دور “اليونيفيل” في جنوب “اليوم التالي” مضمون ومطلوب من الجميع

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
6 نيسان 2024

أعادت حادثة الانفجار الغامض في خراج بلدة رميش الحدودية (قضاء بنت جبيل) والذي دوّى قبل ايام بدورية لـ”اليونيفيل”، دور هذه القوة حاضراً الى دائرة الضوء المباشر مجدداً، مقروناً بطبيعة الحال بسؤال عن دورها المفترض في اليوم التالي بعد أن تضع المواجهات الضارية منذ نحو ستة اشهر على الحدود اللبنانية الجنوبية أوزارها وتعود المنطقة الى كنف الهدوء.
ومعلوم ان ذلك الحادث، الذي أدى الى إصابة ثلاثة من عناصر دورية للقوة الدولية ورابع لبناني (من عين ابل) كان معهم بصفته مترجماً، كانت تؤدي مهمة روتينية وهي رصد الخط الحدودي المرسَّم، فرض نفسه بقوة على المشهد الجنوبي الساخن، كمؤشر سلبي ومثير للقلق، كونه أتى في خضم جملة معطيات ووقائع استجدت للتو، واخرى تعود الى مراحل سابقة، من ابرزها:

– ان قيادة “اليونيفيل” المركزية في الناقورة سارعت فور وقوع الحادث الى الاعلان رسميا عن تجميد ارسال دوريات الى حيث يُفترض ان تكون يوميا في اطار المهمات المنوطة بها.
ولأن هذه القيادة لم تحدد تلقائيا موعد استئناف تلك الدوريات، كان من البديهي ان تسري موجة تكهنات عن امكان ان يعزز هذا الاجراء من فرضية “التمهيد” لترحيل هذه القوة المنتشرة في الجنوب منذ عام 1978، والتي تعززت عديدا وعتادا ودورا بعد حرب تموز في صيف العام 2006 بموجب القرار الاممي الرقم 1701.

ولم يعد خافيا ان فرضية انهاء دور “اليونيفيل” حفرت لنفسها حيزا في نقاش الاحتمالات الذي انطلق بُعيد اندلاع المواجهات الحدودية المستمرة منذ 8 تشرين الاول الماضي.

-ان الحادث اياه وقع متزامنا مع تطورات ميدانية حدودية ساخنة تمثلت في امرين: الاول ارتفاع التهديدات الاسرائيلية بهجوم واسع على الجنوب يكرر تجربة حرب الـ 2006، والثاني بذروة الكلام عن جهود حثيثة تبذلها واشنطن لتبريد السخونة على الحدود بناء على ترتيبات ميدانية تكون ضمانتها ونواتها “اليونيفيل” بالتعاون مع الجيش اللبناني.

كذلك وقع الحادث بعد وقت قصير على تطورات شهدتها بلدة مجاورة (دبل) على خلفية ما عُرف بقضية نصب المقاومة منصات اطلاق صواريخ في بعض أحياء البلدة، وهو ما أثار موجة اعتراض وسجال سياسي – اعلامي القى بظلاله الثقيلة على مشهد سياسي انقسامي محتدم فزاد في احتدامه.

كذلك أتى الحادث اياه قبل وقت قصير من محاصرة بعض اهالي بلدة برعشيت دورية لـ”اليونيفيل” دخلت بعض الاحياء الداخلية للبلدة. واللافت ان هذه الحادثة ظلت محدودة الدويّ والصدى نظراً لرغبة كل الاطراف المعنية في تنحيتها عن دائرة السجال المعتاد قياسا على تجارب سابقة.

وبناء على كل هذه الوقائع، فان حادثة رميش لم تكن لمعة برق في سماء صافية، بل انها حادثة ساخنة وقعت في مشهد ملتهب اصلا، وهو ما زاد منسوب الغموض والالتباس الذي يكتنف عمليا وجود قوة “اليونيفيل” في بقعة عمليات محددة مرسومة الحدود سلفا بموجب القرار الاممي الرقم 1701 من جهة، ورفع وتيرة الاحتمالات السوداوية من جهة اخرى، وذلك انطلاقا من واقع ان اسم هذه القوة ودورها حاضرا ومستقبلا بات جزءا لا يتجزأ من موجبات اليوم التالي بعد ان تنجح الجهود الرامية الى وقف موجة التوتر في غزة والحدود الجنوبية اللبنانية.

