هل سيعود “الحزب” بفائض قوة أو سيجلس مع باقي الفرقاء اللبنانيين؟

الكاتب: سوسن مهنا | المصدر: اندبندنت عربية
6 كانون الأول 2024

تختلف أحوال “حزب الله” بصورة جذرية خلال هذه الأيام، فبعد توقيع الاتفاق المذكور مع إسرائيل انقسمت الآراء كالعادة في الداخل اللبناني بين من عدَّ أن الحزب سجل انتصاراً، في حين يرى فريق كبير من اللبنانيين أن الحزب هُزم، ولكل فريق اعتباراته وحججه.

اختلطت أوراق وملفات المنطقة من جديد بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ نهار الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بوساطة أميركية، والذي نص على إنهاء الأعمال القتالية التي استمرت لأكثر من عام في عملية سماها الحزب معركة “أولي البأس”، وسمتها إسرائيل “عملية السهام الشمالية”.

وتزامناً شهدت مدينة حلب السورية تطورات ميدانية مهمة مع وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل، وشنت فصائل المعارضة السورية المسلحة هجوماً مفاجئاً على قوات النظام السوري مما أدى إلى سيطرتها على كامل مدينة إدلب وريفها، والسيطرة على مدينة حلب ما عدا أحياء لا تزال القوات الكردية توجد فيها ومناطق أخرى في ريف حماة. وأشار رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية هادي البحرة إلى أن الهدنة في لبنان سمحت للمعارضة بالتركيز على هذا الهجوم، مستفيدة من انشغال “حزب الله” بالصراع مع إسرائيل. في حين نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مصادر مطلعة على تفكير “حزب الله” أنه لا يعتزم إرسال مسلحين إلى شمال سوريا لدعم جيش النظام خلال الوقت الحالي، وأنه “ليس مستعداً لإرسال قوات إلى سوريا في هذه المرحلة”، مما دفع عديداً من المراقبين للمقارنة بين أحداث اليوم وأحداث عام 2013، عندما أعلن الأمين العام للحزب الراحل حسن نصرالله خلال الـ25 من مايو (أيار) من ذلك العام أن “ثلة من مقاتلي الحزب تشارك في القتال داخل سوريا”، وتعهد بالنصر في معركة سوريا حينها قائلاً “نحن صناع انتصارات معركة سوريا… ونحن أهل ورجال معركة القصير وصناع انتصاراتها”.

وتختلف أحوال الحزب بصورة جذرية هذه الأيام، فبعد توقيع الاتفاق المذكور مع إسرائيل انقسمت الآراء كالعادة في الداخل اللبناني بين من عدَّ أن الحزب سجل انتصاراً في حين يرى فريق كبير من اللبنانيين أن الحزب هُزم، ولكل فريق اعتباراته وحججه. وقال الأمين العام الجديد نعيم قاسم بدوره في الكلمة الأولى بعد وقف إطلاق النار “قررت أن أعلن كنتيجة بصورة رسمية وواضحة أننا أمام انتصار كبير يفوق الانتصار الذي حصل في يوليو 2006″، مضيفاً “انتصرنا لأننا منعنا العدو من تدمير “حزب الله”.

يتوقف مراقبون عند ما وصفوه بالجزء الأهم في خطاب قاسم التعهدات التي أعلن عنها لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب، ومن بينها المساعدة في إعادة الإعمار وإكمال عقد المؤسسات الدستورية وعلى رأسها انتخاب رئيس للجمهورية، وعبر عن أمنيته في تحقيق ذلك أثناء الموعد المحدد خلال التاسع من يناير (كانون الثاني) 2025، وهو الموعد الذي حدده رئيس مجلس النواب نبيه بري لعقد جلسة انتخابية لرئيس الجمهورية. وتابع قاسم أن حضور الحزب في الحياة السياسية والاجتماعية سيكون فاعلاً ومؤثراً بما يواكب ظروف البلد، قائلاً إن “عملنا الوطني سيكون بالتعاون مع كل القوى التي تؤمن أن الوطن لجميع أبنائه، كما سنتعاون ونتحاور مع كل القوى التي تريد بناء لبنان الواحد على قاعدة اتفاق الطائف…”، في حين أشار إلى أن “دعمنا لفلسطين لن يتوقف وبصور مختلفة”، بما يعني وفي قراءة سريعة أن ذلك إقرار للحزب بفصل الجبهة اللبنانية عن الداخل الفلسطيني، والعودة إلى الداخل تحت سقف الدولة و”اتفاق الطائف”، وذلك ما يعد تطوراً كبيراً في توجهات الحزب.

وصاية أميركية

لكن من وجهة نظر أخرى يمكن ربط ما يحدث في سوريا على أنه انعكاس لهزيمة “محور الممانعة”، بعدما أعطيت السلطات اللبنانية وقتاً طويلاً كي تضع حداً لنفوذ “حزب الله”، ولكن راوغ المسؤولون والحكومات المتعاقبة واستخفوا بالتحذيرات حتى تدخل المجتمع الدولي ليضع حداً للتفلت الحاصل وهيمنة الحزب على مفاصل الدولة، في إشارة إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه الحكومة اللبنانية وأقر بتطبيق القرار 1701، وتعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز رئيساً للجنة مراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار والتي تترأسها الولايات المتحدة، ويتولى المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين منصب الرئيس المدني المشارك بصورة موقتة، حتى تعيين مسؤول آخر دائم.

هل يعود الحزب إلى الداخل اللبناني بـ”فائض القوة”؟

ضمن هذا الجو الملبد أشارت صحف لبنانية عدة إلى معطيات جدية مثيرة للقلق داخلياً بعد اعتداء عناصر من “حزب الله” على الصحافيين والإعلاميين، وأنه محاولة من قبل الحزب لإظهار فائض القوة. ولفتت المعلومات إلى تنبيهات جدية وصلت إلى النواب في المعارضة السيادية والوسطيين عبر سفراء عرب وأكدها سفراء أجانب، مبنية على تقارير ومعلومات استخباراتية تفيد بأن إيران قد تقدم على خطوات في الداخل اللبناني بعد حشرها في الإقليم، ولقلب المعادلة بعد خسارة الحزب الحرب وقد تلجأ إلى اغتيال قادة رأي وإعلاميين ونواب للإبقاء على السطوة الداخلية، مما يثير تساؤلات عدة حول كيفية عودة الحزب إلى الساحة السياسية اللبنانية؟

وعلى رغم الخسائر قد يسعى “حزب الله” إلى استغلال ما تبقى من نفوذه العسكري والسياسي لتعزيز موقعه الداخلي، مستنداً إلى قدراته المتبقية ودعمه الشعبي. إلا أن هذا التوجه قد يواجه عقبات وبخاصة في ظل الضغوط الدولية والمحلية المطالبة بنزع سلاحه ودمجه الكامل في الدولة اللبنانية. وعلى ضوء ذلك، قد يجد الحزب نفسه مضطراً للانخراط في حوار وطني مع مختلف القوى السياسية اللبنانية، بهدف التوصل إلى تسوية تضمن استقراره السياسي وتخفيف الضغوط عنه، ويتماشى هذا السيناريو مع الدعوات المحلية والدولية لدمج الحزب في المؤسسات الرسمية ونزع سلاحه. وهذا ما كان دعا إليه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع وإلى تخلي الحزب عن سلاحه لإنهاء الحرب مع إسرائيل وتجنب مزيد من الدمار في لبنان، معتبراً أن هذه الخطوة قد تساعد في إعادة البلاد إلى وضعها الطبيعي. وفي المقابل، أكد النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله أن الحزب سيستمر بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مشيراً إلى دوره في مساعدة النازحين اللبنانيين على العودة إلى قراهم وإعادة بناء المناطق المتضررة.

من هذه الزاوية يبدو أن “حزب الله” أمام مفترق طرق، إما تعزيز نفوذه بالقوة مما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة والضغوط وقد يدفع إسرائيل لاتخاذ القرار بشن حرب جديدة، أو الانخراط في حوار وطني يفضي إلى تسوية سياسية تضمن استقرار لبنان وتخفف من حدة التوترات الداخلية والخارجية.

إعادة تقييم لكل المراحل التي مر بها “حزب الله”

وفي السياق، يشير الكاتب السياسي المتخصص في الحركات الإسلامية والأكاديمي قاسم قصير لـ”اندبندنت عربية” إلى أن “تسلم الشيخ نعيم قاسم مهمة الأمانة العامة للحزب اليوم مغامرة كبيرة، “لأنه معرض للاغتيال من قبل العدو الصهيوني ويعمل في ظروف صعبة”، وستكون أمامه مهام كبيرة منها إدارة المعركة ومتابعة الملفات السياسية وملف إعادة الإعمار بعد الحرب والاهتمام بملف النازحين، إضافة لإعادة هيكلة الحزب بعد انتهاء المعركة في ظل ما تعرض له الحزب من ضربات قاسية أدت إلى مقتل أمينه العام حسن نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين وعدد من قادته العسكريين والتنفيذيين. وتابع قصير “مهام الشيخ قاسم اليوم كبيرة جداً وهو القادر على متابعة الملفات والحريص على الحوار والنقاش والاهتمام بأدق التفاصيل، والحزب في عهده يمر بأصعب مرحلة مر بها منذ تأسيسه إلى اليوم، وعلى رغم أنه من السابق لأوانه تحديد أفق المرحلة المقبلة بانتظار نهاية الحرب على لبنان وتحديد طبيعة الدور الذي سيقوم به الحزب بعد انتهاء الحرب، فإنه يمكن القول إن الحزب سيكون أمام مرحلة تأسيسية جديدة لها علاقة بتقييم كل المراحل السابقة منذ تأسيسه إلى اليوم، وكذلك دوره في محور المقاومة وكيفية استكماله في دعم القضية الفلسطينية وموقعه السياسي في الداخل اللبناني، وعلاقاته بالقوى الإقليمية والدولية وخصوصاً سوريا وإيران”. وزاد الأكاديمي قصير قائلاً “نحن إذاً سنكون أمام حزب جديد في المرحلة المقبلة، يستفيد من تجارب المرحلة الماضية ويحدد رؤية جديدة للمستقبل على ضوء المعطيات والتطورات الجارية في لبنان والمنطقة والعالم”.

عزلة دولية

من البديهي القول إن “حزب الله” يعد أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في لبنان، ويثير دوره وسلاحه انقسامات حادة داخل الساحة اللبنانية بين مؤيد ومعارض. وتتداخل هذه الانقسامات مع الانتماءات الطائفية والسياسية والاقتصادية، مما يعكس تعقيدات المشهد اللبناني. وفي حين يذهب المؤيدون إلى اعتبار سلاح الحزب يمثل قوة ردع ضد التهديدات الإسرائيلية، ويؤكدون أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 جاء نتيجة “المقاومة المسلحة”، وينظرون إلى الحزب كمدافع رئيسي عن الطائفة الشيعية ومصالحها، وبخاصة في ظل شعور شريحة من الطائفة بالتهميش السياسي والاقتصادي، يرى معارضو سلاح “حزب الله” أنه يتجاوز سلطة الدولة اللبنانية وينتهك سيادتها ويمثل دولة داخل الدولة، ويعدون أن قرارات الحرب والسلم يجب أن تكون حصرية بيد الدولة وأن سردية “السلاح الردعي” أسقطتها الحرب الأخيرة مع إسرائيل، إذ طاولت الغارات كامل الأراضي اللبنانية ملحقة الدمار والتهجير والقتل، في مشهد أبشع بكثير من مشاهد حرب يوليو 2006. وكما ينتقد المعارضون احتكار الحزب السلاح معتبرين أنه يعمق الانقسام الطائفي في لبنان، وبخاصة داخل الساحتين السنية والمسيحية، إضافة إلى أن هيمنة الحزب على المشهد السياسي تحد من توازن القوى وتكرس الهيمنة الشيعية على حساب المكونات الأخرى. ويربط المعارضون الأزمات الاقتصادية اللبنانية بتدخلات “حزب الله” في حروب إقليمية مثل سوريا واليمن، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية أو انكفاء دول عربية عديدة وبخاصة الخليجية منها عن الاستثمار والقدوم إلى البلد، مما أسهم في عزلة لبنان عن المجتمع الدولي. كما أن ارتباط الحزب الوثيق مع إيران يعرض لبنان لأن يكون ساحة لصراع إقليمي لا يخدم المصالح اللبنانية.

وقد يؤدي استمرار الانقسام إلى دفع الأطراف السياسية نحو إطلاق حوار وطني لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية، أو العكس في حال استمرت التوترات السياسية والطائفية، مما قد يفاقم ويعمق الانقسام ويؤدي إلى اضطرابات أمنية. ومن هنا يأتي التحدي الأكبر لإيجاد صيغة توازن بين حماية لبنان من التهديدات الخارجية وضمان سيادة الدولة، مع معالجة تداعيات الانقسام على الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.

هل سيعود “الحزب” بفائض قوة أو سيجلس مع باقي الفرقاء اللبنانيين؟

الكاتب: سوسن مهنا | المصدر: اندبندنت عربية
6 كانون الأول 2024

تختلف أحوال “حزب الله” بصورة جذرية خلال هذه الأيام، فبعد توقيع الاتفاق المذكور مع إسرائيل انقسمت الآراء كالعادة في الداخل اللبناني بين من عدَّ أن الحزب سجل انتصاراً، في حين يرى فريق كبير من اللبنانيين أن الحزب هُزم، ولكل فريق اعتباراته وحججه.

اختلطت أوراق وملفات المنطقة من جديد بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ نهار الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بوساطة أميركية، والذي نص على إنهاء الأعمال القتالية التي استمرت لأكثر من عام في عملية سماها الحزب معركة “أولي البأس”، وسمتها إسرائيل “عملية السهام الشمالية”.

وتزامناً شهدت مدينة حلب السورية تطورات ميدانية مهمة مع وقف إطلاق النار بين الحزب وإسرائيل، وشنت فصائل المعارضة السورية المسلحة هجوماً مفاجئاً على قوات النظام السوري مما أدى إلى سيطرتها على كامل مدينة إدلب وريفها، والسيطرة على مدينة حلب ما عدا أحياء لا تزال القوات الكردية توجد فيها ومناطق أخرى في ريف حماة. وأشار رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية هادي البحرة إلى أن الهدنة في لبنان سمحت للمعارضة بالتركيز على هذا الهجوم، مستفيدة من انشغال “حزب الله” بالصراع مع إسرائيل. في حين نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مصادر مطلعة على تفكير “حزب الله” أنه لا يعتزم إرسال مسلحين إلى شمال سوريا لدعم جيش النظام خلال الوقت الحالي، وأنه “ليس مستعداً لإرسال قوات إلى سوريا في هذه المرحلة”، مما دفع عديداً من المراقبين للمقارنة بين أحداث اليوم وأحداث عام 2013، عندما أعلن الأمين العام للحزب الراحل حسن نصرالله خلال الـ25 من مايو (أيار) من ذلك العام أن “ثلة من مقاتلي الحزب تشارك في القتال داخل سوريا”، وتعهد بالنصر في معركة سوريا حينها قائلاً “نحن صناع انتصارات معركة سوريا… ونحن أهل ورجال معركة القصير وصناع انتصاراتها”.

وتختلف أحوال الحزب بصورة جذرية هذه الأيام، فبعد توقيع الاتفاق المذكور مع إسرائيل انقسمت الآراء كالعادة في الداخل اللبناني بين من عدَّ أن الحزب سجل انتصاراً في حين يرى فريق كبير من اللبنانيين أن الحزب هُزم، ولكل فريق اعتباراته وحججه. وقال الأمين العام الجديد نعيم قاسم بدوره في الكلمة الأولى بعد وقف إطلاق النار “قررت أن أعلن كنتيجة بصورة رسمية وواضحة أننا أمام انتصار كبير يفوق الانتصار الذي حصل في يوليو 2006″، مضيفاً “انتصرنا لأننا منعنا العدو من تدمير “حزب الله”.

يتوقف مراقبون عند ما وصفوه بالجزء الأهم في خطاب قاسم التعهدات التي أعلن عنها لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب، ومن بينها المساعدة في إعادة الإعمار وإكمال عقد المؤسسات الدستورية وعلى رأسها انتخاب رئيس للجمهورية، وعبر عن أمنيته في تحقيق ذلك أثناء الموعد المحدد خلال التاسع من يناير (كانون الثاني) 2025، وهو الموعد الذي حدده رئيس مجلس النواب نبيه بري لعقد جلسة انتخابية لرئيس الجمهورية. وتابع قاسم أن حضور الحزب في الحياة السياسية والاجتماعية سيكون فاعلاً ومؤثراً بما يواكب ظروف البلد، قائلاً إن “عملنا الوطني سيكون بالتعاون مع كل القوى التي تؤمن أن الوطن لجميع أبنائه، كما سنتعاون ونتحاور مع كل القوى التي تريد بناء لبنان الواحد على قاعدة اتفاق الطائف…”، في حين أشار إلى أن “دعمنا لفلسطين لن يتوقف وبصور مختلفة”، بما يعني وفي قراءة سريعة أن ذلك إقرار للحزب بفصل الجبهة اللبنانية عن الداخل الفلسطيني، والعودة إلى الداخل تحت سقف الدولة و”اتفاق الطائف”، وذلك ما يعد تطوراً كبيراً في توجهات الحزب.

