الحريري والحريريّون… إثبات المثبت ولكن!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
12 شباط 2024
قد يكون الرئيس سعد الحريري المفترضة عودته الى بيروت لمحطة “مرجعية” في مسار الحريرية بعد الرئيس رفيق الحريري، أي الذكرى الـ19 لاغتياله، قدّم من حيث أراد أو لم يرد إثباتاً جيداً للغاية على متانة معادلة لم تقوَ عليها سنتان من انسحابه من السياسة وحان الوقت لتقليبها ومراجعتها بإمعان. هذه المعادلة تتجذر في عاملين: إما نظام سياسي يجنح بقوة متدحرجة نحو تبديل جذري يجفف الطائفية تصاعدياً وإما احذروا اللعب بنار التوازنات اللبنانية العميقة واحذروا الخلل لدى أي طائفة مهما كان حجمها سواء تسبّبت به لنفسها أو تسببت به الطوائف الأخرى. سبق الرئيس سعد الحريري في تجربة التغييب أو الغياب أو الانسحاب أو النفي باختلاف الظروف زعماء مسيحيون موارنة ترتب على غيابهم أو تغييبهم زلزال أودى بالبلاد الى تعميق خلل في التركيبة السياسية قاطبة وأسهم في ضرب وإضعاف وتوهين العامل السيادي الحقيقي فأسلس ذلك القياد للنظام السوري الأسدي أولاً في العبث المطلق بلبنان عبر وصايته السوداء عليه امتداداً حتى 14 شباط 2005 حين سقط سقطته الشنيعة باغتيال الرئيس رفيق الحريري وهو الاغتيال الذي استولد 14 آذار وكان ما كان.
من دون إطالة في حقبة تاريخ مروّع لتقلبات الواقع الداخلي بعد جلاء الوصاية السورية سيمكننا الجزم من دون تردد بأنه أسوة بإثبات الأهمية الساحقة “التكوينية” والأساسية للرافعة المسيحية في الذود عن سيادة لبنان واستقلاله وحرياته تاريخياً وعبر تجارب الأزمات والحروب خصوصاً، شكل انسحاب أو تغييب الحريرية السياسية من حيث كونها القوة الأكبر لدى مكوّنها الأساسي أي الطائفة السنية، إثباتاً على أن السنة حصراً “افتقدوا” بقوة كرافعة ميثاقية ثقيلة ترتب على ضمور حضورهم اشتداد الخلل البنيوي العميق الذي يعاني منه لبنان الدولة والسياسة والتوازنات راهناً وترجم هذا الخلل سيادياً أيضاً باستشراس النفوذ الإيراني.
ولعلنا نخشى بعمق شديد أن نكون أمام معادلة مشؤومة صارت أشبه بكابوس “وطني” يردّدها اليائسون من استنهاض صيغة حكم ونظام وتمثيل نيابي بعد كل هذه “الطوفانات” الداخلية والإقليمية ووسط عودة الاستباحة المفزعة للبنان، وهي معادلة حتمية إضعاف وضرب صلب الطوائف تباعاً للوصول الى شيء ما غامض مخيف اسمه نظام جديد. وهل ذلك يستتبع استهداف الشيعة كطائفة ناهضة بقوة هائلة الآن داخلياً وإقليمياً، وأي أكلاف باهظة ستترتب عليهم لاحقاً في تموّجات الصراعات والتسويات وما بينهما بين إيران والعالم الغربي؟
تبعاً لهذه الهواجس اللبنانية ترانا نعود الى الحريري “العائد” لفترة أو لمناسبة قد لا تطول لنستشرف الأثر الذي لن يفاجئ أحداً لانسحابه وغيابه ليس فقط وارثاً للزعامة الحريرية مدى 17 عاماً قبل انسحابه وإنما كرمز صار خصومه القدامى والحاليون قبل حلفائه القدامى والحاليين، علماً بأن تصنيف الخصوم والحلفاء صار يحتاج الى إعادة تحديث بإضافات وإسقاطات وتعديلات تمليها ظروف السنتين منذ عزوفه عن السياسة، صاروا يعترفون علناً وجهاراً بخطورة الفجوة التي ترتبت على هذا الانسحاب من الزاوية السياسية أو الطائفية أو العربية أيضاً. بذلك سيكون أمام الحريريين غداً صورة “نجاح” في سنتين حققهما انسحاب زعيمهم بتكريس زعامته التي ترسخت أكثر لكن مع طائفة اختلّ تمثيلها بقوة، ولئلا يبقى النجاح مجتزأً سيتعيّن عليهم المضيّ قدماً في ترميم الخلل الميثاقي بقوة سواء مع الرئيس الحريري أو في غيابه مجدداً، فتجارب الزعماء المسيحيين سابقاً كما تجربة الحريرية الآن تحتم المشي على الحبل فوق السكاكين.

