غصن يستلهم “مرونة” القضاء: اليابان انتهكت سيادة لبنان!

الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
17 شباط 2024

المرونة اللامتناهية في إيجاد “تخريجة قانونية” لكل شبهات الفساد التي يمكن للمنظومة ابتداعها، تخرج من حدود التصور والتخيّل، لتصير وسيلة يعتمدها الملاحقون بملفات فساد، للهرب من أي مأزقٍ أو مساءلةٍ قد تعترض طريقهم، وخصوصًا إن كانت من القضاء الأوروبي. وهذا بالضبط، ما تلقفه رجل الأعمال الشهير في لبنان والعالم والصادرة بحقه مذكرات توقيف دولية، كارلوس غصن، الذي تمكن من اقتباس هذه “المرونة” والمخارج التي توفرها، مضافةً إلى كل حججه للتنصل من التهم التي تلاحقه في القضاء الياباني.

انتهاك السيادة اللبنانية؟
في جديد قضية كارلوس غصن، الذي سبق وتقدم بدعوى قضائية ضد شركة نيسان، اتهمها بموجب هذه الدعوى، بتأليف جمعية أشرار وتقديم شهادة كاذبة أمام السلطات القضائية، بالإضافة إلى إنتهاك حرمة منزله، على يد مجموعة من الأجانب بعد وصولهم إلى لبنان. هذه الثغرة تحديدًا (انتهاك حرمة منزله) انطلق منها القضاء اللبناني ليدعم ربما المواطن غصن بوجه دول أجنبية. فأدينت اليابان لكونها انتهكت “السيادة اللبنانية”، وصار غصن “ضحية” الاتهامات التي وجهها القضاء الياباني له، ما أفسح المجال أمامه، للمبالغة في ردود فعله تجاه هذه التهم، مطالبًا بالتعويضات المعنوية والمادية عن “العطل والضرر” الذي تكبده في اليابان خلال فترة اعتقاله، التي وصلت إلى حد مطالبته بمليار دولار أميركي.

“سيرتان متشابهتان”
رفضه المثول أمام القضاء الياباني، وهربه من طوكيو بطريقة شبه خيالية، هذا ما يذكرنا بحاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي رفض المثول أمام القضاء الأوروبي منذ أشهر، بعد سلسلة طويلة من الاتهامات التي طالته كاختلاس المال العام، التزوير، تبييض الأموال، الإثراء غير المشروع، وغيرها الكثير، ولم يكن أمام سلامة أي حيلة للهروب من القضاء الأوروبي إلا التمسك بالسيادة اللبنانية وكرامة المواطنين معتبرًا “أن استدعاءه لجلسة تحقيق أوروبية هو انتهاك لسيادة الدولة اللبنانية”.

والرجلان يتشابهان إلى حدٍ كبير، إذ سطع نجمهما في العالم لسنوات طويلة، فكان غصن من أقوى رجال الأعمال في العالم وحقق نجاحًا كبيرًا في عالم السيارات، وترأس أهم شركتين عالميتين في مجال صناعة السيارات في وقت واحد. أما سلامة فنال جوائز عالمية “كأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم”، وحاز على أوسمة شرف فرنسية، ولكن كل هذا انهار بين عامي 2018 و2019، وتعرضا للملاحقة القضائية الأوروبية بتهم فساد، وصدرت بحقهما مذكرات التوقيف الدولية، وقررا الاستقرار في وطنهما الآمن، في لبنان.

في المعلومات التي حصلت عليها “المدن”، بدأت سلسلة التطورات في ملف غصن مع  تأسيس شركة “فونيوس” عام 2012 بهدف شراء عقار وترميمه لإقامة غصن فيه، لكونه الرئيس التنفيذي لشركتي نيسان-رينو، وذلك بتمويل بواسطة حوالات مالية من شركة “زيا” التابعة أيضًا لنيسان، حيث دفعت ثمن المنزل وانتهى ترميمه في عام 2018. وخلال تواجد غصن في اليابان، قامت مجموعة من الأشخاص بزيارة للبنان للاطلاع على حسابات شركة “فونيوس” والحصول على مستندات، وأثناء الزيارة قاموا باقتحام أحد المكاتب التابعة لنيسان في بيروت وصادروا لابتوبًا وهاتفًا خلويًا، ثم داهموا منزل غصن وفتشوا في جميع الأشياء وبعثروا الأثاث والتقطوا العديد من الصور قبل مغادرتهم إلى اليابان، فاتهمهم غصن بانتهاك حرمة منزله وسرقة بعض ممتلكاته عنوةً.

مذكرات بحث وتحرٍ
بعد أسابيع قليلة، قامت السلطات القضائية اليابانية بالقبض على غصن. ولكنه فرّ هاربًا في وقتٍ لاحق بمعية مجموعة من الأشخاص مختبئاً في صندوق. هكذا وصل غصن إلى لبنان مستنجدًا بالقضاء اللبناني، معتبرًا أن القضاء الياباني كان مجحفًا في توجيه التهم، وأن هذه التهم جرى تلفيقها من قبل مجموعة أشرار بهدف القضاء على سيرته المهنية الناجحة. وهنا، قال القضاء اللبناني كلمته، لكون اقتحام المجموعة للعقار الذي تملكه شركة “فونيوس” التابعة لنيسان كان خرقًا فادحًا للقانون اللبناني وللسيادة اللبنانية، وبطبيعة الحال لا يمكن التغاضي عنه، حتى وإن كان هذا العقار المتنازع عليه هو ملك لشركة “فونيوس”، إلا أنه يتوجب عليها الحصول على إشارة قضائية للدخول إلى العقار وتصوير ما بداخله، لكون هذا العقار يتواجد على الأراضي اللبنانية. وأصدر القاضي صبوح سليمان مذكرات بحث وتحر بحق المجموعة التي حضرت إلى لبنان عام 2018، وهم أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (ياباني، اسباني، فرنسي، وبريطاني)، وذلك بسبب الثغرة التّي قدمها لهم الجانب الياباني بهكذا خطوةٍ ناقصة وغير محسوبة أو مدروسة.

“وقف تنفيذ القرار”
فيما يتعلق بالنزاع بين شركة “فونيوس” وغصن حول العقار، كانت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت، هلا نجا، قد أصدرت قرارًا بمطالبة غصن بإخلاء “الفيلا” التي يقطن فيها لعدم امتلاكه المستندات الرسمية أو أي مسوغ شرعي، وتسليمها إلى شركة “فونيوس”، إلا أن محكمة الاستئناف في بيروت برئاسة القاضي حبيب مزهر، قررت وقف تنفيذ الحكم القاضي بإخلاء الفيلا، فتوجهت شركة “فونيوس” للتمييز أمام محكمة التمييز، على اعتبار أن قرار القاضي مزهر كان “مخالفًا للقانون”، إذ كان يفترض أن يتنحى عن هذه القضية (لكنه لم يفعل)، بسبب وجود تحفظات حول زوجته، وهي محامية تعمل في مكتب المحامي كارلوس أبو جودة، وكيل غصن، في الدعوى المقدمة ضد نيسان أمام النيابة العامة التمييزية.

ومن النيابة العامة التمييزية حُوّل الملف إلى القاضي زياد أبو حيدر، الذي ادعى على المجموعة بجرم السرقة، (بسبب اقتحامها العقار وأخذ المستندات من دون إذن). وحسب معلومات “المدن”، بات الملف تحت قبضة قاضي التحقيق الأول في بيروت، بلال حلاوي. فكيف ستكون نهاية هذا الملف قضائيًا؟

غصن يستلهم “مرونة” القضاء: اليابان انتهكت سيادة لبنان!

الكاتب: فرح منصور | المصدر: المدن
17 شباط 2024

المرونة اللامتناهية في إيجاد “تخريجة قانونية” لكل شبهات الفساد التي يمكن للمنظومة ابتداعها، تخرج من حدود التصور والتخيّل، لتصير وسيلة يعتمدها الملاحقون بملفات فساد، للهرب من أي مأزقٍ أو مساءلةٍ قد تعترض طريقهم، وخصوصًا إن كانت من القضاء الأوروبي. وهذا بالضبط، ما تلقفه رجل الأعمال الشهير في لبنان والعالم والصادرة بحقه مذكرات توقيف دولية، كارلوس غصن، الذي تمكن من اقتباس هذه “المرونة” والمخارج التي توفرها، مضافةً إلى كل حججه للتنصل من التهم التي تلاحقه في القضاء الياباني.

انتهاك السيادة اللبنانية؟
في جديد قضية كارلوس غصن، الذي سبق وتقدم بدعوى قضائية ضد شركة نيسان، اتهمها بموجب هذه الدعوى، بتأليف جمعية أشرار وتقديم شهادة كاذبة أمام السلطات القضائية، بالإضافة إلى إنتهاك حرمة منزله، على يد مجموعة من الأجانب بعد وصولهم إلى لبنان. هذه الثغرة تحديدًا (انتهاك حرمة منزله) انطلق منها القضاء اللبناني ليدعم ربما المواطن غصن بوجه دول أجنبية. فأدينت اليابان لكونها انتهكت “السيادة اللبنانية”، وصار غصن “ضحية” الاتهامات التي وجهها القضاء الياباني له، ما أفسح المجال أمامه، للمبالغة في ردود فعله تجاه هذه التهم، مطالبًا بالتعويضات المعنوية والمادية عن “العطل والضرر” الذي تكبده في اليابان خلال فترة اعتقاله، التي وصلت إلى حد مطالبته بمليار دولار أميركي.

“سيرتان متشابهتان”
رفضه المثول أمام القضاء الياباني، وهربه من طوكيو بطريقة شبه خيالية، هذا ما يذكرنا بحاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي رفض المثول أمام القضاء الأوروبي منذ أشهر، بعد سلسلة طويلة من الاتهامات التي طالته كاختلاس المال العام، التزوير، تبييض الأموال، الإثراء غير المشروع، وغيرها الكثير، ولم يكن أمام سلامة أي حيلة للهروب من القضاء الأوروبي إلا التمسك بالسيادة اللبنانية وكرامة المواطنين معتبرًا “أن استدعاءه لجلسة تحقيق أوروبية هو انتهاك لسيادة الدولة اللبنانية”.

والرجلان يتشابهان إلى حدٍ كبير، إذ سطع نجمهما في العالم لسنوات طويلة، فكان غصن من أقوى رجال الأعمال في العالم وحقق نجاحًا كبيرًا في عالم السيارات، وترأس أهم شركتين عالميتين في مجال صناعة السيارات في وقت واحد. أما سلامة فنال جوائز عالمية “كأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم”، وحاز على أوسمة شرف فرنسية، ولكن كل هذا انهار بين عامي 2018 و2019، وتعرضا للملاحقة القضائية الأوروبية بتهم فساد، وصدرت بحقهما مذكرات التوقيف الدولية، وقررا الاستقرار في وطنهما الآمن، في لبنان.

في المعلومات التي حصلت عليها “المدن”، بدأت سلسلة التطورات في ملف غصن مع  تأسيس شركة “فونيوس” عام 2012 بهدف شراء عقار وترميمه لإقامة غصن فيه، لكونه الرئيس التنفيذي لشركتي نيسان-رينو، وذلك بتمويل بواسطة حوالات مالية من شركة “زيا” التابعة أيضًا لنيسان، حيث دفعت ثمن المنزل وانتهى ترميمه في عام 2018. وخلال تواجد غصن في اليابان، قامت مجموعة من الأشخاص بزيارة للبنان للاطلاع على حسابات شركة “فونيوس” والحصول على مستندات، وأثناء الزيارة قاموا باقتحام أحد المكاتب التابعة لنيسان في بيروت وصادروا لابتوبًا وهاتفًا خلويًا، ثم داهموا منزل غصن وفتشوا في جميع الأشياء وبعثروا الأثاث والتقطوا العديد من الصور قبل مغادرتهم إلى اليابان، فاتهمهم غصن بانتهاك حرمة منزله وسرقة بعض ممتلكاته عنوةً.

مذكرات بحث وتحرٍ
بعد أسابيع قليلة، قامت السلطات القضائية اليابانية بالقبض على غصن. ولكنه فرّ هاربًا في وقتٍ لاحق بمعية مجموعة من الأشخاص مختبئاً في صندوق. هكذا وصل غصن إلى لبنان مستنجدًا بالقضاء اللبناني، معتبرًا أن القضاء الياباني كان مجحفًا في توجيه التهم، وأن هذه التهم جرى تلفيقها من قبل مجموعة أشرار بهدف القضاء على سيرته المهنية الناجحة. وهنا، قال القضاء اللبناني كلمته، لكون اقتحام المجموعة للعقار الذي تملكه شركة “فونيوس” التابعة لنيسان كان خرقًا فادحًا للقانون اللبناني وللسيادة اللبنانية، وبطبيعة الحال لا يمكن التغاضي عنه، حتى وإن كان هذا العقار المتنازع عليه هو ملك لشركة “فونيوس”، إلا أنه يتوجب عليها الحصول على إشارة قضائية للدخول إلى العقار وتصوير ما بداخله، لكون هذا العقار يتواجد على الأراضي اللبنانية. وأصدر القاضي صبوح سليمان مذكرات بحث وتحر بحق المجموعة التي حضرت إلى لبنان عام 2018، وهم أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (ياباني، اسباني، فرنسي، وبريطاني)، وذلك بسبب الثغرة التّي قدمها لهم الجانب الياباني بهكذا خطوةٍ ناقصة وغير محسوبة أو مدروسة.

“وقف تنفيذ القرار”
فيما يتعلق بالنزاع بين شركة “فونيوس” وغصن حول العقار، كانت قاضية الأمور المستعجلة في بيروت، هلا نجا، قد أصدرت قرارًا بمطالبة غصن بإخلاء “الفيلا” التي يقطن فيها لعدم امتلاكه المستندات الرسمية أو أي مسوغ شرعي، وتسليمها إلى شركة “فونيوس”، إلا أن محكمة الاستئناف في بيروت برئاسة القاضي حبيب مزهر، قررت وقف تنفيذ الحكم القاضي بإخلاء الفيلا، فتوجهت شركة “فونيوس” للتمييز أمام محكمة التمييز، على اعتبار أن قرار القاضي مزهر كان “مخالفًا للقانون”، إذ كان يفترض أن يتنحى عن هذه القضية (لكنه لم يفعل)، بسبب وجود تحفظات حول زوجته، وهي محامية تعمل في مكتب المحامي كارلوس أبو جودة، وكيل غصن، في الدعوى المقدمة ضد نيسان أمام النيابة العامة التمييزية.

ومن النيابة العامة التمييزية حُوّل الملف إلى القاضي زياد أبو حيدر، الذي ادعى على المجموعة بجرم السرقة، (بسبب اقتحامها العقار وأخذ المستندات من دون إذن). وحسب معلومات “المدن”، بات الملف تحت قبضة قاضي التحقيق الأول في بيروت، بلال حلاوي. فكيف ستكون نهاية هذا الملف قضائيًا؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار