حملة التضليل الماليّة المقبلة: احذروا خمسة عناوين مشبوهة!

من المفترض أن يستعد مجلس الوزراء خلال الأيّام المقبلة لتلقي مسودّة مرسوم مشروع قانون خاص بمعالجة أوضاع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، على أن يترافق ذلك مع إنجاز الصيغة النهائيّة لمسودّة مرسوم مشروع قانون الكابيتال كونترول.
من المبكر حتّى هذه اللحظة مناقشة ما تسرّب من مضمون هذه المسودّات، طالما أنّها –بحكم التجربة- ستبقى خاضعة للتعديل حتّى لحظة إحالتها إلى مجلس الوزراء. لكنّ الأكيد أنّ هذه المسودّات، شأنها شأن الخطط الحكوميّة السابقة، لها ما لها وعليها ما عليها. بمعنى أنّ هناك ما يمكن البناء عليه في معايير إعادة الهيكلة التي تضعها، وثمّة ما ينبغي تصويبه أو تصحيحه في مسألة التدرّج في تسديد الودائع. فالمشاكل المعقّدة، تحتاج إلى حلول ونقاشات معقّدة وناضجة، خصوصًا إذا كان العفن قد ضرب أطناب النظام المالي خلال أربع سنوات من الأزمة.
غير أنّ التحدّي الأهم، وقبل الشروع بمناقشة المضمون أو تصويبه، سيكمن في وجود من لا يريد حلاً أصلًا. ثمّة من يستعد، وقبل الشروع بمناقشة المضمون، للإطاحة بمسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي نفسه، بمعزل عن شكل أو طبيعة هذا المسار. هذا ما بدأ التحضير له أساسًا في اليومين الماضيين، من خلال الشعارات التي عادت أوساط القطاع المصرفي لضخها إعلاميًا، أمام الرأي العام اللبناني، استباقًا للنقاشات المرتبطة بهذه المشاريع. وثمّة ما يوحي أنّ الأمور لا تتجه إلى مناقشة الأفكار بتفاصيلها، بقدر ما تتجه لتكرار ما شهدناه خلال السنوات الماضية، من إطاحة لأي مشروع للحل المالي أو المصرفي.
ربما لهذا السبب، قد يكون من المفيد استباق عاصفة الشعارات الشعبويّة التي ستهب على اللبنانيين، لتفنيد شعارات هذه الحملة.
الخداع في شعار “قدسيّة الودائع”
لا يمكن الحديث عن خبث اللوبي المصرفي الإعلامي، ودس السم في العسل، دون البدء بشعار قدسيّة الودائع، الذي عاد زخمه بقوّة في النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليديّة، بالتوازي مع التحضيرات لمناقشة مرسوم مشروع القانون. وكما هو معلوم، لا ينفصل هذا الشعار عن البروباغندا التي قادتها المصارف منذ بداية الأزمة، في وجه خطط الحل المتعاقبة، لإسقاط هذه الخطط قبل مناقشتها أو التمحّص فيها.
والكلام عن قدسيّة الودائع حديثٌ ذو شجون. فقبل العام 2019، وقبل أن تكون الودائع بحد ذاتها مشكلة معلنة، كان الشعار نفسه يتلطّى مواربةً خلف شعار آخر، هو حماية استقرار النظام المصرفي، للحؤول دون مناقشة أي مشروع لإعادة النظر بالنموذج المالي الذي يقوم عليه القطاع. وبعد العام 2019، كانت قدسيّة الودائع هي الحجّة لرفض فكرة تفنيد الودائع بحسب مصدرها أو مشروعيّتها، أو استفادتها غير المشروعة من أرباح المراحل السابقة. وكان هذا الشعار هو الطريق الأمثل للحؤول دون فتح الدفاتر، لوضع معايير واضحة لتوزيع الخسائر.
حسنًا، العودة إلى الأرقام تكفي لاستنتاج التالي: عام 2017، وبالرغم من بدء تكوّن كتلة الخسائر المصرفيّة، كانت الموجودات المصرفيّة تكفي لسداد كامل الودائع. أي أنّ رساميل أصحاب المصارف كانت كافية وحدها لامتصاص الخسائر. في بدايات العام 2020، عند إقرار خطّة لازارد، كانت الموجودات تكفي لسداد كل وديعة لغاية نصف مليون دولار، وكانت عمليّة إعادة الهيكلة كفيلة بتسديد 98% من الحسابات المصرفيّة. أمّا اليوم، وبعد أربع سنوات من استنزاف الاحتياطات وأرصدة المصارف لدى المصارف المراسلة، باتت الموجودات لا تكفي إلا لسداد مئة ألف دولار من كل وديعة، وهو ما يسدد نحو 88% من الحسابات المصرفيّة (بحكم تركّز الودائع، تجتمع في الـ12% الباقية من الحسابات أكثر من ثلثي قيمة الودائع).
بهذا الشكل، فليدرك المودعون: شعار قدسية الودائع، وتأخير إعادة الهيكلة بحجّة عدم المساس بالودائع المقدّسة، لم يفضِ إلا إلى استنزاف ما تبقى من موجودات، وإلى المزيد من التناقص في القدرة على تسديد الودائع. هذا الشعار، يحقق عكس المعلن منه تماماً. ومن يطرح هذا الشعار، لا يهدف إلى تحقيق أقصى حد من العدالة للمودع، بقدر ما يهدف إلى حماية الوديعة غير المشروعة، والوديعة المتأتية عن أعمال احتياليّة، بما فيها الهندسات الماليّة، وحسابات الأطراف المرتبطة بالسياسيين وأعضاء إدارات المصارف، على حساب الوديعة المشروعة، والودائع التي يفترض أن تحظى بالحماية أولًا.
من يطرح شعار قدسيّة الودائع، يعلم أن القطاع تكبّد خسائر تقدّر بـ73 مليار دولار، مقارنة بكتلة ودائع تفوق قيمتها الـ91 مليار دولار. هو يعلم أنّ من فرّط بقدسيّة الودائع هو من راكم الخسائر على حساب المودعين، وأن واقع الحال الراهن يقتضي البحث عن آليّة لتوزيع الخسارة، بمعايير عادلة تحمّل الكلفة لمن استفاد أكثر في الماضي. أمّا التملّص من ذلك، فيحمي من استفاد أكثر، ويُلحق الإجحاف بحق من لم يستفد.
لهذا السبب، الحذر واجب عند سماع شعار قدسيّة الودائع. حين نسمع هذا الشعار، فهذا يعني أن هناك من يستخف بعقولنا.
الهرطقة في اعتبار إعادة الهيكلة “مخالفة للدستور”
ينص الدستور اللبناني على حماية الملكيّة الخاصّة، وعلى أن النظام الاقتصادي الحرّ يكفل المبادرة الفرديّة. عند هذا الحد، ثمّة ما يضمن للمودع أن لا تُمس حقوقه في المصرف، بفعل تعميم إداري من هنا، أو قرار مصرفي من هناك. غير أن المسألة ستبلغ حد الدجل الصريح، حين يتم الاستعانة بهذه المادّة لرفض فكرة إعادة الهيكلة، والتملّص من تحديد معايير لتوزيع الخسائر المحقّقة في النظام المصرفي. الاقتصاد الحر، لا يتعارض مع فكرة تدخّل الدولة لحماية الحقوق الفرديّة البديهيّة، عندما تضرب الإفلاسات الكبرى قطاعاً مالياً بكامله. ألم تقم فكرة العقد الاجتماعي، المؤسّسة لفلسفة الليبراليّة الحديثة، على مبدأ وجود الدولة كضامن للحقوق الفرديّة؟ أم هل تصوّر هؤلاء أنفسهم في شريعة غاب ينظّم فيها أباطرة القطاع المالي معايير إفلاسهم بأنفسهم؟
فليسمح لنا هؤلاء، لم تصبح معاقل الاقتصادات الرأسماليّة، دولًا اشتراكيّة، حين تدخّلت لوضع أطر لتنظيم الإفلاسات المصرفيّة الكبرى، بما يشمل عمليّة شطب الرساميل ومحاسبة مجالس الإدارة واستقدام المساهمين الجدد، وصولًا إلى تحديد معايير لضمان أقصى حد من كل وديعة، ووضع مسارات لاستعادة ما تبقى من ودائع. التدخّل في مثل هذه الأمور، هو من صلب عمل الدولة الرأسماليّة في الاقتصاد الحر. وما هو دون ذلك، ليس سوى فوضى وتشبيح لا أكثر.