الحريري والحريريّون… إثبات المثبت ولكن!

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
12 شباط 2024
قد يكون الرئيس سعد الحريري المفترضة عودته الى بيروت لمحطة “مرجعية” في مسار الحريرية بعد الرئيس رفيق الحريري، أي الذكرى الـ19 لاغتياله، قدّم من حيث أراد أو لم يرد إثباتاً جيداً للغاية على متانة معادلة لم تقوَ عليها سنتان من انسحابه من السياسة وحان الوقت لتقليبها ومراجعتها بإمعان. هذه المعادلة تتجذر في عاملين: إما نظام سياسي يجنح بقوة متدحرجة نحو تبديل جذري يجفف الطائفية تصاعدياً وإما احذروا اللعب بنار التوازنات اللبنانية العميقة واحذروا الخلل لدى أي طائفة مهما كان حجمها سواء تسبّبت به لنفسها أو تسببت به الطوائف الأخرى. سبق الرئيس سعد الحريري في تجربة التغييب أو الغياب أو الانسحاب أو النفي باختلاف الظروف زعماء مسيحيون موارنة ترتب على غيابهم أو تغييبهم زلزال أودى بالبلاد الى تعميق خلل في التركيبة السياسية قاطبة وأسهم في ضرب وإضعاف وتوهين العامل السيادي الحقيقي فأسلس ذلك القياد للنظام السوري الأسدي أولاً في العبث المطلق بلبنان عبر وصايته السوداء عليه امتداداً حتى 14 شباط 2005 حين سقط سقطته الشنيعة باغتيال الرئيس رفيق الحريري وهو الاغتيال الذي استولد 14 آذار وكان ما كان.
من دون إطالة في حقبة تاريخ مروّع لتقلبات الواقع الداخلي بعد جلاء الوصاية السورية سيمكننا الجزم من دون تردد بأنه أسوة بإثبات الأهمية الساحقة “التكوينية” والأساسية للرافعة المسيحية في الذود عن سيادة لبنان واستقلاله وحرياته تاريخياً وعبر تجارب الأزمات والحروب خصوصاً، شكل انسحاب أو تغييب الحريرية السياسية من حيث كونها القوة الأكبر لدى مكوّنها الأساسي أي الطائفة السنية، إثباتاً على أن السنة حصراً “افتقدوا” بقوة كرافعة ميثاقية ثقيلة ترتب على ضمور حضورهم اشتداد الخلل البنيوي العميق الذي يعاني منه لبنان الدولة والسياسة والتوازنات راهناً وترجم هذا الخلل سيادياً أيضاً باستشراس النفوذ الإيراني.
ولعلنا نخشى بعمق شديد أن نكون أمام معادلة مشؤومة صارت أشبه بكابوس “وطني” يردّدها اليائسون من استنهاض صيغة حكم ونظام وتمثيل نيابي بعد كل هذه “الطوفانات” الداخلية والإقليمية ووسط عودة الاستباحة المفزعة للبنان، وهي معادلة حتمية إضعاف وضرب صلب الطوائف تباعاً للوصول الى شيء ما غامض مخيف اسمه نظام جديد. وهل ذلك يستتبع استهداف الشيعة كطائفة ناهضة بقوة هائلة الآن داخلياً وإقليمياً، وأي أكلاف باهظة ستترتب عليهم لاحقاً في تموّجات الصراعات والتسويات وما بينهما بين إيران والعالم الغربي؟
تبعاً لهذه الهواجس اللبنانية ترانا نعود الى الحريري “العائد” لفترة أو لمناسبة قد لا تطول لنستشرف الأثر الذي لن يفاجئ أحداً لانسحابه وغيابه ليس فقط وارثاً للزعامة الحريرية مدى 17 عاماً قبل انسحابه وإنما كرمز صار خصومه القدامى والحاليون قبل حلفائه القدامى والحاليين، علماً بأن تصنيف الخصوم والحلفاء صار يحتاج الى إعادة تحديث بإضافات وإسقاطات وتعديلات تمليها ظروف السنتين منذ عزوفه عن السياسة، صاروا يعترفون علناً وجهاراً بخطورة الفجوة التي ترتبت على هذا الانسحاب من الزاوية السياسية أو الطائفية أو العربية أيضاً. بذلك سيكون أمام الحريريين غداً صورة “نجاح” في سنتين حققهما انسحاب زعيمهم بتكريس زعامته التي ترسخت أكثر لكن مع طائفة اختلّ تمثيلها بقوة، ولئلا يبقى النجاح مجتزأً سيتعيّن عليهم المضيّ قدماً في ترميم الخلل الميثاقي بقوة سواء مع الرئيس الحريري أو في غيابه مجدداً، فتجارب الزعماء المسيحيين سابقاً كما تجربة الحريرية الآن تحتم المشي على الحبل فوق السكاكين.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار