بين الانتصار الانكسار

الكاتب: د حبيب خلف | المصدر: النهار
16 كانون الأول 2024

لقد آليت على نفسي منذ بداية هذه الحرب المفروضة علينا قسراً أن لا أبدي رأياً سياسياً أو اجتماعياً، وقد لامني البعض على ذلك، أما بعد وقف إطلاق النار ورؤية ما يحدث الآن في الجنوب، فتذكرت قول الكتاب المقدس “فليس مكتوم إلا سيُعلن ولا من خفي إلا سيظهر، ولذلك كل ما تقولونه في الظلمة سيُسمع في النور، وما كلّمتم به الأذن في المخادع يُنادى به على السطوح” (لوقا 12). عندما يسألونني من أين أنت؟ أجيب من الجنوب، من قرية اسمها يارون. فيسألونني: وكيف أهل يارون؟ فأجيب بحسرة: “لا يرون شيئاً، فقد أُعميت عيونهم من دخان الفوسفور، واسودت قلوبهم من روائح البارود، وصُمّت آذانهم من صوت المسيّرات، وضاقت صدورهم من كذب الوعود، وأُهينت كراماتهم من صناديق المساعدات، وشُلّت مفاصلهم من هول الدمار”.

في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أعلن قسم من الفلسطينيين معركة طوفان الأقصى، فطافت فلسطين وغرقت غزة وتشردت رفح، ولم يصلِّ أحد في الأقصى. وفي 8 تشرين الأول (أكتوبر) قرر الحزب فتح جبهة المساندة انطلاقاً من قرى الجنوب، ومنها قريتي يارون، فسَنَدَنا الإسرائيلي بكمّ ٍمن القذائف وتهجرنا ونزحنا وتبهدلنا وباللهجة الجنوبية “تشحرنا”… ولم يصلِّ أحد في القدس. لم تشعر بقية المناطق اللبنانية بما شعرنا به إلا عند تفاقم الحرب، أي في أيلول 2024، وكم صلينا ألا يحدث ذلك علّنا نكون فداءً للوطن.

في بلدتي يارون دُمّرت كنيستنا ومقر المطرانية الصيفي وبيت الكاهن، ومساجد البلدة والمقامات الدينية، والبيوت والمزارع والآبار وحرج السنديان الوحيد في الجنوب، حتى حرمة الموت لم تسلم، لقد أميتت الحياة بحد ذاتها لا بل تمت إبادتها. فلا سمعنا استنكاراً أو قرأنا خطاباً أو لمسنا مناشدة، أو رأينا شجباً، لا من الكنيسة ورعاتها، ولا من المساجد وخطبائها، ولا من الأمّة ونوابها، ومن حاول من الشعب المقهور أن يعبّر عن حزنه أو ألمه أو غضبه أو يأسه أو رفضه، اتُّهم بالعمالة والخيانة.

وبالملء نتجرأ ونقولها: لا يحق لنا أن نعلن انتصارنا، بل سنعلن انكسارنا، لقد انتحرنا وانتُحرنا ونُحرنا. نحن بحاجة إلى العشرات من السنين لبناء ما تهدم، ولا أعني الحجر، فرغم تكاليفه المادية الباهظة سيكون ثمنه بخساً أمام ما سندفعه من لملمة للجراح وبلسمة للقلوب وإسقاط للحواجز وتهديم للدشم التي غيّرت معالم النفوس والجغرافيا، فقد أُدخلنا في أتون هذه الحرب القذرة ونحن لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولم نعلم كيف ابتدأت ولماذا، ولا ندري كيف ستنتهي وعلى حساب من وماذا!!

لا لم ننتصر، ففي زمن الحرب دُمرنا وهُجّرنا ونزحنا وخفنا وبكينا، لا بل خُوّنا، وفي زمن وقف إطلاق النار – كونه ليس زمن السلم بعد – تُنسف بيوتنا وتُجرف طرقنا، وتُزال معالم قرانا، ومن عاد إلى القرى المجاورة تُنتهك كراماته، فممنوع عليه التجول بعد الساعة الخامسة مساءً، ومن منعه هو الإسرائيلي الذي وقّعنا له على ما وقّعنا، وبصرف النظر إن كنا نعلم أو لا نعلم على ماذا وقّعنا فالمصيبة قائمة، ما يحدث الآن ليس آلية لتطبيق القرار 1701 بل قرار جديد وتحت البند السابع والعاشر والمئة. ففي العلوم العسكرية والسياسية والأنثروبولوجية والسيكولوجية، هذا يسمى انكساراً وليس انتصاراً.

لقد انتظرنا الردود من الجميع وفي الزمان والمكان المناسبين فنُسي الزمان وأُبيد المكان. أن نعلن استسلامنا ليس نهاية العالم، لا بل من الممكن أن يؤسس هذا الإعلان لانتصارات من نوع آخر وفي زمن آخر. ففي الحرب العالمية الثانية، استسلمت اليابان بعد الضربات النووية على هيروشيما وناكازاكي لتوقف قتل شعبها. استسلمت في الحرب وقاومت في السّلم، وها هو اقتصاد اليابان من أقوى الاقتصادات العالمية. استسلمت ألمانيا وانتحر هتلر وقاومت وقامت من ركام حرب كونية،  وكسرت جدار برلين، وها هي تقود اقتصاد قارة بأكملها.

فلنعترف بأن زمن البندقية والصواريخ قد خسر ولنقاوم في زمن السلم – إن أتى – بالاقتصاد وثقافة الحياة والعلم.

ولا مناص من القول إننا حاولنا بكل صدق العيش معاً، نجحنا حيناً وفشلنا أحياناً أكثر، ليس لأن العيش بشراكة خطأ بل لأن الطريقة خاطئة والقلوب مشحونة، لأن الغضب تجبّر على المحبة، والقوة الفائضة استقوت على السلمية، والتعجرف تكبّر على التواضع. وفي واقع الأمر المشكلة في الأسلوب وليس في العيش. وحريّ بنا أن نذكر أننا قد صُدمنا عندما تبيّن لنا أننا كنا نسكن ونبيت وننام فوق أكوام مكوّمة من الذخائر والصواريخ والمسيّرات، لقد هالنا وما زال حجم الدمار في قرانا، وقرفنا من كمية الحقد التي ظهرت عند هذا العدو الذي يسرح ويمرح ويعربد.

فلنتواضع قليلاً كما يقول الكتاب المقدس: “من رفع نفسه وُضع ومن وضع نفسه رُفع”، وهذا ما نجد صداه عند قول الإمام علي: “ما تواضع أحدٌ إلا زاده الله تعالى جلالة”.

واستخلاصاً لما سبق، إن القرار 425 استغرق تطبيقه نصف عمرنا، عسى ألا يسرق تطبيق القرار 1701 النصف الآخر، ولا نعلم ما تضمنته التواقيع على قرار وقف إطلاق النار ولماذا أعطي العدو فترة ستين يوماً؟ هل ليمعن تدميراً ونسفاً وعربدة دون أي رادع وتحت حجج منحها له الموقّعون؟ هل سنعود يوماً ما لقريتنا لنبكي على أطلال أو أكوام حجارة دُفنت تحت طياتها ذكريات العمر وضحكات الطفولة؟ والخوف الأكبر أن يؤول مصيرنا كمصير برعم أو سعسع جارتينا. وعلى الدنيا السلام.

بين الانتصار الانكسار

الكاتب: د حبيب خلف | المصدر: النهار
16 كانون الأول 2024

لقد آليت على نفسي منذ بداية هذه الحرب المفروضة علينا قسراً أن لا أبدي رأياً سياسياً أو اجتماعياً، وقد لامني البعض على ذلك، أما بعد وقف إطلاق النار ورؤية ما يحدث الآن في الجنوب، فتذكرت قول الكتاب المقدس “فليس مكتوم إلا سيُعلن ولا من خفي إلا سيظهر، ولذلك كل ما تقولونه في الظلمة سيُسمع في النور، وما كلّمتم به الأذن في المخادع يُنادى به على السطوح” (لوقا 12). عندما يسألونني من أين أنت؟ أجيب من الجنوب، من قرية اسمها يارون. فيسألونني: وكيف أهل يارون؟ فأجيب بحسرة: “لا يرون شيئاً، فقد أُعميت عيونهم من دخان الفوسفور، واسودت قلوبهم من روائح البارود، وصُمّت آذانهم من صوت المسيّرات، وضاقت صدورهم من كذب الوعود، وأُهينت كراماتهم من صناديق المساعدات، وشُلّت مفاصلهم من هول الدمار”.

في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أعلن قسم من الفلسطينيين معركة طوفان الأقصى، فطافت فلسطين وغرقت غزة وتشردت رفح، ولم يصلِّ أحد في الأقصى. وفي 8 تشرين الأول (أكتوبر) قرر الحزب فتح جبهة المساندة انطلاقاً من قرى الجنوب، ومنها قريتي يارون، فسَنَدَنا الإسرائيلي بكمّ ٍمن القذائف وتهجرنا ونزحنا وتبهدلنا وباللهجة الجنوبية “تشحرنا”… ولم يصلِّ أحد في القدس. لم تشعر بقية المناطق اللبنانية بما شعرنا به إلا عند تفاقم الحرب، أي في أيلول 2024، وكم صلينا ألا يحدث ذلك علّنا نكون فداءً للوطن.

في بلدتي يارون دُمّرت كنيستنا ومقر المطرانية الصيفي وبيت الكاهن، ومساجد البلدة والمقامات الدينية، والبيوت والمزارع والآبار وحرج السنديان الوحيد في الجنوب، حتى حرمة الموت لم تسلم، لقد أميتت الحياة بحد ذاتها لا بل تمت إبادتها. فلا سمعنا استنكاراً أو قرأنا خطاباً أو لمسنا مناشدة، أو رأينا شجباً، لا من الكنيسة ورعاتها، ولا من المساجد وخطبائها، ولا من الأمّة ونوابها، ومن حاول من الشعب المقهور أن يعبّر عن حزنه أو ألمه أو غضبه أو يأسه أو رفضه، اتُّهم بالعمالة والخيانة.

وبالملء نتجرأ ونقولها: لا يحق لنا أن نعلن انتصارنا، بل سنعلن انكسارنا، لقد انتحرنا وانتُحرنا ونُحرنا. نحن بحاجة إلى العشرات من السنين لبناء ما تهدم، ولا أعني الحجر، فرغم تكاليفه المادية الباهظة سيكون ثمنه بخساً أمام ما سندفعه من لملمة للجراح وبلسمة للقلوب وإسقاط للحواجز وتهديم للدشم التي غيّرت معالم النفوس والجغرافيا، فقد أُدخلنا في أتون هذه الحرب القذرة ونحن لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولم نعلم كيف ابتدأت ولماذا، ولا ندري كيف ستنتهي وعلى حساب من وماذا!!

لا لم ننتصر، ففي زمن الحرب دُمرنا وهُجّرنا ونزحنا وخفنا وبكينا، لا بل خُوّنا، وفي زمن وقف إطلاق النار – كونه ليس زمن السلم بعد – تُنسف بيوتنا وتُجرف طرقنا، وتُزال معالم قرانا، ومن عاد إلى القرى المجاورة تُنتهك كراماته، فممنوع عليه التجول بعد الساعة الخامسة مساءً، ومن منعه هو الإسرائيلي الذي وقّعنا له على ما وقّعنا، وبصرف النظر إن كنا نعلم أو لا نعلم على ماذا وقّعنا فالمصيبة قائمة، ما يحدث الآن ليس آلية لتطبيق القرار 1701 بل قرار جديد وتحت البند السابع والعاشر والمئة. ففي العلوم العسكرية والسياسية والأنثروبولوجية والسيكولوجية، هذا يسمى انكساراً وليس انتصاراً.

لقد انتظرنا الردود من الجميع وفي الزمان والمكان المناسبين فنُسي الزمان وأُبيد المكان. أن نعلن استسلامنا ليس نهاية العالم، لا بل من الممكن أن يؤسس هذا الإعلان لانتصارات من نوع آخر وفي زمن آخر. ففي الحرب العالمية الثانية، استسلمت اليابان بعد الضربات النووية على هيروشيما وناكازاكي لتوقف قتل شعبها. استسلمت في الحرب وقاومت في السّلم، وها هو اقتصاد اليابان من أقوى الاقتصادات العالمية. استسلمت ألمانيا وانتحر هتلر وقاومت وقامت من ركام حرب كونية،  وكسرت جدار برلين، وها هي تقود اقتصاد قارة بأكملها.

فلنعترف بأن زمن البندقية والصواريخ قد خسر ولنقاوم في زمن السلم – إن أتى – بالاقتصاد وثقافة الحياة والعلم.

ولا مناص من القول إننا حاولنا بكل صدق العيش معاً، نجحنا حيناً وفشلنا أحياناً أكثر، ليس لأن العيش بشراكة خطأ بل لأن الطريقة خاطئة والقلوب مشحونة، لأن الغضب تجبّر على المحبة، والقوة الفائضة استقوت على السلمية، والتعجرف تكبّر على التواضع. وفي واقع الأمر المشكلة في الأسلوب وليس في العيش. وحريّ بنا أن نذكر أننا قد صُدمنا عندما تبيّن لنا أننا كنا نسكن ونبيت وننام فوق أكوام مكوّمة من الذخائر والصواريخ والمسيّرات، لقد هالنا وما زال حجم الدمار في قرانا، وقرفنا من كمية الحقد التي ظهرت عند هذا العدو الذي يسرح ويمرح ويعربد.

فلنتواضع قليلاً كما يقول الكتاب المقدس: “من رفع نفسه وُضع ومن وضع نفسه رُفع”، وهذا ما نجد صداه عند قول الإمام علي: “ما تواضع أحدٌ إلا زاده الله تعالى جلالة”.

واستخلاصاً لما سبق، إن القرار 425 استغرق تطبيقه نصف عمرنا، عسى ألا يسرق تطبيق القرار 1701 النصف الآخر، ولا نعلم ما تضمنته التواقيع على قرار وقف إطلاق النار ولماذا أعطي العدو فترة ستين يوماً؟ هل ليمعن تدميراً ونسفاً وعربدة دون أي رادع وتحت حجج منحها له الموقّعون؟ هل سنعود يوماً ما لقريتنا لنبكي على أطلال أو أكوام حجارة دُفنت تحت طياتها ذكريات العمر وضحكات الطفولة؟ والخوف الأكبر أن يؤول مصيرنا كمصير برعم أو سعسع جارتينا. وعلى الدنيا السلام.

مزيد من الأخبار