الامتناع عن سداد اليوروبوند ومؤامرة المصرفيين الجدد
على مدى الأيّام الماضية، انطلقت حملة تمهيديّة لوضع عمليّة إعادة الهيكلة المقبلة في إطار مؤامرة “المصرفيين الجدد”، الذين يريدون تفليس القطاع المصرفي التقليدي (الذي يعيش أفضل أيامه؟)، لاستبداله بمصارف أجنبيّة. المؤامرة، تجد ما يبرّرها في ربط الأزمة بقرار الامتناع عن سداد سندات اليوروبوند، الذي أثّر فيه –بحسب هذه التهيؤات- المصرفيون الجدد أنفسهم. قائمة “المتآمرين” المزعومين تمتد لتشمل أسماء مثل القيمين على منظمة “كلنا إرادة”، وبعض الاستشاريين الماليين السابقين في وزارة المال والسراي الحكومي.
حسنًا، فليكن ذلك واضحًا: حين تم اتخاذ قرار الامتناع عن سداد سندات اليوروبوند، في آذار 2020، كان لبنان قد دخل مرحلة امتناع المصارف عن تسديد الودائع منذ تشرين الأوّل 2019. وكانت الدولة قد عجزت، على مدى سنوات طويلة، عن الاقتراض من الأسواق الدوليّة المفتوحة، ولجأت –كبديل مؤقّت- إلى استنزاف ما تبقى من احتياطات المركزي. لم يكن الامتناع عن سداد اليوروبوند سبب الأزمة، ولا حتّى مساهمًا أساسيًا في تعميقها. لقد كان نتيجة لشح مصادر التمويل، وكان ضروريًا لوقف استنزاف الاحتياطات بتسديد السندات المستحقة.
بطبيعة الحال، يمكن انتقاد طريقة اتخاذ القرار، أو طبيعة الإجراءات التي تلت اتخاذ القرار. غير أن ربط الانهيار بمسألة التخلّف عن سداد سندات اليوروبوند، واعتبار القرار مؤامرة مستمرّة حتّى اللحظة، لاستهداف القطاع المصرفي، مسألة تدعو للسخرية أكثر مما تدعو للنقاش الاقتصادي الرصين.
حقوق الطوائف ووضع اليد على النظام المصرفي
ابتدع اللوبي المصرفي سرديّة تسمح بتسويق شعاراته أمام كل طائفة، وبما يتناسب مع الهواجس التاريخيّة لكبرى الطوائف اللبنانيّة. فطالما أن الطوائف أفيون الجماعات الأهليّة في لبنان، وطالما أنّ المصارف تحتاج إلى الكثير من الأفيون لتمرير شعاراتها، لم يكن من الممكن أن يتغاضى اللوبي المصرفي عن استعمال السلاح الطائفي.
فحماية رساميل المصارف، هي أولويّة للمسيحيين، الذين يملكون حضورًا تاريخيًا في صفوف المساهمين. وذلك منعًا لوضع اليد على القطاع، من قبل الطوائف الطامعة الأخرى (التي تحلم اليوم بأسهم ثمينة في القطاع المزدهر؟). والتملّص من إعادة الهيكلة، هو أولويّة للشيعة، أصحاب الحسابات المصرفيّة الكبيرة، التي تم تحويلها من عواصم الاغتراب في أفريقيا وأميركا الجنوبيّة. وهناك من بين خبراء المصارف من ألمح أن استهداف المصارف اللبنانيّة كان مؤامرة هدفت، من ضمن ما هدفت إليه، لضرب مقوّمات صمود الطائفة التي يتآمر عليها كثيرون. أمّا للسنة، فحماية القطاع ضرورة كجزء من أولويّات الدفاع عن القطاعات التجاريّة، التي تحظى بها الطائفة بحضور تاريخي، تمامًا كما تحظى بمشاركة –إلى جانب المسيحيين- في رساميل القطاع نفسه. ألم يتحدّث المفتي يومًا، بلغة شبيهة للغة البطريرك، عن مسألة وضع اليد على القطاع المصرفي؟
قليلة هي القطاعات أو القضايا التي تجعل من نفسها قضيّة مصيريّة لكل طائفة على حدة، وبحجّة مختلفة بالنسبة لكل طائفة. هذا العمل لا يمكن إلا أن ينتج عن لوبيات تفهم جيدًا أفيون الشعب اللبناني، وتعرف كيف تورد الإبل في لبنان. لكن بعيدًا عن هلوسات الأفيون، لم تضرب أزمةٌ جميع الطوائف والشرائح الاجتماعيّة اللبنانيّة بلا استثناء، كمثل الأزمة التي نتجت عن استمرار التدهور الاقتصادي على مرّ السنوات الأربع الماضية. أمّا بالنسبة للمصرفيين، وبعيدًا عن شعارات الطوائف، فدينهم دنانيرهم، ولم تشهد التجربة أن مثّل مصرف ما عامل قوّة للشرائح الشعبيّة في أي منطقة، بعدما ابتعدت المصارف تاريخيًا عن أداء أي دور إنتاجي في النموذج الاقتصادي اللبناني.
مسؤوليّة الدولة
طبعًا، الشعار الأساس الذي لم يفارق جمعيّة المصارف ومن يدور في فلكها، هو البحث مسؤوليّة الدولة. البحث عن مسؤوليّة الدولة، يعني تحميلها وزر الـ73 مليار دولار من الخسائر. أو بمعنى أوضح، تحويل هذه الخسائر، وتحويل الودائع المرتبطة بها، إلى دين عام. هذا الدين، سيوازي طبعًا أكثر من ضعفي الديون القائمة، التي تعجز الدولة عن سدادها أصلًا. وهو يوازي أكثر من 35 ضعف إيرادات الدولة السنويّة. من يطرح هذا الشعار بخفّة، يضحك على المودعين، ويمهّد لهيركات جماعي يطيح بما تبقّى من ودائع. وهذا الشعار أصلًا غير عادل بحق سائر المقيمين، الذين سيتحمّلون أعباء هذا الدين بالنيابة عن أصحاب المصارف والمستفيدين من أرباح المراحل السابقة. حين تسمعون هذا الشعار أيضًا، إعلموا أن هناك من يستخف بعقولكم.
هكذا، ينبغي البدء بالتحضير لجولة السعار الإعلاميّة المقبلة، التي ستستند إلى هذه العناوين الأربعة. فقبل مناقشة مضمون مرسوم مشروع القانون، ينبغي أولًا أن لا تطيح الشعبويّة بالمسار نفسه، كما حصل منذ بداية الانهيار مع خطّة لازارد، وكما حصل عند طرح خطّة حكومة ميقاتي قبل الانتخابات النيابيّة. تلك الخطط لم تكن مثاليّة، وقد تحتاج إلى نقاش كبير قبل أن تصبح حتّى “جيّدة”. لكن المهم هو أن يبدأ النقاش. المهم أن يكون هناك حل.