وصاية أميركية

لكن من وجهة نظر أخرى يمكن ربط ما يحدث في سوريا على أنه انعكاس لهزيمة “محور الممانعة”، بعدما أعطيت السلطات اللبنانية وقتاً طويلاً كي تضع حداً لنفوذ “حزب الله”، ولكن راوغ المسؤولون والحكومات المتعاقبة واستخفوا بالتحذيرات حتى تدخل المجتمع الدولي ليضع حداً للتفلت الحاصل وهيمنة الحزب على مفاصل الدولة، في إشارة إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه الحكومة اللبنانية وأقر بتطبيق القرار 1701، وتعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز رئيساً للجنة مراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار والتي تترأسها الولايات المتحدة، ويتولى المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين منصب الرئيس المدني المشارك بصورة موقتة، حتى تعيين مسؤول آخر دائم.

هل يعود الحزب إلى الداخل اللبناني بـ”فائض القوة”؟

ضمن هذا الجو الملبد أشارت صحف لبنانية عدة إلى معطيات جدية مثيرة للقلق داخلياً بعد اعتداء عناصر من “حزب الله” على الصحافيين والإعلاميين، وأنه محاولة من قبل الحزب لإظهار فائض القوة. ولفتت المعلومات إلى تنبيهات جدية وصلت إلى النواب في المعارضة السيادية والوسطيين عبر سفراء عرب وأكدها سفراء أجانب، مبنية على تقارير ومعلومات استخباراتية تفيد بأن إيران قد تقدم على خطوات في الداخل اللبناني بعد حشرها في الإقليم، ولقلب المعادلة بعد خسارة الحزب الحرب وقد تلجأ إلى اغتيال قادة رأي وإعلاميين ونواب للإبقاء على السطوة الداخلية، مما يثير تساؤلات عدة حول كيفية عودة الحزب إلى الساحة السياسية اللبنانية؟

وعلى رغم الخسائر قد يسعى “حزب الله” إلى استغلال ما تبقى من نفوذه العسكري والسياسي لتعزيز موقعه الداخلي، مستنداً إلى قدراته المتبقية ودعمه الشعبي. إلا أن هذا التوجه قد يواجه عقبات وبخاصة في ظل الضغوط الدولية والمحلية المطالبة بنزع سلاحه ودمجه الكامل في الدولة اللبنانية. وعلى ضوء ذلك، قد يجد الحزب نفسه مضطراً للانخراط في حوار وطني مع مختلف القوى السياسية اللبنانية، بهدف التوصل إلى تسوية تضمن استقراره السياسي وتخفيف الضغوط عنه، ويتماشى هذا السيناريو مع الدعوات المحلية والدولية لدمج الحزب في المؤسسات الرسمية ونزع سلاحه. وهذا ما كان دعا إليه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع وإلى تخلي الحزب عن سلاحه لإنهاء الحرب مع إسرائيل وتجنب مزيد من الدمار في لبنان، معتبراً أن هذه الخطوة قد تساعد في إعادة البلاد إلى وضعها الطبيعي. وفي المقابل، أكد النائب عن “حزب الله” حسن فضل الله أن الحزب سيستمر بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مشيراً إلى دوره في مساعدة النازحين اللبنانيين على العودة إلى قراهم وإعادة بناء المناطق المتضررة.

من هذه الزاوية يبدو أن “حزب الله” أمام مفترق طرق، إما تعزيز نفوذه بالقوة مما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة والضغوط وقد يدفع إسرائيل لاتخاذ القرار بشن حرب جديدة، أو الانخراط في حوار وطني يفضي إلى تسوية سياسية تضمن استقرار لبنان وتخفف من حدة التوترات الداخلية والخارجية.

إعادة تقييم لكل المراحل التي مر بها “حزب الله”

وفي السياق، يشير الكاتب السياسي المتخصص في الحركات الإسلامية والأكاديمي قاسم قصير لـ”اندبندنت عربية” إلى أن “تسلم الشيخ نعيم قاسم مهمة الأمانة العامة للحزب اليوم مغامرة كبيرة، “لأنه معرض للاغتيال من قبل العدو الصهيوني ويعمل في ظروف صعبة”، وستكون أمامه مهام كبيرة منها إدارة المعركة ومتابعة الملفات السياسية وملف إعادة الإعمار بعد الحرب والاهتمام بملف النازحين، إضافة لإعادة هيكلة الحزب بعد انتهاء المعركة في ظل ما تعرض له الحزب من ضربات قاسية أدت إلى مقتل أمينه العام حسن نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي هاشم صفي الدين وعدد من قادته العسكريين والتنفيذيين. وتابع قصير “مهام الشيخ قاسم اليوم كبيرة جداً وهو القادر على متابعة الملفات والحريص على الحوار والنقاش والاهتمام بأدق التفاصيل، والحزب في عهده يمر بأصعب مرحلة مر بها منذ تأسيسه إلى اليوم، وعلى رغم أنه من السابق لأوانه تحديد أفق المرحلة المقبلة بانتظار نهاية الحرب على لبنان وتحديد طبيعة الدور الذي سيقوم به الحزب بعد انتهاء الحرب، فإنه يمكن القول إن الحزب سيكون أمام مرحلة تأسيسية جديدة لها علاقة بتقييم كل المراحل السابقة منذ تأسيسه إلى اليوم، وكذلك دوره في محور المقاومة وكيفية استكماله في دعم القضية الفلسطينية وموقعه السياسي في الداخل اللبناني، وعلاقاته بالقوى الإقليمية والدولية وخصوصاً سوريا وإيران”. وزاد الأكاديمي قصير قائلاً “نحن إذاً سنكون أمام حزب جديد في المرحلة المقبلة، يستفيد من تجارب المرحلة الماضية ويحدد رؤية جديدة للمستقبل على ضوء المعطيات والتطورات الجارية في لبنان والمنطقة والعالم”.

عزلة دولية

من البديهي القول إن “حزب الله” يعد أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين في لبنان، ويثير دوره وسلاحه انقسامات حادة داخل الساحة اللبنانية بين مؤيد ومعارض. وتتداخل هذه الانقسامات مع الانتماءات الطائفية والسياسية والاقتصادية، مما يعكس تعقيدات المشهد اللبناني. وفي حين يذهب المؤيدون إلى اعتبار سلاح الحزب يمثل قوة ردع ضد التهديدات الإسرائيلية، ويؤكدون أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 جاء نتيجة “المقاومة المسلحة”، وينظرون إلى الحزب كمدافع رئيسي عن الطائفة الشيعية ومصالحها، وبخاصة في ظل شعور شريحة من الطائفة بالتهميش السياسي والاقتصادي، يرى معارضو سلاح “حزب الله” أنه يتجاوز سلطة الدولة اللبنانية وينتهك سيادتها ويمثل دولة داخل الدولة، ويعدون أن قرارات الحرب والسلم يجب أن تكون حصرية بيد الدولة وأن سردية “السلاح الردعي” أسقطتها الحرب الأخيرة مع إسرائيل، إذ طاولت الغارات كامل الأراضي اللبنانية ملحقة الدمار والتهجير والقتل، في مشهد أبشع بكثير من مشاهد حرب يوليو 2006. وكما ينتقد المعارضون احتكار الحزب السلاح معتبرين أنه يعمق الانقسام الطائفي في لبنان، وبخاصة داخل الساحتين السنية والمسيحية، إضافة إلى أن هيمنة الحزب على المشهد السياسي تحد من توازن القوى وتكرس الهيمنة الشيعية على حساب المكونات الأخرى. ويربط المعارضون الأزمات الاقتصادية اللبنانية بتدخلات “حزب الله” في حروب إقليمية مثل سوريا واليمن، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية أو انكفاء دول عربية عديدة وبخاصة الخليجية منها عن الاستثمار والقدوم إلى البلد، مما أسهم في عزلة لبنان عن المجتمع الدولي. كما أن ارتباط الحزب الوثيق مع إيران يعرض لبنان لأن يكون ساحة لصراع إقليمي لا يخدم المصالح اللبنانية.

وقد يؤدي استمرار الانقسام إلى دفع الأطراف السياسية نحو إطلاق حوار وطني لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية، أو العكس في حال استمرت التوترات السياسية والطائفية، مما قد يفاقم ويعمق الانقسام ويؤدي إلى اضطرابات أمنية. ومن هنا يأتي التحدي الأكبر لإيجاد صيغة توازن بين حماية لبنان من التهديدات الخارجية وضمان سيادة الدولة، مع معالجة تداعيات الانقسام على الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار