هكذا نُفّذت «عملية أورتنسيا» وغادر ميشال عون إلى فرنسا

شغل العميد الركن المتقاعد ميشال حرّوق مواقع قيادية عدة في «الجيش اللبناني». كان أكثر تماساً مع الحياة السياسية، تولّيه رئاسة «جهاز الأمن العسكري» في «الشعبة الثانية» التي أصبحت أيامه تُعرف بـ «مديريّة المخابرات»، بعد تعديل «قانون الدفاع»، قبل أن يتولّى قيادة لواء «الحرس الجمهوري» أيام الرئيس الياس الهراوي.
بعد مرور عشرة أشهر على الإطاحة بالعماد ميشال عون، كان الأخير لا يزال لاجئاً إلى «السفارة الفرنسيّة» في الحازمية، ينتظر نضوج التسوية التي انتهت إلى نفيه إلى فرنسا حيث بقي حتى العام 2005. في ما يلي تفاصيل عملية تسفير العماد ميشال عون والتي حملت اسم «عملية أورتنسيا»، من كتاب «أسرار وحقائق في خدمة وطني – مذكّرات العميد الركن ميشال حرّوق»، الصادر عن «دار سائر المشرق».
اتصل بي الرئيس الياس الهراوي وطلب مني التوجّه إلى مكتب المدير العام لـ«الأمن العام» الأستاذ ريمون روفايل لأنّ هنالك شخصية ترغب في مقابلتي… عند وصولي فوجئت بوجود الجنرال الفرنسي فيليب روندو، وهو من أهم من عملوا في المخابرات الفرنسية وكُلِّفوا بمهمّات خاصة، وبطل عملية إلقاء القبض على الإرهابي المدعو كارلوس في السودان، لذلك ألحِق بمكتب وزير الدفاع الفرنسي للقيام بعمليّات خاصة جدّاً للدّولة الفرنسيّة…
أثناء اللقاء تناولنا الحديث عن المهمّة المطلوب منه تنفيذها، وهي نقل العماد ميشال عون واللواء إدغار معلوف والعميد عصام أبو جمرا إلى فرنسا. في حينه، طلب مني أنا كقائد لـ «الحرس الجمهوري» ومن مدير «الأمن العام» المساعدة في تنفيذ هذه المهمّة الدقيقة، والتي يجب أن تتمّ بسرية تامة، مضيفاً إلى أنّ التاريخ وطريقة التنفيذ سيتمّ مناقشتهما في توقيت لاحق.
سألته متظاهراً بالجهل إن كان تمّ وضع السلطات السورية في الأجواء، وأنا مقتنع بأنه قبل الاجتماع بنا قد يكون مرّ بعنجر للإبلاغ عن مهمّته. أجاب: «ليس هنالك من مشكلة في ذلك، فالسوريون يرغبون في مغادرة الحكومة العسكرية». سألته إن كانت السلطات العسكرية اللبنانية على علم بذلك. أجاب بأنّه علينا إطلاع اللبنانيين يوم تنفيذ المهمة. بعدها تداولنا في الخيارات المتعلقة بطريقة النقل؛ فهل هي عبر «مطار بيروت» أو بمروحيّة إلى عرض البحر ومن ثمّ على متن بارجة إلى خارج المياه الإقليمية. لاحظت في حينه أنه لا يريد أن يدخل في التفاصيل، لكنه أراد فقط التشديد على سريّة المهمة، وإبلاغ السلطات اللبنانية فقط عند تحديد ساعة الصفر.
تكهّنات
فترة من الزمن انقضت على اجتماعنا الأول، وبدأت وسائل الإعلام تتناقل خبر نقل العماد ميشال عون ورفاقه، وأخذت الصحف تتكهن حول الوسيلة المعتمدة، إلى أن دخلت عن طريق المطار خليّة أزمة مؤلّفة من الجنرال كريستيان كينو (General Christian Quesnot) «رئيس الأركان الخاصة برئيس جمهورية فرنسا» السيد فرانسوا ميتران مع وفد من وزارتَي الخارجية والدفاع.
أُعلنت ساعة الصفر. بيد أنني فوجئت عند انتقالي إلى السفارة في منطقة الحازمية بكثافة وسائل الإعلام الفرنسي واللبناني، فكأنه ما من وسيلة إعلامية إلا كانت موجودة في «ساحة مارت تقلا».
اجتمعت بالجنرال روندو في السفارة، وطلبت منه إعطائي الوقت الكافي لإبلاغ السلطات اللبنانية بالمهمّة. وأعلمته أنّ طريقة التهرّب من الصحفيين هي سهلة، وسأشرحها له فور عودتي من إفادة قائد الجيش بالموضوع. توجّهت إلى بعبدات، حيث كان العماد إميل لحود يبيت في منزله، وأفدته عن الموضوع فتمنّى لي التوفيق؛ وسألني إن كنّا قد أطلعنا السلطات السورية على الأمر، فهو يفضّل ذلك. عندها أطلعته على يقيني من أنّ الفرنسيين أبلغوهم بذلك. وعلى سبيل التأكيد سأتصل بالسوريين لإبلاغهم بالأمر. هكذا حصل، اتصلت بالعقيد السوري رستم غزالة، فقيل لي إنه في إجازة؛ تكلمت مع مساعده ولا أتذكر اسمه، وأبلغته أنه سيتم نقل العماد ميشال عون واللواء معلوف والعميد أبو جمرة إلى فرنسا، لأخذ العلم، ولم أحدّد الساعة ولا المكان. بعدها عدت أدراجي إلى «السفارة الفرنسية». هنا أرغب في أن أشدّد على أمر لافت للنظر، وهو أنّ طاقم السفارة لم يتعاطَ بالأمر لا من قريب ولا من بعيد، باستثناء ضابط المخابرات في السفارة. إن هذا ما أعرفه من قراءاتي من أنّ هنالك حساسية بين الدبلوماسيين وبين رجال المخابرات، إذ كان طاقم السفارة موجوداً بكامله، لكن لم يتدخّل بأي موضوع.
موكب مموّه
شرح لي الجنرال روندو أنّ طائرة خاصة حطّت منذ قليل في «مطار بيروت»، وأنّ كلّ وسائل الإعلام قد علمت بأنّ وجودها هو لنقل الحكومة العسكرية إلى الخارج. هنا اقترحت عليه أن يقوم بما أقوم به دائماً أثناء انتقالاتي، وهو «الموكب المموّه أو الوهمي» أو ما يُعرف بـ «Dummy Escort»، بما أن أكثر الصحفيين قد أصبحوا في المطار، فلنرسل موكباً إلى المطار. أما عندما تخلو الساحة، فنسلك طريق «مارت تقلا» الداخلية نحو الموقع المراد والمخطّط له أي ضبيّة مقابل «ABC» حالياً، حيث كان الطريق الساحلي بمحاذاة الشاطئ، وليس كما هو عليه اليوم.
هكذا حصل. فبعد مغادرة الموكب الوهمي، خرج موكبنا الحقيقي من المدخل الثانوي لبيت السفير نحو السفارة، ومنها إلى المنطقة المتّفق عليها. طلبت عندها أن أقابل العماد ميشال عون ورفاقه، فأجابني أحد موظفي السفارة بأنهم لا يرغبون في لقاء أحد. عندها انتظرت الساعة المحدّدة للانطلاق، حوالى الثالثة فجراً، وانطلقنا من السفارة بمواكبة «الحرس الجمهوري» و «الأمن العام» فقط، وكان في مؤخرة الموكب الصديق الذي ساعدني طيلة خدمتي، العقيد في «الأمن العام» جان مخايل الذي لم يبخل عليّ يوماً، لا بالسيارات ولا بالدَّوريات، وكان يشكّل الدعم الأساسي لي، كذلك «قوى الأمن الداخلي» و «أمن الدولة». لحقت بنا دورية من «مديرية المخابرات»، فما كان من العقيد مخايل إلى أن اعترضها لمنعها من اللّحاق بنا، وتمّ تنفيذ طلبي بعد مراجعة القائد شخصياً.
وصلنا إلى منطقة ضبية عند بزوغ الفجر، فترجلت أنا والمدير العام لـ«الأمن العام» محاولين الدخول إلى المنطقة التي كانت تحت حماية الفرنسيين، فمُنعنا من التقدّم، حينها عدنا إلى المقر الرئاسي الموقّت لإفادة الرئيس الهراوي عن تسفير الضباط، وهناك فوجئت بوجود خليّة الأزمة في مكتب فخامة الرئيس، عندها ألقيت مخزون غضبي على السلطات الفرنسية التي منعتني من الدخول إلى موقع التسفير، فاعتذر مني الجنرال الفرنسي كينو، ووعدني بأنه سيراجع بالموضوع؛ وبالفعل بعد فترة وصلتني رسالة اعتذار من الجنرال روندو، كما ومنحتنا السلطات الفرنسية، أنا والمدير العام لـ «الأمن العام»، «وسام الاستحقاق الفرنسي برتبة ضابط»، وقُلِّدنا الوسام من قبل سفير فرنسا آنذاك السيد دانييل هوسون (Daniel Husson) باحتفال ضمّ عائلة مدير «الأمن العام» وعائلتي وبعض الضباط من «الأمن العام» و«الحرس الجمهوري» في دار السفير الفرنسي بمنطقة الحازمية.
لقد نجحت عملية التسفير من دون أي عائق يُذكر لأن المناورة كانت مدروسة تفصيلاً مع كافة الاحتمالات التي كان يمكن أن تعترضنا. أما الوسام الذي مُنحتُه فكان أيضاً من استحقاق عناصر لواء «الحرس الجمهوري» الذي كان جاهزاً للتدخل بكافة أقسامه في حال اعتراض المهمة أي عائق. لم ألتقِ أيّاً من أعضاء «الحكومة العسكرية» لأنهم، كما ورد سابقاً، رفضوا مواجهتي، كما أنني لم أتكلّم معهم قطّ حتى بعد عودتهم إلى لبنان. التقيت مرّة باللّواء عصام أبو جمرا في أحد المطاعم، فعاتبني لأنني لم أزره، عندها أجبته بأنني «كنت أرغب بمواجهتكم ولقائكم، لكنكم أنتم من تمنعتم».
لو استمع إليّ
[…] كانت تجمعني بالعماد ميشال عون علاقة وثيقة جدّاً؛ فلو كان يستمع إليّ، لما حصل ما حصل لهذه المؤسسة التي يتفانى الكلّ في خدمتها؛ فضباطها هم من خيرة المجتمع اللبناني، وتنشئتهم مثالية، فهم خريجو أفضل المدارس العسكرية في العالم، وقد برهنوا في عدّة مناسبات عن تماسكهم، وعن انضباطيّة عالية تمظهرت في كلّ المراحل الصعبة التي مرّ بها الوطن[…] أما العماد عون، فأنا ألومه لأنه ارتكب خطأين لا يمكن مسامحته عليهما. الأول هو ترك محفوظات «مديريّة المخابرات»، والثاني إهانة أكبر سلطة روحيّة مسيحية في هذا الشرق. […] أما عند تعيين العماد ميشال عون قائداً للجيش، فأصبح الأمر رسمياً أكثر، لكن تابعت زياراتي الأسبوعية له في منزله حتى فترة الاشتباك مع «القوات اللبنانية» الذي حاولت إيقافه وساعدني في ذلك الرائد عادل ساسين، لكننا فشلنا لاقتناع الحلقة الضيقة التي كانت حول العماد ميشال عون، أنه بإمكانها إنهاء «القوات اللبنانية» في غضون يوم واحد.هكذا نُفّذت «عملية أورتنسيا» وغادر ميشال عون إلى فرنسا

شغل العميد الركن المتقاعد ميشال حرّوق مواقع قيادية عدة في «الجيش اللبناني». كان أكثر تماساً مع الحياة السياسية، تولّيه رئاسة «جهاز الأمن العسكري» في «الشعبة الثانية» التي أصبحت أيامه تُعرف بـ «مديريّة المخابرات»، بعد تعديل «قانون الدفاع»، قبل أن يتولّى قيادة لواء «الحرس الجمهوري» أيام الرئيس الياس الهراوي.
بعد مرور عشرة أشهر على الإطاحة بالعماد ميشال عون، كان الأخير لا يزال لاجئاً إلى «السفارة الفرنسيّة» في الحازمية، ينتظر نضوج التسوية التي انتهت إلى نفيه إلى فرنسا حيث بقي حتى العام 2005. في ما يلي تفاصيل عملية تسفير العماد ميشال عون والتي حملت اسم «عملية أورتنسيا»، من كتاب «أسرار وحقائق في خدمة وطني – مذكّرات العميد الركن ميشال حرّوق»، الصادر عن «دار سائر المشرق».
