بعد وقف التغطية الصحية للاجئين السوريين… ماذا ينتظر لبنان؟

في 29 أيار 2025، أُعلن عن خطوة غير مسبوقة في ملف النزوح السوري، عبر إصدار مفوضية الأمم المتحدة قراراً يقضي بوقف التغطية الصحية للاجئين السوريين المقيمين في لبنان.
القرار قوبل بردود فعل متباينة، بين من رحّب به ومن حذّر من تداعيات إنسانية قد تطال الفئات الأضعف. إلا أنّ ما لا جدال فيه هو أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والإداري، مع واحد من أعقد الملفات التي أثقلت كاهله منذ أكثر من 13 عاماً.
من منطق الرعاية إلى منطق العودة
يُنظر إلى القرار كجزء من مقاربة جديدة تعتبر أن استمرار تقديم الحوافز داخل لبنان، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر الدولة، يرسّخ النزوح بدلاً من تشجيع العودة. وباتت المقاربة واضحة: المساعدات يجب أن تُقدَّم داخل سوريا، لا في لبنان. فحيث تكون الحوافز، يكون القرار بالبقاء أو بالعودة.
من هذا المنطلق، برزت المبادرات والمطالب التي وجهت سابقاً إلى مفوضية اللاجئين ومن بينها مبادرة “القوات اللبنانية” في 9 أيار 2024، حين قدّم وفد من تكتل “الجمهورية القوية” ترأسه الوزير السابق ريشار قيومجيان كتاباً رسمياً إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، طالب فيه بوقف كل ما من شأنه أن يساهم في إبقاء السوريين في لبنان بشكل غير شرعي.
قيومجيان: “على الحكومة الطلب رسمياً من دمشق استعادة مواطنيها”
في هذا السياق، كان لـ “نداء الوطن” حوار مع الوزير السابق ريشار قيومجيان، رئيس جهاز العلاقات الخارجية في حزب “القوات اللبنانية”، الذي شدّد على أن قرار وقف التغطية الصحية للاجئين السوريين يُعدّ خطوة أولى وأساسية في استعادة السيادة اللبنانية على ملف النزوح، معتبراً أنه ثمرة ضغط سياسي وشعبي مارسته “القوات” منذ سنوات، ولا سيما من خلال الكتاب الرسمي الموجّه إلى مفوضية الأمم المتحدة في أيار 2024.
“الهدف ليس معاقبة أحد”،يقول قيومجيان، “بل إعادة تصويب البوصلة. لا يمكن أن يستمر لبنان في تحمّل أعباء أكثر من مليون ونصف لاجئ، في حين أن المواطن اللبناني نفسه عاجز عن إيجاد سرير في المستشفى أو دواء في الصيدلية”. ويضيف: “من غير المقبول أن يستمر نظام المساعدات الدولية بتثبيت النزوح بدل تحفيز العودة”. ويشرح أن العريضة التي وُجّهت إلى المفوضية “ليست مبادرة ظرفية، بل ضمن مسار متكامل خاضته “القوات” من واشنطن إلى بروكسل”، بهدف إعادة ملف اللجوء إلى طبيعته الموقتة المرتبطة بحالة حرب، لا إلى إقامة دائمة في ظل واقع تغيّر ميدانياً وأمنياً داخل سوريا.
من اللجوء إلى الإقامة غير الشرعية
يرى قيومجيان أن توقف الأعمال الحربية في معظم الأراضي السورية، وانتقال مناطق واسعة إلى سيطرة الدولة، يسقط صفة “اللجوء” عن شريحة كبيرة ممن يقيمون في لبنان، لا سيما أن بعضهم يسافر إلى سوريا بشكل منتظم من دون أي خطر. “هذا تناقض فاضح يجب أن يتوقف”، يقول، مشيراً إلى أن المساعدات الدولية داخل لبنان باتت تعيق العودة بدلاً من تسهيلها. ويعتبر أن وقف التغطية الصحية يجب أن يترافق مع تنظيم الوجود غير الشرعي، ووقف المساعدات العشوائية، والتنسيق مع دمشق من موقع سيادي. ويضيف: “نحن أمام فرصة سياسية على الحكومة أن تلتقطها قبل فوات الأوان”.
