“الحزب ” 2024… “ضحية” العام!

السائد في طقوس نهايات السنين عالميا، اختيار رجل العام أو امرأة السنة أو نجم الأشهر الـ12 الأخيرة. أما أن نختار “ضحية العام” ولا يكون رجلا أو امرأة أو نجم إنجاز عابر للأجيال، فهذا يتصل أولا وأخيرا بضخامة الحدث الأول والأخطر في مسار لبنان، والذي كان لاعبه الوحيد الأوحد “الحزب”.
والحال أنه واقعيا، لم يعد ثمة حبر لم يسل، أو كلام لم يقل، وحقائق لم تبرز، سواء اتسم كل ذلك بالموضوعية الكافية العادلة أو تعرض للتضخيم والنفخ والمغالاة، في ما آل إليه واقع الحزب الذي صار يوما “أكبر من بلده” بآلاف الأضعاف، مع الإشارة هنا إلى أن أبسط الحكم والحقائق التي كان الرئيس رفيق الحريري يرددها، وأعمقها، أن “أحدا ليس أكبر من بلده”. مع ذلك، وفي منتصف ترددات الزلزال الذي ضرب “الحزب” وكل محوره “الممانع” من بيروت إلى سوريا الطالعة إلى ولادة مذهلة جديدة، إلى غزة المسحوقة تحت سنابك أعتى حرب في التاريخ، إلى العراق ومنها إلى قلب المحور المنهار والمقطعة أوصاله، إيران نفسها، يستحيل المرور مرورا عابرا أمام حدث تاريخي بالمعنى السلبي المطلق هذه المرة، صار معه الحزب الموصوف بأنه اقوى أذرع محوره في المنطقة “ضحية العام” لا بطله. لا يتصل الأمر في هذا السياق بأي شماتة تافهة وسخيفة، لأن التجارب علمت اللبنانيين أنهم دوما ما “أكلوا يوم أكل الثور الأبيض”، ولا بنزعة استفزاز لبيئة الحزب الثكلى بألوف الشهداء من شبابها المقاتلين الذين قضوا في المواجهات الأعتى والأشرس مع العدو الأخطر والأسوأ والأقوى الذي يمكن تصوره في ما أثبتته وقائع الحرب المعاكسة التي شنتها إسرائيل على الحزب.
لكن تداعيات الحدث التاريخي بمعنى مرور الإعصار الحربي على لبنان وسحق الكثير من مناطقه، ناهيك بآثاره المباشرة على البنية العسكرية والبشرية للحزب وترسانته الخارقة، وواقعه الجيواستراتيجي بعدما صار لاعبا إقليميا وليس مجرد حزب فوق العادة في بلده، كل هذا يجعلنا أمام تبديلات وتغييرات ضخمة تقبل على لبنان، وهي بدأت فعلا، ولم يعرف لبنان مثيلا لها إلا فقط غداة فجر الطائف بعد سنوات الحرب الـ15 بين 1975 و1990.
لقد ثبت ثبوتا لا يرقى إليه شك أن القرار الإستراتيجي الذي أطلق غداته الأمين العام الراحل التاريخيّ لـ”الحزب” السيد نصرالله حرب مساندة غزة بتسمية “مواجهة المشاغلة”، ذاك القرار والمضي فيه بلا هوادة، سواء بقرار الحزب أو بقرار إيران، ولم يعد الآن من فارق في الجدل العقيم للتمييز بين فاصل لبناني وتعميم إيراني في واقع ما كان يسمى محور الممانعة … ذاك القرار انتهى إلى أن يتحول إسقاطا للحزب في محرقة حربية إسرائيلية كان من نتائجها أن جعلت إسرائيل تندفع البارحة إلى احتلال جبل الشيخ إياه وقضم جنوب سوريا بعدما أجهزت على معظم ترسانة “الحزب” ودمرت الجنوب والبقاع الشمالي والضاحية الجنوبية دمارا لم يشهد مثيلا له التاريخ سوى في ستالينغراد. بلغت حدود تضحية “الحزب” أمام ذاك “الربط المقدس” الكارثي بين حرب غزة والانزلاق بلبنان إلى استدراج حرب إسرائيلية عليه ما انكشف لاحقا عن سوء مرعب في الحسابات والتقديرات الإستراتيجية في غرف التخطيط الممانعة المتمادية، من طهران إلى حارة حريك، وهي حسابات تنطبق تماما في نهاية الأمر على تلك التي وقفت وراء إطلاق عملية “طوفان الأقصى” نفسها في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ذلك أن قاعدة الحسابات في عمليتي “طوفان الأقصى” وحرب المساندة ارتكزت على الرهان على فائض القوة ومباغتة إسرائيل وشعبها بحرب لم تشهد مثلها في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي والحروب التقليدية مع جيوش العرب. وكان ذلك صحيحا تماما من الناحية التاريخية والوقائع الحربية، لأن تاريخ اليهود وإسرائيل لم يشهد يوما سقط فيه 1400 قتيل كمثل ما حدث في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الذي يناهز يوم هجمات 11 أيلول (سبتمبر)2001 في الولايات المتحدة الأميركية.
ما لم تحسب له عقول غرف التخطيط لحرب محور الممانعة وعواصم نفوذ إيران، هو المدى غير المتخيل للردة الإسرائيلية بكل ما اختزنته ترسانتها الحربية والتكنولوجيا الخارقة، بحيث صار رمز الهزيمة التاريخية لإسرائيل في “طوفان الأقصى” ومن ثم في نجاح “الحزب” بتهجير سكان معظم شمال إسرائيل على نحو غير مسبوق، أي بنيامين نتيناهو، “ملك إسرائيل” بعد سنة معاكسة من الحرب الخيالية التي شنها في غزة ولبنان. كما أن تلك الحسابات أسقطت العامل الأخطر، وهو خذلان إيران لحلفائها المقاومين والمقاتلين باللحم الحي العربي من دون “تورط” إيراني مباشر.
لا تحتاج الوقائع المذهلة التي رافقت الأشهر الأربعة في لبنان إلى استعادات ما دام “اتفاق وقف الأعمال العدائية” شاهدا على استمرار الحدث الأخطر الذي عرفه لبنان. غير أن ما يظل مثيرا للقلق الشديد يتمثل في عدم اليقين من أن “دولة لبنان” وحدها وبلا منازع وبلا أي شراكة سلاح، وبلا أي استقواء وارتباط بأي خارج، ستعود لتحكم لبنان … “الحزب” الذي كان يجسد فائض القوة لبنانيا ورأس حربة المحور الإيراني السوري الممانع، هذا الحزب تكبد خسائر كيانية بشريا وتسليحا وهرمية، وذهبت إلى غير رجعة حقبة العقود المتوهجة من مساره، وفقد قائده ورمزه التاريخي، ومع ذلك لا يزال يعاند في الوقوف أمام المرآة!
“الحزب ” 2024… “ضحية” العام!

السائد في طقوس نهايات السنين عالميا، اختيار رجل العام أو امرأة السنة أو نجم الأشهر الـ12 الأخيرة. أما أن نختار “ضحية العام” ولا يكون رجلا أو امرأة أو نجم إنجاز عابر للأجيال، فهذا يتصل أولا وأخيرا بضخامة الحدث الأول والأخطر في مسار لبنان، والذي كان لاعبه الوحيد الأوحد “الحزب”.
والحال أنه واقعيا، لم يعد ثمة حبر لم يسل، أو كلام لم يقل، وحقائق لم تبرز، سواء اتسم كل ذلك بالموضوعية الكافية العادلة أو تعرض للتضخيم والنفخ والمغالاة، في ما آل إليه واقع الحزب الذي صار يوما “أكبر من بلده” بآلاف الأضعاف، مع الإشارة هنا إلى أن أبسط الحكم والحقائق التي كان الرئيس رفيق الحريري يرددها، وأعمقها، أن “أحدا ليس أكبر من بلده”. مع ذلك، وفي منتصف ترددات الزلزال الذي ضرب “الحزب” وكل محوره “الممانع” من بيروت إلى سوريا الطالعة إلى ولادة مذهلة جديدة، إلى غزة المسحوقة تحت سنابك أعتى حرب في التاريخ، إلى العراق ومنها إلى قلب المحور المنهار والمقطعة أوصاله، إيران نفسها، يستحيل المرور مرورا عابرا أمام حدث تاريخي بالمعنى السلبي المطلق هذه المرة، صار معه الحزب الموصوف بأنه اقوى أذرع محوره في المنطقة “ضحية العام” لا بطله. لا يتصل الأمر في هذا السياق بأي شماتة تافهة وسخيفة، لأن التجارب علمت اللبنانيين أنهم دوما ما “أكلوا يوم أكل الثور الأبيض”، ولا بنزعة استفزاز لبيئة الحزب الثكلى بألوف الشهداء من شبابها المقاتلين الذين قضوا في المواجهات الأعتى والأشرس مع العدو الأخطر والأسوأ والأقوى الذي يمكن تصوره في ما أثبتته وقائع الحرب المعاكسة التي شنتها إسرائيل على الحزب.
لكن تداعيات الحدث التاريخي بمعنى مرور الإعصار الحربي على لبنان وسحق الكثير من مناطقه، ناهيك بآثاره المباشرة على البنية العسكرية والبشرية للحزب وترسانته الخارقة، وواقعه الجيواستراتيجي بعدما صار لاعبا إقليميا وليس مجرد حزب فوق العادة في بلده، كل هذا يجعلنا أمام تبديلات وتغييرات ضخمة تقبل على لبنان، وهي بدأت فعلا، ولم يعرف لبنان مثيلا لها إلا فقط غداة فجر الطائف بعد سنوات الحرب الـ15 بين 1975 و1990.
لقد ثبت ثبوتا لا يرقى إليه شك أن القرار الإستراتيجي الذي أطلق غداته الأمين العام الراحل التاريخيّ لـ”الحزب” السيد نصرالله حرب مساندة غزة بتسمية “مواجهة المشاغلة”، ذاك القرار والمضي فيه بلا هوادة، سواء بقرار الحزب أو بقرار إيران، ولم يعد الآن من فارق في الجدل العقيم للتمييز بين فاصل لبناني وتعميم إيراني في واقع ما كان يسمى محور الممانعة … ذاك القرار انتهى إلى أن يتحول إسقاطا للحزب في محرقة حربية إسرائيلية كان من نتائجها أن جعلت إسرائيل تندفع البارحة إلى احتلال جبل الشيخ إياه وقضم جنوب سوريا بعدما أجهزت على معظم ترسانة “الحزب” ودمرت الجنوب والبقاع الشمالي والضاحية الجنوبية دمارا لم يشهد مثيلا له التاريخ سوى في ستالينغراد. بلغت حدود تضحية “الحزب” أمام ذاك “الربط المقدس” الكارثي بين حرب غزة والانزلاق بلبنان إلى استدراج حرب إسرائيلية عليه ما انكشف لاحقا عن سوء مرعب في الحسابات والتقديرات الإستراتيجية في غرف التخطيط الممانعة المتمادية، من طهران إلى حارة حريك، وهي حسابات تنطبق تماما في نهاية الأمر على تلك التي وقفت وراء إطلاق عملية “طوفان الأقصى” نفسها في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. ذلك أن قاعدة الحسابات في عمليتي “طوفان الأقصى” وحرب المساندة ارتكزت على الرهان على فائض القوة ومباغتة إسرائيل وشعبها بحرب لم تشهد مثلها في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي والحروب التقليدية مع جيوش العرب. وكان ذلك صحيحا تماما من الناحية التاريخية والوقائع الحربية، لأن تاريخ اليهود وإسرائيل لم يشهد يوما سقط فيه 1400 قتيل كمثل ما حدث في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الذي يناهز يوم هجمات 11 أيلول (سبتمبر)2001 في الولايات المتحدة الأميركية.
ما لم تحسب له عقول غرف التخطيط لحرب محور الممانعة وعواصم نفوذ إيران، هو المدى غير المتخيل للردة الإسرائيلية بكل ما اختزنته ترسانتها الحربية والتكنولوجيا الخارقة، بحيث صار رمز الهزيمة التاريخية لإسرائيل في “طوفان الأقصى” ومن ثم في نجاح “الحزب” بتهجير سكان معظم شمال إسرائيل على نحو غير مسبوق، أي بنيامين نتيناهو، “ملك إسرائيل” بعد سنة معاكسة من الحرب الخيالية التي شنها في غزة ولبنان. كما أن تلك الحسابات أسقطت العامل الأخطر، وهو خذلان إيران لحلفائها المقاومين والمقاتلين باللحم الحي العربي من دون “تورط” إيراني مباشر.
لا تحتاج الوقائع المذهلة التي رافقت الأشهر الأربعة في لبنان إلى استعادات ما دام “اتفاق وقف الأعمال العدائية” شاهدا على استمرار الحدث الأخطر الذي عرفه لبنان. غير أن ما يظل مثيرا للقلق الشديد يتمثل في عدم اليقين من أن “دولة لبنان” وحدها وبلا منازع وبلا أي شراكة سلاح، وبلا أي استقواء وارتباط بأي خارج، ستعود لتحكم لبنان … “الحزب” الذي كان يجسد فائض القوة لبنانيا ورأس حربة المحور الإيراني السوري الممانع، هذا الحزب تكبد خسائر كيانية بشريا وتسليحا وهرمية، وذهبت إلى غير رجعة حقبة العقود المتوهجة من مساره، وفقد قائده ورمزه التاريخي، ومع ذلك لا يزال يعاند في الوقوف أمام المرآة!











