذلك، لا شك في ان لكل عاصمة من عواصم المجموعة الخماسية، اي واشنطن وباريس والرياض والدوحة والقاهرة، حسابات وأجندات تختلف في مقاربتها للملف اللبناني او في التعاطي معه. ولكن بمجرد اجتماع هذه العواصم تحت سقف لجنة واحدة هدفها ينحصر في جدول اعمال من بند وحيد يتمثل في المساعدة على رسم خريطة طريق نحو انجاز انتخاب رئيس للجمهورية، فهذا ينزع عن اي دولة صفة القيادة في الشكل، وإنْ كان لبعضها “مَونة” او تأثير اكبر من غيرها، علماً ان الغالبية فيها تتعامل مع لبنان على قاعدة “أم الصبي”، إلا ان الكلمة الفصل تبقى لواشنطن في تحديد الوجهة ولا سيما في الملف الرئاسي. كما ان اداء البعض الآخر منذ الاجتماع الثاني للجنة في الدوحة عكس تراجعاً مقابل اندفاع من بعضها الآخر. فواشنطن سلمت الملف للدوحة، على ما كانت مساعدة وزير الخارجية باربرا ليف كشفت في ذلك الاجتماع، ما تُرجم تحركاً مكوكياً للموفد الامني القطري جاسم بن فهد آل ثاني نحو بيروت. فيما استمر الاندفاع الفرنسي على زخمه من خلال استمرار الموفد الرئاسي جان – ايف لودريان بالسعي إلى الحؤول دون موت مبادرة بلاده، وإنْ من خلال طروحات معدلة او محدثة.

ظلت المملكة على مسافة بعيدة نسبياً من التحرك البطيء والخجول اساساً، حتى الأمس القريب عندما قررت العودة إلى الاضطلاع بدورها التاريخيّ في لبنان عبر الإمساك بخيوط اي مبادرة من شأنها ان تحدِث تقدّما في حائط الاستحقاق المأزوم. كيف لا وهي تدرك ان لا قيامة للبنان على الصعيدين الاقتصادي والمالي من دون الدعم الخليجي بقيادتها، الأمر الذي تعوّل عليه اللجنة الخماسية، وتضعه ضمن المواصفات المطلوب توافرها في الرئيس العتيد، لجهة ضرورة ان يكون قادراً على اعادة الحرارة إلى علاقات لبنان بمحيطه، وتحسينها وتأمين عودة الدعم.

من هذا المنطلق، يمكن تفسير النزعة الايجابية او المتفائلة التي يلمسها السفراء في مقاربة السفير السعودي لطريق الحل، وإنْ كانوا غير مقتنعين بالكامل بواقعيّتها. والفرق هنا كبير بين واقعيتها وبين جديتها، حيث يسعى المتضررون من حراك الخماسية لتظهير مقاربة بخاري على انها تعكس عدم جدية في عمل المجموعة. وهذا يجافي الحقيقة، على ما تقول مصادر سياسية اطّلعت على المشاورات وعلى لقاء السفراء برئيس المجلس. اذ تؤكد هذه المصادر ان التحرك جدي جداً، والطروحات واقعية وتحترم الخصوصية اللبنانية وحتى السيادة لجهة عدم فرض توصيات أو اسماء بل التأكيد على الالتزام المطلق بالمساعدة والدعم وتقديم التسهيلات التي من شأنها ان تقرّب بين وجهات النظر المختلفة. وهذا في حد ذاته يجب ان يكون عاملاً محفزاً لإعطاء دفع للتحرك احدُ شروطه الاساسية ان تلاقيه القوى المحلية إلى منتصف الطريق.

حتى الآن، التفاؤل السعودي بامكان تقريب وجهة نظر “حزب الله” من مواصفات الرئيس، معطوفة على اقتناع فرنسي مماثل، بأن الحزب لن يشكل عائقا امام التفاهم الداخلي، دونه محاذير لم يلمسها سفراء آخرون، خصوصاً بعدما كشفت المحادثات في عين التينة ان التوافق على عدم الدخول في تسميات قابله ايضا توافق على عدم فرض “فيتوات”. فهل هذا ينطبق على مرشح الثنائي الشيعي بحيث تسقط اللاءات من وجه تقديمه مرشحاً جدياً وربما أوحد في نظر الثنائي الذي لا يأخذ ترشيح المعارضة للوزير الاسبق جهاد ازعور على محمل الجد؟

“الخماسية”: تمايزٌ للسعودية والكلمة الفصل أميركية

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
1 شباط 2024

عندما وصل السفير السعودي وليد بخاري إلى عين التينة اول من امس، لم يتعرف اليه جهاز البروتوكول، بل اكثر سأل عن هوية الضيف الداخل من دون موعد في حين كل الجهاز في حالة استنفار لاستقبال سفراء الدول الخمس بناء على الموعد مع رئيس المجلس نبيه بري.

هذا الالتباس مردّه إلى “اللوك” المختلف الذي ظهر فيه بخاري، بارتدائه بدلة رسمية مستعيضاً عن الزي التقليدي الذي اعتاد الظهور فيه. لكن الخواء السياسي المتحكم بالمشهد العام، جعل من زيّ بخاري ووصوله مادة تساؤل ما إذا كان يرمي من ورائه الى التمايز شكلاً، بعد تمايز أوّل عبّر عنه في المبادرة إلى طلب الموعد الاول للمجموعة مع بري من دون تنسيق مع زملائه، ما أثار امتعاض السفيرة الاميركية ليزا جونسون التي أطاحت عملياً الموعد الاول، في تأكيد منها لموقع بلادها ودورها الفاصل، وتمايز آخر عبر جلسة الخيمة التي ارادها “سبور”، ما ترك انطباعاً بعدم اتسامها بالجدية في التعامل مع ازمة هي من أصعب وأدق الأزمات التي يمر فيها لبنان إلى جانب ازماته السياسية والاقتصادية والمالية والامنية.

فهل فعلاً يصحّ الكلام عن تمايز سعودي، ذهبت بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى حد وضعه في خانة السعي إلى تصدّر الصورة وقيادة التحرك، على نحو أثار امتعاض الدول الأخرى ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، خصوصاً بعدما تردد انه تعمّد الوصول قبل نصف ساعة للقاء منفرد مع بري قبل وصول زملائه؟

تنفي اوساط عين التينة وصول بخاري مبكراً، كاشفة ان السفير القطري وصل بعده بثلاث دقائق، ما ينفي عملياً اي لقاء منفرد سبق اللقاء الموسع، وينفي ايضا اي محاولة إيحاء بأن ثمة تنسيقا ما يحصل بين بري وبخاري.

فضلا عن ذلك، لا شك في ان لكل عاصمة من عواصم المجموعة الخماسية، اي واشنطن وباريس والرياض والدوحة والقاهرة، حسابات وأجندات تختلف في مقاربتها للملف اللبناني او في التعاطي معه. ولكن بمجرد اجتماع هذه العواصم تحت سقف لجنة واحدة هدفها ينحصر في جدول اعمال من بند وحيد يتمثل في المساعدة على رسم خريطة طريق نحو انجاز انتخاب رئيس للجمهورية، فهذا ينزع عن اي دولة صفة القيادة في الشكل، وإنْ كان لبعضها “مَونة” او تأثير اكبر من غيرها، علماً ان الغالبية فيها تتعامل مع لبنان على قاعدة “أم الصبي”، إلا ان الكلمة الفصل تبقى لواشنطن في تحديد الوجهة ولا سيما في الملف الرئاسي. كما ان اداء البعض الآخر منذ الاجتماع الثاني للجنة في الدوحة عكس تراجعاً مقابل اندفاع من بعضها الآخر. فواشنطن سلمت الملف للدوحة، على ما كانت مساعدة وزير الخارجية باربرا ليف كشفت في ذلك الاجتماع، ما تُرجم تحركاً مكوكياً للموفد الامني القطري جاسم بن فهد آل ثاني نحو بيروت. فيما استمر الاندفاع الفرنسي على زخمه من خلال استمرار الموفد الرئاسي جان – ايف لودريان بالسعي إلى الحؤول دون موت مبادرة بلاده، وإنْ من خلال طروحات معدلة او محدثة.

ظلت المملكة على مسافة بعيدة نسبياً من التحرك البطيء والخجول اساساً، حتى الأمس القريب عندما قررت العودة إلى الاضطلاع بدورها التاريخيّ في لبنان عبر الإمساك بخيوط اي مبادرة من شأنها ان تحدِث تقدّما في حائط الاستحقاق المأزوم. كيف لا وهي تدرك ان لا قيامة للبنان على الصعيدين الاقتصادي والمالي من دون الدعم الخليجي بقيادتها، الأمر الذي تعوّل عليه اللجنة الخماسية، وتضعه ضمن المواصفات المطلوب توافرها في الرئيس العتيد، لجهة ضرورة ان يكون قادراً على اعادة الحرارة إلى علاقات لبنان بمحيطه، وتحسينها وتأمين عودة الدعم.

من هذا المنطلق، يمكن تفسير النزعة الايجابية او المتفائلة التي يلمسها السفراء في مقاربة السفير السعودي لطريق الحل، وإنْ كانوا غير مقتنعين بالكامل بواقعيّتها. والفرق هنا كبير بين واقعيتها وبين جديتها، حيث يسعى المتضررون من حراك الخماسية لتظهير مقاربة بخاري على انها تعكس عدم جدية في عمل المجموعة. وهذا يجافي الحقيقة، على ما تقول مصادر سياسية اطّلعت على المشاورات وعلى لقاء السفراء برئيس المجلس. اذ تؤكد هذه المصادر ان التحرك جدي جداً، والطروحات واقعية وتحترم الخصوصية اللبنانية وحتى السيادة لجهة عدم فرض توصيات أو اسماء بل التأكيد على الالتزام المطلق بالمساعدة والدعم وتقديم التسهيلات التي من شأنها ان تقرّب بين وجهات النظر المختلفة. وهذا في حد ذاته يجب ان يكون عاملاً محفزاً لإعطاء دفع للتحرك احدُ شروطه الاساسية ان تلاقيه القوى المحلية إلى منتصف الطريق.

حتى الآن، التفاؤل السعودي بامكان تقريب وجهة نظر “حزب الله” من مواصفات الرئيس، معطوفة على اقتناع فرنسي مماثل، بأن الحزب لن يشكل عائقا امام التفاهم الداخلي، دونه محاذير لم يلمسها سفراء آخرون، خصوصاً بعدما كشفت المحادثات في عين التينة ان التوافق على عدم الدخول في تسميات قابله ايضا توافق على عدم فرض “فيتوات”. فهل هذا ينطبق على مرشح الثنائي الشيعي بحيث تسقط اللاءات من وجه تقديمه مرشحاً جدياً وربما أوحد في نظر الثنائي الذي لا يأخذ ترشيح المعارضة للوزير الاسبق جهاد ازعور على محمل الجد؟

مزيد من الأخبار