اتصل بي الرئيس الياس الهراوي وطلب مني التوجّه إلى مكتب المدير العام لـ«الأمن العام» الأستاذ ريمون روفايل لأنّ هنالك شخصية ترغب في مقابلتي… عند وصولي فوجئت بوجود الجنرال الفرنسي فيليب روندو، وهو من أهم من عملوا في المخابرات الفرنسية وكُلِّفوا بمهمّات خاصة، وبطل عملية إلقاء القبض على الإرهابي المدعو كارلوس في السودان، لذلك ألحِق بمكتب وزير الدفاع الفرنسي للقيام بعمليّات خاصة جدّاً للدّولة الفرنسيّة…
أثناء اللقاء تناولنا الحديث عن المهمّة المطلوب منه تنفيذها، وهي نقل العماد ميشال عون واللواء إدغار معلوف والعميد عصام أبو جمرا إلى فرنسا. في حينه، طلب مني أنا كقائد لـ «الحرس الجمهوري» ومن مدير «الأمن العام» المساعدة في تنفيذ هذه المهمّة الدقيقة، والتي يجب أن تتمّ بسرية تامة، مضيفاً إلى أنّ التاريخ وطريقة التنفيذ سيتمّ مناقشتهما في توقيت لاحق.
سألته متظاهراً بالجهل إن كان تمّ وضع السلطات السورية في الأجواء، وأنا مقتنع بأنه قبل الاجتماع بنا قد يكون مرّ بعنجر للإبلاغ عن مهمّته. أجاب: «ليس هنالك من مشكلة في ذلك، فالسوريون يرغبون في مغادرة الحكومة العسكرية». سألته إن كانت السلطات العسكرية اللبنانية على علم بذلك. أجاب بأنّه علينا إطلاع اللبنانيين يوم تنفيذ المهمة. بعدها تداولنا في الخيارات المتعلقة بطريقة النقل؛ فهل هي عبر «مطار بيروت» أو بمروحيّة إلى عرض البحر ومن ثمّ على متن بارجة إلى خارج المياه الإقليمية. لاحظت في حينه أنه لا يريد أن يدخل في التفاصيل، لكنه أراد فقط التشديد على سريّة المهمة، وإبلاغ السلطات اللبنانية فقط عند تحديد ساعة الصفر.
تكهّنات
فترة من الزمن انقضت على اجتماعنا الأول، وبدأت وسائل الإعلام تتناقل خبر نقل العماد ميشال عون ورفاقه، وأخذت الصحف تتكهن حول الوسيلة المعتمدة، إلى أن دخلت عن طريق المطار خليّة أزمة مؤلّفة من الجنرال كريستيان كينو (General Christian Quesnot) «رئيس الأركان الخاصة برئيس جمهورية فرنسا» السيد فرانسوا ميتران مع وفد من وزارتَي الخارجية والدفاع.
أُعلنت ساعة الصفر. بيد أنني فوجئت عند انتقالي إلى السفارة في منطقة الحازمية بكثافة وسائل الإعلام الفرنسي واللبناني، فكأنه ما من وسيلة إعلامية إلا كانت موجودة في «ساحة مارت تقلا».
اجتمعت بالجنرال روندو في السفارة، وطلبت منه إعطائي الوقت الكافي لإبلاغ السلطات اللبنانية بالمهمّة. وأعلمته أنّ طريقة التهرّب من الصحفيين هي سهلة، وسأشرحها له فور عودتي من إفادة قائد الجيش بالموضوع. توجّهت إلى بعبدات، حيث كان العماد إميل لحود يبيت في منزله، وأفدته عن الموضوع فتمنّى لي التوفيق؛ وسألني إن كنّا قد أطلعنا السلطات السورية على الأمر، فهو يفضّل ذلك. عندها أطلعته على يقيني من أنّ الفرنسيين أبلغوهم بذلك. وعلى سبيل التأكيد سأتصل بالسوريين لإبلاغهم بالأمر. هكذا حصل، اتصلت بالعقيد السوري رستم غزالة، فقيل لي إنه في إجازة؛ تكلمت مع مساعده ولا أتذكر اسمه، وأبلغته أنه سيتم نقل العماد ميشال عون واللواء معلوف والعميد أبو جمرة إلى فرنسا، لأخذ العلم، ولم أحدّد الساعة ولا المكان. بعدها عدت أدراجي إلى «السفارة الفرنسية». هنا أرغب في أن أشدّد على أمر لافت للنظر، وهو أنّ طاقم السفارة لم يتعاطَ بالأمر لا من قريب ولا من بعيد، باستثناء ضابط المخابرات في السفارة. إن هذا ما أعرفه من قراءاتي من أنّ هنالك حساسية بين الدبلوماسيين وبين رجال المخابرات، إذ كان طاقم السفارة موجوداً بكامله، لكن لم يتدخّل بأي موضوع.
موكب مموّه
شرح لي الجنرال روندو أنّ طائرة خاصة حطّت منذ قليل في «مطار بيروت»، وأنّ كلّ وسائل الإعلام قد علمت بأنّ وجودها هو لنقل الحكومة العسكرية إلى الخارج. هنا اقترحت عليه أن يقوم بما أقوم به دائماً أثناء انتقالاتي، وهو «الموكب المموّه أو الوهمي» أو ما يُعرف بـ «Dummy Escort»، بما أن أكثر الصحفيين قد أصبحوا في المطار، فلنرسل موكباً إلى المطار. أما عندما تخلو الساحة، فنسلك طريق «مارت تقلا» الداخلية نحو الموقع المراد والمخطّط له أي ضبيّة مقابل «ABC» حالياً، حيث كان الطريق الساحلي بمحاذاة الشاطئ، وليس كما هو عليه اليوم.
هكذا حصل. فبعد مغادرة الموكب الوهمي، خرج موكبنا الحقيقي من المدخل الثانوي لبيت السفير نحو السفارة، ومنها إلى المنطقة المتّفق عليها. طلبت عندها أن أقابل العماد ميشال عون ورفاقه، فأجابني أحد موظفي السفارة بأنهم لا يرغبون في لقاء أحد. عندها انتظرت الساعة المحدّدة للانطلاق، حوالى الثالثة فجراً، وانطلقنا من السفارة بمواكبة «الحرس الجمهوري» و «الأمن العام» فقط، وكان في مؤخرة الموكب الصديق الذي ساعدني طيلة خدمتي، العقيد في «الأمن العام» جان مخايل الذي لم يبخل عليّ يوماً، لا بالسيارات ولا بالدَّوريات، وكان يشكّل الدعم الأساسي لي، كذلك «قوى الأمن الداخلي» و «أمن الدولة». لحقت بنا دورية من «مديرية المخابرات»، فما كان من العقيد مخايل إلى أن اعترضها لمنعها من اللّحاق بنا، وتمّ تنفيذ طلبي بعد مراجعة القائد شخصياً.
وصلنا إلى منطقة ضبية عند بزوغ الفجر، فترجلت أنا والمدير العام لـ«الأمن العام» محاولين الدخول إلى المنطقة التي كانت تحت حماية الفرنسيين، فمُنعنا من التقدّم، حينها عدنا إلى المقر الرئاسي الموقّت لإفادة الرئيس الهراوي عن تسفير الضباط، وهناك فوجئت بوجود خليّة الأزمة في مكتب فخامة الرئيس، عندها ألقيت مخزون غضبي على السلطات الفرنسية التي منعتني من الدخول إلى موقع التسفير، فاعتذر مني الجنرال الفرنسي كينو، ووعدني بأنه سيراجع بالموضوع؛ وبالفعل بعد فترة وصلتني رسالة اعتذار من الجنرال روندو، كما ومنحتنا السلطات الفرنسية، أنا والمدير العام لـ «الأمن العام»، «وسام الاستحقاق الفرنسي برتبة ضابط»، وقُلِّدنا الوسام من قبل سفير فرنسا آنذاك السيد دانييل هوسون (Daniel Husson) باحتفال ضمّ عائلة مدير «الأمن العام» وعائلتي وبعض الضباط من «الأمن العام» و«الحرس الجمهوري» في دار السفير الفرنسي بمنطقة الحازمية.
لقد نجحت عملية التسفير من دون أي عائق يُذكر لأن المناورة كانت مدروسة تفصيلاً مع كافة الاحتمالات التي كان يمكن أن تعترضنا. أما الوسام الذي مُنحتُه فكان أيضاً من استحقاق عناصر لواء «الحرس الجمهوري» الذي كان جاهزاً للتدخل بكافة أقسامه في حال اعتراض المهمة أي عائق. لم ألتقِ أيّاً من أعضاء «الحكومة العسكرية» لأنهم، كما ورد سابقاً، رفضوا مواجهتي، كما أنني لم أتكلّم معهم قطّ حتى بعد عودتهم إلى لبنان. التقيت مرّة باللّواء عصام أبو جمرا في أحد المطاعم، فعاتبني لأنني لم أزره، عندها أجبته بأنني «كنت أرغب بمواجهتكم ولقائكم، لكنكم أنتم من تمنعتم».