وعلى كل هذه الاعتبارات اندفعت قيادة “اليونيفيل” بعد اقل من 24 ساعة على الحادث الى اطلاق حملة اعلامية – سياسية واسعة بقصد تبديد كل الاجواء التي قُدّر لها ان تسري حول امكان تجميد طويل لمهمات هذه القوة، ولتأكيد أمر آخر فحواه ان هذه القوة لم تضع في حساباتها مسألة اخلاء الميدان والانسحاب من تأدية المهمات المنوطة بها والتي أملت عليها التوافد الى الجنوب قبل 18 عاما.

وعليه ايضا، كان لزاما على المسؤول الاعلامي في قيادة “اليونيفيل” ان يدلي بنحو 12 تصريحا متتاليا خلال وقت قصير ليكشف عن المعطيات الآتية:
ان تجميد دوريات القوة الميدانية هو اجراء روتيني مطلوب اتخاذه في حال وقوع مثل هذا الحادث، ولن يستغرق اكثر من يومين حداً اقصى كمهلة بانتظار نتائج التحقيقات المتصلة لمعرفة المسؤول واستكشاف الابعاد.

وأبعد من ذلك، كان لزاما على قيادة القوة ان تثبت أمرين: الاول ان تدحض كل ما قيل عن ان وجودها كله لم يعد امرا مرغوبا فيه او مفيدا بدليل ان هذه القوة تحصنت في مواقعها وقللت دورياتها بمجرد اشتعال المواجهات، وكل ما فعلته هو اصدار بيانات التحذير من مخاطر التصعيد مقرونة بدعوة الأفرقاء الى ضبط النفس.

وبمعنى آخر، كان على مجلس الامن ان يعيد الاعتبار الى دور هذه القوة الدولية من جهة، ويؤكد انها ليست في وارد التخلي عن هذا الدور وترك الجنوب الذي يعاني منذ اواخر عقد الستينات من القرن الماضي تحت رحمة المزيد من جولات العنف والدمار من جهة اخرى.
وبحسب المعطيات فان قيادة “اليونيفيل” لم تشأ ان تفصح عن نتائج التحقيقات التي اجرتها بالتعاون والتنسيق مع الجيش اللبناني لجلاء ملابسات الحادث اياه وتحديد المسؤولين، لذا تركت الامر ملتبسا ولم تأخذ بأي من روايتي الطرفين حوله، وان كانت تبنت رسميا رواية ان الحادث نجم عن انفجار لغم ارضي كان مزروعا واسقطت بالتالي نظرية المسيّرة.

وفي كل الاحوال، فان الاوساط المعنية بالشأن الجنوبي ما انفكت مقيمة عند قراءة استشرافية لدور هذه القوة اذا ما أتى حينٌ من الدهر وعاد الاستقرار ليحل مجدداً على المنطقة الحدودية، وهي تقوم على ان لا غنى عن دور هذه القوة وحضورها بقطع النظر عما يمكن ان تؤول اليه المواجهات الحالية من نتائج.

فاذا ما مالت الكفّة لمصلحة تل ابيب، فان لبنان سيجد من مصلحته التمسك بهذه القوة لانه يعرف انه لو خلا الجنوب من وجودها فان اسرائيل ستتصرف كما تصرفت في اتفاقاتها الحدودية مع مصر والاردن، اذ ستطرح شروطا ومواصفات لترتيبات حدودية لن يكون بامكان لبنان تحمّل تبعاتها وتداعياتها.

اما اذا ما انتهت الجولة الحالية الى نوع من التوازن، فانه لا يعود بمقدور اسرائيل التحدث عن تطبيق احادي الطرف للقرار 1701 اذ ان لبنان وبعد التطورات الاخيرة لن يقبل بمنطقة عازلة على جانبه الحدودي، بل سيصرّ على منطقة مماثلة في الجانب الاسرائيلي، خصوصا ان لديه ورقة قوية هي ورقة الخروق الاسرائيلية المدعومة من مجلس الامن نفسه.

اما اذا نجحت واشنطن في جهودها الرامية الى فرض تسوية وترتيبات امنية حدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة وفق “ورقة هوكشتاين”، فان الحاجة الى دور هذه القوة كبيرة اذ ليس من السهولة تصور حل ما أو تسوية معيّنة من دون دور لهذه القوة.

دور “اليونيفيل” في جنوب “اليوم التالي” مضمون ومطلوب من الجميع

الكاتب: ابراهيم بيرم | المصدر: النهار
6 نيسان 2024

أعادت حادثة الانفجار الغامض في خراج بلدة رميش الحدودية (قضاء بنت جبيل) والذي دوّى قبل ايام بدورية لـ”اليونيفيل”، دور هذه القوة حاضراً الى دائرة الضوء المباشر مجدداً، مقروناً بطبيعة الحال بسؤال عن دورها المفترض في اليوم التالي بعد أن تضع المواجهات الضارية منذ نحو ستة اشهر على الحدود اللبنانية الجنوبية أوزارها وتعود المنطقة الى كنف الهدوء.
ومعلوم ان ذلك الحادث، الذي أدى الى إصابة ثلاثة من عناصر دورية للقوة الدولية ورابع لبناني (من عين ابل) كان معهم بصفته مترجماً، كانت تؤدي مهمة روتينية وهي رصد الخط الحدودي المرسَّم، فرض نفسه بقوة على المشهد الجنوبي الساخن، كمؤشر سلبي ومثير للقلق، كونه أتى في خضم جملة معطيات ووقائع استجدت للتو، واخرى تعود الى مراحل سابقة، من ابرزها:

– ان قيادة “اليونيفيل” المركزية في الناقورة سارعت فور وقوع الحادث الى الاعلان رسميا عن تجميد ارسال دوريات الى حيث يُفترض ان تكون يوميا في اطار المهمات المنوطة بها.
ولأن هذه القيادة لم تحدد تلقائيا موعد استئناف تلك الدوريات، كان من البديهي ان تسري موجة تكهنات عن امكان ان يعزز هذا الاجراء من فرضية “التمهيد” لترحيل هذه القوة المنتشرة في الجنوب منذ عام 1978، والتي تعززت عديدا وعتادا ودورا بعد حرب تموز في صيف العام 2006 بموجب القرار الاممي الرقم 1701.

ولم يعد خافيا ان فرضية انهاء دور “اليونيفيل” حفرت لنفسها حيزا في نقاش الاحتمالات الذي انطلق بُعيد اندلاع المواجهات الحدودية المستمرة منذ 8 تشرين الاول الماضي.

-ان الحادث اياه وقع متزامنا مع تطورات ميدانية حدودية ساخنة تمثلت في امرين: الاول ارتفاع التهديدات الاسرائيلية بهجوم واسع على الجنوب يكرر تجربة حرب الـ 2006، والثاني بذروة الكلام عن جهود حثيثة تبذلها واشنطن لتبريد السخونة على الحدود بناء على ترتيبات ميدانية تكون ضمانتها ونواتها “اليونيفيل” بالتعاون مع الجيش اللبناني.

كذلك وقع الحادث بعد وقت قصير على تطورات شهدتها بلدة مجاورة (دبل) على خلفية ما عُرف بقضية نصب المقاومة منصات اطلاق صواريخ في بعض أحياء البلدة، وهو ما أثار موجة اعتراض وسجال سياسي – اعلامي القى بظلاله الثقيلة على مشهد سياسي انقسامي محتدم فزاد في احتدامه.

كذلك أتى الحادث اياه قبل وقت قصير من محاصرة بعض اهالي بلدة برعشيت دورية لـ”اليونيفيل” دخلت بعض الاحياء الداخلية للبلدة. واللافت ان هذه الحادثة ظلت محدودة الدويّ والصدى نظراً لرغبة كل الاطراف المعنية في تنحيتها عن دائرة السجال المعتاد قياسا على تجارب سابقة.

وبناء على كل هذه الوقائع، فان حادثة رميش لم تكن لمعة برق في سماء صافية، بل انها حادثة ساخنة وقعت في مشهد ملتهب اصلا، وهو ما زاد منسوب الغموض والالتباس الذي يكتنف عمليا وجود قوة “اليونيفيل” في بقعة عمليات محددة مرسومة الحدود سلفا بموجب القرار الاممي الرقم 1701 من جهة، ورفع وتيرة الاحتمالات السوداوية من جهة اخرى، وذلك انطلاقا من واقع ان اسم هذه القوة ودورها حاضرا ومستقبلا بات جزءا لا يتجزأ من موجبات اليوم التالي بعد ان تنجح الجهود الرامية الى وقف موجة التوتر في غزة والحدود الجنوبية اللبنانية.