حملة التضليل الماليّة المقبلة: احذروا خمسة عناوين مشبوهة!

من المفترض أن يستعد مجلس الوزراء خلال الأيّام المقبلة لتلقي مسودّة مرسوم مشروع قانون خاص بمعالجة أوضاع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، على أن يترافق ذلك مع إنجاز الصيغة النهائيّة لمسودّة مرسوم مشروع قانون الكابيتال كونترول.
من المبكر حتّى هذه اللحظة مناقشة ما تسرّب من مضمون هذه المسودّات، طالما أنّها –بحكم التجربة- ستبقى خاضعة للتعديل حتّى لحظة إحالتها إلى مجلس الوزراء. لكنّ الأكيد أنّ هذه المسودّات، شأنها شأن الخطط الحكوميّة السابقة، لها ما لها وعليها ما عليها. بمعنى أنّ هناك ما يمكن البناء عليه في معايير إعادة الهيكلة التي تضعها، وثمّة ما ينبغي تصويبه أو تصحيحه في مسألة التدرّج في تسديد الودائع. فالمشاكل المعقّدة، تحتاج إلى حلول ونقاشات معقّدة وناضجة، خصوصًا إذا كان العفن قد ضرب أطناب النظام المالي خلال أربع سنوات من الأزمة.
غير أنّ التحدّي الأهم، وقبل الشروع بمناقشة المضمون أو تصويبه، سيكمن في وجود من لا يريد حلاً أصلًا. ثمّة من يستعد، وقبل الشروع بمناقشة المضمون، للإطاحة بمسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي نفسه، بمعزل عن شكل أو طبيعة هذا المسار. هذا ما بدأ التحضير له أساسًا في اليومين الماضيين، من خلال الشعارات التي عادت أوساط القطاع المصرفي لضخها إعلاميًا، أمام الرأي العام اللبناني، استباقًا للنقاشات المرتبطة بهذه المشاريع. وثمّة ما يوحي أنّ الأمور لا تتجه إلى مناقشة الأفكار بتفاصيلها، بقدر ما تتجه لتكرار ما شهدناه خلال السنوات الماضية، من إطاحة لأي مشروع للحل المالي أو المصرفي.
ربما لهذا السبب، قد يكون من المفيد استباق عاصفة الشعارات الشعبويّة التي ستهب على اللبنانيين، لتفنيد شعارات هذه الحملة.
الخداع في شعار “قدسيّة الودائع”
لا يمكن الحديث عن خبث اللوبي المصرفي الإعلامي، ودس السم في العسل، دون البدء بشعار قدسيّة الودائع، الذي عاد زخمه بقوّة في النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليديّة، بالتوازي مع التحضيرات لمناقشة مرسوم مشروع القانون. وكما هو معلوم، لا ينفصل هذا الشعار عن البروباغندا التي قادتها المصارف منذ بداية الأزمة، في وجه خطط الحل المتعاقبة، لإسقاط هذه الخطط قبل مناقشتها أو التمحّص فيها.
والكلام عن قدسيّة الودائع حديثٌ ذو شجون. فقبل العام 2019، وقبل أن تكون الودائع بحد ذاتها مشكلة معلنة، كان الشعار نفسه يتلطّى مواربةً خلف شعار آخر، هو حماية استقرار النظام المصرفي، للحؤول دون مناقشة أي مشروع لإعادة النظر بالنموذج المالي الذي يقوم عليه القطاع. وبعد العام 2019، كانت قدسيّة الودائع هي الحجّة لرفض فكرة تفنيد الودائع بحسب مصدرها أو مشروعيّتها، أو استفادتها غير المشروعة من أرباح المراحل السابقة. وكان هذا الشعار هو الطريق الأمثل للحؤول دون فتح الدفاتر، لوضع معايير واضحة لتوزيع الخسائر.
حسنًا، العودة إلى الأرقام تكفي لاستنتاج التالي: عام 2017، وبالرغم من بدء تكوّن كتلة الخسائر المصرفيّة، كانت الموجودات المصرفيّة تكفي لسداد كامل الودائع. أي أنّ رساميل أصحاب المصارف كانت كافية وحدها لامتصاص الخسائر. في بدايات العام 2020، عند إقرار خطّة لازارد، كانت الموجودات تكفي لسداد كل وديعة لغاية نصف مليون دولار، وكانت عمليّة إعادة الهيكلة كفيلة بتسديد 98% من الحسابات المصرفيّة. أمّا اليوم، وبعد أربع سنوات من استنزاف الاحتياطات وأرصدة المصارف لدى المصارف المراسلة، باتت الموجودات لا تكفي إلا لسداد مئة ألف دولار من كل وديعة، وهو ما يسدد نحو 88% من الحسابات المصرفيّة (بحكم تركّز الودائع، تجتمع في الـ12% الباقية من الحسابات أكثر من ثلثي قيمة الودائع).
بهذا الشكل، فليدرك المودعون: شعار قدسية الودائع، وتأخير إعادة الهيكلة بحجّة عدم المساس بالودائع المقدّسة، لم يفضِ إلا إلى استنزاف ما تبقى من موجودات، وإلى المزيد من التناقص في القدرة على تسديد الودائع. هذا الشعار، يحقق عكس المعلن منه تماماً. ومن يطرح هذا الشعار، لا يهدف إلى تحقيق أقصى حد من العدالة للمودع، بقدر ما يهدف إلى حماية الوديعة غير المشروعة، والوديعة المتأتية عن أعمال احتياليّة، بما فيها الهندسات الماليّة، وحسابات الأطراف المرتبطة بالسياسيين وأعضاء إدارات المصارف، على حساب الوديعة المشروعة، والودائع التي يفترض أن تحظى بالحماية أولًا.
من يطرح شعار قدسيّة الودائع، يعلم أن القطاع تكبّد خسائر تقدّر بـ73 مليار دولار، مقارنة بكتلة ودائع تفوق قيمتها الـ91 مليار دولار. هو يعلم أنّ من فرّط بقدسيّة الودائع هو من راكم الخسائر على حساب المودعين، وأن واقع الحال الراهن يقتضي البحث عن آليّة لتوزيع الخسارة، بمعايير عادلة تحمّل الكلفة لمن استفاد أكثر في الماضي. أمّا التملّص من ذلك، فيحمي من استفاد أكثر، ويُلحق الإجحاف بحق من لم يستفد.
لهذا السبب، الحذر واجب عند سماع شعار قدسيّة الودائع. حين نسمع هذا الشعار، فهذا يعني أن هناك من يستخف بعقولنا.
الهرطقة في اعتبار إعادة الهيكلة “مخالفة للدستور”
ينص الدستور اللبناني على حماية الملكيّة الخاصّة، وعلى أن النظام الاقتصادي الحرّ يكفل المبادرة الفرديّة. عند هذا الحد، ثمّة ما يضمن للمودع أن لا تُمس حقوقه في المصرف، بفعل تعميم إداري من هنا، أو قرار مصرفي من هناك. غير أن المسألة ستبلغ حد الدجل الصريح، حين يتم الاستعانة بهذه المادّة لرفض فكرة إعادة الهيكلة، والتملّص من تحديد معايير لتوزيع الخسائر المحقّقة في النظام المصرفي. الاقتصاد الحر، لا يتعارض مع فكرة تدخّل الدولة لحماية الحقوق الفرديّة البديهيّة، عندما تضرب الإفلاسات الكبرى قطاعاً مالياً بكامله. ألم تقم فكرة العقد الاجتماعي، المؤسّسة لفلسفة الليبراليّة الحديثة، على مبدأ وجود الدولة كضامن للحقوق الفرديّة؟ أم هل تصوّر هؤلاء أنفسهم في شريعة غاب ينظّم فيها أباطرة القطاع المالي معايير إفلاسهم بأنفسهم؟
فليسمح لنا هؤلاء، لم تصبح معاقل الاقتصادات الرأسماليّة، دولًا اشتراكيّة، حين تدخّلت لوضع أطر لتنظيم الإفلاسات المصرفيّة الكبرى، بما يشمل عمليّة شطب الرساميل ومحاسبة مجالس الإدارة واستقدام المساهمين الجدد، وصولًا إلى تحديد معايير لضمان أقصى حد من كل وديعة، ووضع مسارات لاستعادة ما تبقى من ودائع. التدخّل في مثل هذه الأمور، هو من صلب عمل الدولة الرأسماليّة في الاقتصاد الحر. وما هو دون ذلك، ليس سوى فوضى وتشبيح لا أكثر.
الامتناع عن سداد اليوروبوند ومؤامرة المصرفيين الجدد
على مدى الأيّام الماضية، انطلقت حملة تمهيديّة لوضع عمليّة إعادة الهيكلة المقبلة في إطار مؤامرة “المصرفيين الجدد”، الذين يريدون تفليس القطاع المصرفي التقليدي (الذي يعيش أفضل أيامه؟)، لاستبداله بمصارف أجنبيّة. المؤامرة، تجد ما يبرّرها في ربط الأزمة بقرار الامتناع عن سداد سندات اليوروبوند، الذي أثّر فيه –بحسب هذه التهيؤات- المصرفيون الجدد أنفسهم. قائمة “المتآمرين” المزعومين تمتد لتشمل أسماء مثل القيمين على منظمة “كلنا إرادة”، وبعض الاستشاريين الماليين السابقين في وزارة المال والسراي الحكومي.
حسنًا، فليكن ذلك واضحًا: حين تم اتخاذ قرار الامتناع عن سداد سندات اليوروبوند، في آذار 2020، كان لبنان قد دخل مرحلة امتناع المصارف عن تسديد الودائع منذ تشرين الأوّل 2019. وكانت الدولة قد عجزت، على مدى سنوات طويلة، عن الاقتراض من الأسواق الدوليّة المفتوحة، ولجأت –كبديل مؤقّت- إلى استنزاف ما تبقى من احتياطات المركزي. لم يكن الامتناع عن سداد اليوروبوند سبب الأزمة، ولا حتّى مساهمًا أساسيًا في تعميقها. لقد كان نتيجة لشح مصادر التمويل، وكان ضروريًا لوقف استنزاف الاحتياطات بتسديد السندات المستحقة.
بطبيعة الحال، يمكن انتقاد طريقة اتخاذ القرار، أو طبيعة الإجراءات التي تلت اتخاذ القرار. غير أن ربط الانهيار بمسألة التخلّف عن سداد سندات اليوروبوند، واعتبار القرار مؤامرة مستمرّة حتّى اللحظة، لاستهداف القطاع المصرفي، مسألة تدعو للسخرية أكثر مما تدعو للنقاش الاقتصادي الرصين.
حقوق الطوائف ووضع اليد على النظام المصرفي
ابتدع اللوبي المصرفي سرديّة تسمح بتسويق شعاراته أمام كل طائفة، وبما يتناسب مع الهواجس التاريخيّة لكبرى الطوائف اللبنانيّة. فطالما أن الطوائف أفيون الجماعات الأهليّة في لبنان، وطالما أنّ المصارف تحتاج إلى الكثير من الأفيون لتمرير شعاراتها، لم يكن من الممكن أن يتغاضى اللوبي المصرفي عن استعمال السلاح الطائفي.