وقف المساعدات لا يقتصر على لبنان، بل يشمل دولاً أوروبية وعربية أيضاً
في حديث لـ “نداء الوطن”، يؤكد المنسّق العام لعودة اللاجئين السوريين، أحمد حمرا، أن “الظروف باتت مهيّأة أكثر من أي وقت مضى لعودة اللاجئين، لا سيّما وأنّ معظم المناطق السورية أصبحت آمنة، كما أن عدداً كبيراً من المطلوبين سابقاً لم يعودوا ملاحقين اليوم”. وأوضح حمرا أن “ما يقارب 8 ملايين سوري كانوا مُدرجين كمطلوبين لأسباب أمنية، إلا أنّ 90 % منهم لم يعودوا على لوائح الملاحقة، باستثناء مرتكبي الجرائم الجنائية الكبرى مثل القتل، والسرقة، والاعتداءات الاقتصادية”، مضيفاً أن “الذين كانوا مطلوبين لأسباب سياسية أو لانتمائهم إلى المعارضة لم يعودوا عرضة للخطر كما في السابق”.
لا نهوض اقتصادياً في سوريا من دون عودة أبنائها
يضيف حمرا: “إن وقف المساعدات لا يقتصر على لبنان فقط، بل هناك توجه مشابه في عدة دول أوروبية وعربية”. ولفت إلى أن “وقف الدعم هو عامل ضغط إضافي يدفع باتجاه العودة”. وقال: “من الآن وحتى نهاية حزيران، سنشهد موجة عودة جديدة، لا سيما من العائلات التي أبقت أطفالها في لبنان من أجل استكمال العام الدراسي. أما من تبقى، فهم إمّا يعملون أو ينتظرون فرصة أفضل، لكن المؤشرات العامة تتجه بوضوح نحو العودة”. ويشدد حمرا على أن التحدّي الأساسي اليوم يكمن في “تنسيق الرؤى بين الجهات المعنية”، وقال: “نحتاج إلى تعاون جدي، ولو جزئياً، بين السلطات اللبنانية والسورية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لتنظيم العودة بشكل يحفظ كرامة الناس ويؤمّن لهم مقومات الاستقرار”. وختم قائلاً: “إذا كانت سوريا تسعى إلى نهوض اقتصادي واستثمارات خارجية، فإن أولى خطوات التعافي الحقيقي تبدأ بإعادة أبنائها إليها. لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهل أزمة اجتماعية بهذا الحجم، واللاجئون في لبنان يجب أن يكونوا أولوية في أي خطة لإعادة الإعمار”.
بعد وقف التغطية الصحية للاجئين السوريين… ماذا ينتظر لبنان؟

في 29 أيار 2025، أُعلن عن خطوة غير مسبوقة في ملف النزوح السوري، عبر إصدار مفوضية الأمم المتحدة قراراً يقضي بوقف التغطية الصحية للاجئين السوريين المقيمين في لبنان.
القرار قوبل بردود فعل متباينة، بين من رحّب به ومن حذّر من تداعيات إنسانية قد تطال الفئات الأضعف. إلا أنّ ما لا جدال فيه هو أن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة من التعاطي السياسي والإداري، مع واحد من أعقد الملفات التي أثقلت كاهله منذ أكثر من 13 عاماً.
من منطق الرعاية إلى منطق العودة
يُنظر إلى القرار كجزء من مقاربة جديدة تعتبر أن استمرار تقديم الحوافز داخل لبنان، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر الدولة، يرسّخ النزوح بدلاً من تشجيع العودة. وباتت المقاربة واضحة: المساعدات يجب أن تُقدَّم داخل سوريا، لا في لبنان. فحيث تكون الحوافز، يكون القرار بالبقاء أو بالعودة.
من هذا المنطلق، برزت المبادرات والمطالب التي وجهت سابقاً إلى مفوضية اللاجئين ومن بينها مبادرة “القوات اللبنانية” في 9 أيار 2024، حين قدّم وفد من تكتل “الجمهورية القوية” ترأسه الوزير السابق ريشار قيومجيان كتاباً رسمياً إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، طالب فيه بوقف كل ما من شأنه أن يساهم في إبقاء السوريين في لبنان بشكل غير شرعي.
قيومجيان: “على الحكومة الطلب رسمياً من دمشق استعادة مواطنيها”
في هذا السياق، كان لـ “نداء الوطن” حوار مع الوزير السابق ريشار قيومجيان، رئيس جهاز العلاقات الخارجية في حزب “القوات اللبنانية”، الذي شدّد على أن قرار وقف التغطية الصحية للاجئين السوريين يُعدّ خطوة أولى وأساسية في استعادة السيادة اللبنانية على ملف النزوح، معتبراً أنه ثمرة ضغط سياسي وشعبي مارسته “القوات” منذ سنوات، ولا سيما من خلال الكتاب الرسمي الموجّه إلى مفوضية الأمم المتحدة في أيار 2024.
“الهدف ليس معاقبة أحد”،يقول قيومجيان، “بل إعادة تصويب البوصلة. لا يمكن أن يستمر لبنان في تحمّل أعباء أكثر من مليون ونصف لاجئ، في حين أن المواطن اللبناني نفسه عاجز عن إيجاد سرير في المستشفى أو دواء في الصيدلية”. ويضيف: “من غير المقبول أن يستمر نظام المساعدات الدولية بتثبيت النزوح بدل تحفيز العودة”. ويشرح أن العريضة التي وُجّهت إلى المفوضية “ليست مبادرة ظرفية، بل ضمن مسار متكامل خاضته “القوات” من واشنطن إلى بروكسل”، بهدف إعادة ملف اللجوء إلى طبيعته الموقتة المرتبطة بحالة حرب، لا إلى إقامة دائمة في ظل واقع تغيّر ميدانياً وأمنياً داخل سوريا.
من اللجوء إلى الإقامة غير الشرعية
يرى قيومجيان أن توقف الأعمال الحربية في معظم الأراضي السورية، وانتقال مناطق واسعة إلى سيطرة الدولة، يسقط صفة “اللجوء” عن شريحة كبيرة ممن يقيمون في لبنان، لا سيما أن بعضهم يسافر إلى سوريا بشكل منتظم من دون أي خطر. “هذا تناقض فاضح يجب أن يتوقف”، يقول، مشيراً إلى أن المساعدات الدولية داخل لبنان باتت تعيق العودة بدلاً من تسهيلها. ويعتبر أن وقف التغطية الصحية يجب أن يترافق مع تنظيم الوجود غير الشرعي، ووقف المساعدات العشوائية، والتنسيق مع دمشق من موقع سيادي. ويضيف: “نحن أمام فرصة سياسية على الحكومة أن تلتقطها قبل فوات الأوان”.
وقف المساعدات لا يقتصر على لبنان، بل يشمل دولاً أوروبية وعربية أيضاً
في حديث لـ “نداء الوطن”، يؤكد المنسّق العام لعودة اللاجئين السوريين، أحمد حمرا، أن “الظروف باتت مهيّأة أكثر من أي وقت مضى لعودة اللاجئين، لا سيّما وأنّ معظم المناطق السورية أصبحت آمنة، كما أن عدداً كبيراً من المطلوبين سابقاً لم يعودوا ملاحقين اليوم”. وأوضح حمرا أن “ما يقارب 8 ملايين سوري كانوا مُدرجين كمطلوبين لأسباب أمنية، إلا أنّ 90 % منهم لم يعودوا على لوائح الملاحقة، باستثناء مرتكبي الجرائم الجنائية الكبرى مثل القتل، والسرقة، والاعتداءات الاقتصادية”، مضيفاً أن “الذين كانوا مطلوبين لأسباب سياسية أو لانتمائهم إلى المعارضة لم يعودوا عرضة للخطر كما في السابق”.
لا نهوض اقتصادياً في سوريا من دون عودة أبنائها
يضيف حمرا: “إن وقف المساعدات لا يقتصر على لبنان فقط، بل هناك توجه مشابه في عدة دول أوروبية وعربية”. ولفت إلى أن “وقف الدعم هو عامل ضغط إضافي يدفع باتجاه العودة”. وقال: “من الآن وحتى نهاية حزيران، سنشهد موجة عودة جديدة، لا سيما من العائلات التي أبقت أطفالها في لبنان من أجل استكمال العام الدراسي. أما من تبقى، فهم إمّا يعملون أو ينتظرون فرصة أفضل، لكن المؤشرات العامة تتجه بوضوح نحو العودة”. ويشدد حمرا على أن التحدّي الأساسي اليوم يكمن في “تنسيق الرؤى بين الجهات المعنية”، وقال: “نحتاج إلى تعاون جدي، ولو جزئياً، بين السلطات اللبنانية والسورية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لتنظيم العودة بشكل يحفظ كرامة الناس ويؤمّن لهم مقومات الاستقرار”. وختم قائلاً: “إذا كانت سوريا تسعى إلى نهوض اقتصادي واستثمارات خارجية، فإن أولى خطوات التعافي الحقيقي تبدأ بإعادة أبنائها إليها. لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهل أزمة اجتماعية بهذا الحجم، واللاجئون في لبنان يجب أن يكونوا أولوية في أي خطة لإعادة الإعمار”.