وعلى كل هذه الاعتبارات اندفعت قيادة “اليونيفيل” بعد اقل من 24 ساعة على الحادث الى اطلاق حملة اعلامية – سياسية واسعة بقصد تبديد كل الاجواء التي قُدّر لها ان تسري حول امكان تجميد طويل لمهمات هذه القوة، ولتأكيد أمر آخر فحواه ان هذه القوة لم تضع في حساباتها مسألة اخلاء الميدان والانسحاب من تأدية المهمات المنوطة بها والتي أملت عليها التوافد الى الجنوب قبل 18 عاما.

وعليه ايضا، كان لزاما على المسؤول الاعلامي في قيادة “اليونيفيل” ان يدلي بنحو 12 تصريحا متتاليا خلال وقت قصير ليكشف عن المعطيات الآتية:
ان تجميد دوريات القوة الميدانية هو اجراء روتيني مطلوب اتخاذه في حال وقوع مثل هذا الحادث، ولن يستغرق اكثر من يومين حداً اقصى كمهلة بانتظار نتائج التحقيقات المتصلة لمعرفة المسؤول واستكشاف الابعاد.

وأبعد من ذلك، كان لزاما على قيادة القوة ان تثبت أمرين: الاول ان تدحض كل ما قيل عن ان وجودها كله لم يعد امرا مرغوبا فيه او مفيدا بدليل ان هذه القوة تحصنت في مواقعها وقللت دورياتها بمجرد اشتعال المواجهات، وكل ما فعلته هو اصدار بيانات التحذير من مخاطر التصعيد مقرونة بدعوة الأفرقاء الى ضبط النفس.

وبمعنى آخر، كان على مجلس الامن ان يعيد الاعتبار الى دور هذه القوة الدولية من جهة، ويؤكد انها ليست في وارد التخلي عن هذا الدور وترك الجنوب الذي يعاني منذ اواخر عقد الستينات من القرن الماضي تحت رحمة المزيد من جولات العنف والدمار من جهة اخرى.
وبحسب المعطيات فان قيادة “اليونيفيل” لم تشأ ان تفصح عن نتائج التحقيقات التي اجرتها بالتعاون والتنسيق مع الجيش اللبناني لجلاء ملابسات الحادث اياه وتحديد المسؤولين، لذا تركت الامر ملتبسا ولم تأخذ بأي من روايتي الطرفين حوله، وان كانت تبنت رسميا رواية ان الحادث نجم عن انفجار لغم ارضي كان مزروعا واسقطت بالتالي نظرية المسيّرة.

وفي كل الاحوال، فان الاوساط المعنية بالشأن الجنوبي ما انفكت مقيمة عند قراءة استشرافية لدور هذه القوة اذا ما أتى حينٌ من الدهر وعاد الاستقرار ليحل مجدداً على المنطقة الحدودية، وهي تقوم على ان لا غنى عن دور هذه القوة وحضورها بقطع النظر عما يمكن ان تؤول اليه المواجهات الحالية من نتائج.

فاذا ما مالت الكفّة لمصلحة تل ابيب، فان لبنان سيجد من مصلحته التمسك بهذه القوة لانه يعرف انه لو خلا الجنوب من وجودها فان اسرائيل ستتصرف كما تصرفت في اتفاقاتها الحدودية مع مصر والاردن، اذ ستطرح شروطا ومواصفات لترتيبات حدودية لن يكون بامكان لبنان تحمّل تبعاتها وتداعياتها.

اما اذا ما انتهت الجولة الحالية الى نوع من التوازن، فانه لا يعود بمقدور اسرائيل التحدث عن تطبيق احادي الطرف للقرار 1701 اذ ان لبنان وبعد التطورات الاخيرة لن يقبل بمنطقة عازلة على جانبه الحدودي، بل سيصرّ على منطقة مماثلة في الجانب الاسرائيلي، خصوصا ان لديه ورقة قوية هي ورقة الخروق الاسرائيلية المدعومة من مجلس الامن نفسه.

اما اذا نجحت واشنطن في جهودها الرامية الى فرض تسوية وترتيبات امنية حدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة وفق “ورقة هوكشتاين”، فان الحاجة الى دور هذه القوة كبيرة اذ ليس من السهولة تصور حل ما أو تسوية معيّنة من دون دور لهذه القوة.

مزيد من الأخبار