فحماية رساميل المصارف، هي أولويّة للمسيحيين، الذين يملكون حضورًا تاريخيًا في صفوف المساهمين. وذلك منعًا لوضع اليد على القطاع، من قبل الطوائف الطامعة الأخرى (التي تحلم اليوم بأسهم ثمينة في القطاع المزدهر؟). والتملّص من إعادة الهيكلة، هو أولويّة للشيعة، أصحاب الحسابات المصرفيّة الكبيرة، التي تم تحويلها من عواصم الاغتراب في أفريقيا وأميركا الجنوبيّة. وهناك من بين خبراء المصارف من ألمح أن استهداف المصارف اللبنانيّة كان مؤامرة هدفت، من ضمن ما هدفت إليه، لضرب مقوّمات صمود الطائفة التي يتآمر عليها كثيرون. أمّا للسنة، فحماية القطاع ضرورة كجزء من أولويّات الدفاع عن القطاعات التجاريّة، التي تحظى بها الطائفة بحضور تاريخي، تمامًا كما تحظى بمشاركة –إلى جانب المسيحيين- في رساميل القطاع نفسه. ألم يتحدّث المفتي يومًا، بلغة شبيهة للغة البطريرك، عن مسألة وضع اليد على القطاع المصرفي؟
قليلة هي القطاعات أو القضايا التي تجعل من نفسها قضيّة مصيريّة لكل طائفة على حدة، وبحجّة مختلفة بالنسبة لكل طائفة. هذا العمل لا يمكن إلا أن ينتج عن لوبيات تفهم جيدًا أفيون الشعب اللبناني، وتعرف كيف تورد الإبل في لبنان. لكن بعيدًا عن هلوسات الأفيون، لم تضرب أزمةٌ جميع الطوائف والشرائح الاجتماعيّة اللبنانيّة بلا استثناء، كمثل الأزمة التي نتجت عن استمرار التدهور الاقتصادي على مرّ السنوات الأربع الماضية. أمّا بالنسبة للمصرفيين، وبعيدًا عن شعارات الطوائف، فدينهم دنانيرهم، ولم تشهد التجربة أن مثّل مصرف ما عامل قوّة للشرائح الشعبيّة في أي منطقة، بعدما ابتعدت المصارف تاريخيًا عن أداء أي دور إنتاجي في النموذج الاقتصادي اللبناني.
مسؤوليّة الدولة
طبعًا، الشعار الأساس الذي لم يفارق جمعيّة المصارف ومن يدور في فلكها، هو البحث مسؤوليّة الدولة. البحث عن مسؤوليّة الدولة، يعني تحميلها وزر الـ73 مليار دولار من الخسائر. أو بمعنى أوضح، تحويل هذه الخسائر، وتحويل الودائع المرتبطة بها، إلى دين عام. هذا الدين، سيوازي طبعًا أكثر من ضعفي الديون القائمة، التي تعجز الدولة عن سدادها أصلًا. وهو يوازي أكثر من 35 ضعف إيرادات الدولة السنويّة. من يطرح هذا الشعار بخفّة، يضحك على المودعين، ويمهّد لهيركات جماعي يطيح بما تبقّى من ودائع. وهذا الشعار أصلًا غير عادل بحق سائر المقيمين، الذين سيتحمّلون أعباء هذا الدين بالنيابة عن أصحاب المصارف والمستفيدين من أرباح المراحل السابقة. حين تسمعون هذا الشعار أيضًا، إعلموا أن هناك من يستخف بعقولكم.
هكذا، ينبغي البدء بالتحضير لجولة السعار الإعلاميّة المقبلة، التي ستستند إلى هذه العناوين الأربعة. فقبل مناقشة مضمون مرسوم مشروع القانون، ينبغي أولًا أن لا تطيح الشعبويّة بالمسار نفسه، كما حصل منذ بداية الانهيار مع خطّة لازارد، وكما حصل عند طرح خطّة حكومة ميقاتي قبل الانتخابات النيابيّة. تلك الخطط لم تكن مثاليّة، وقد تحتاج إلى نقاش كبير قبل أن تصبح حتّى “جيّدة”. لكن المهم هو أن يبدأ النقاش. المهم أن يكون هناك حل.












