
خاص- ما بين الموت والوطن… زياد يشكو وعاصي يصغي
حين مات زياد الرحباني، لم يمت “الفنان”، بل سقطت صفحة كاملة من الجرأة الموجعة، والنكتة الثقيلة، والحنين المكسور.
لم يكن مجرّد ملحن أو كاتب أو ابن فيروز… كان صرخة.
صعد إلى السماء لا ليستريح، بل ليكمل سؤالًا بدأه منذ أول مسرحية:
“هيدا وطن؟ ولا عرض تلفزيوني طويل وكتير ممل؟”
وفي الجهة الأخرى من الغيم، كان عاصي الرحباني بانتظاره… لا ليسأله “كيفك”، بل ليسأله:
شو عملت؟
المشهد:
ما في ملاك فاتح كتاب، ولا جوقة بترنّم.
في قعدة بسيطة، عاصي عم يشرب قهوة بلا سكّر، وزياد طالع من غيمة دخّان، بإيده دفتر صغير مكتوب عليه: “أفكار ما وصلت”.
الحوار:
عاصي:
أهلا… جيت؟
زياد:
جيت متأخر، بس بلا ندم.
ما كنت مستعجل على السما… كنت ناطر البلد “يصحى”، بس سبقني الموت.
عاصي:
شو عملت بكل هالوجع؟
زياد:
لفّيتو بأغاني، وزتّيتو عالمسرح، وقلت للناس: “إذا ما بتعرفوا تضحكوا، عالقليلة عيطوا”.
بس ما عيّطوا… كبّوا الريموت.
عاصي:
صرخت كتير.
زياد:
لأن الصمت كان عم يقتل أكتر من الحرب.
وصرخت لحالي… ما كان حدا بدّو يسمع إذا الجملة مش مغنّاية بعود ولا محشية تفاؤل.
عاصي:
وفي شي تغيّر؟
زياد:
إي.
صرنا نترحّم عالأيام اللي كنا نسبّها.
وبدل ما نغنّي “بحبك يا لبنان”، صرنا نقول “وينك يا لبنان”.
عاصي:
وفيروز؟
زياد:
بعدا قدّيسة… بس الناس بطّلوا يصلّوا.
صاروا يرشّوا ميّ عالغنية ت يبرّدوها ويخففوا تأثيرها، وصاروا يحضروا انفجار عالقهوة كإنّو مسلسل.
عاصي:
والفن؟
زياد:
تحوّل لبضاعة… انعرضت بالأسواق، وانخصمت بأسعار العيد.
والكلمة النظيفة صارت تُعتبر استفزاز سياسي.
عاصي:
بس انت كمّلت.
زياد:
لأنّك كنت صوتي يلي ساكت.
كنت أكتب وقلبي مبلول فيك… إنت اللّي كنت تقول “يا ابني، الموسيقى سلاح”، وأنا كنت جرّب استعملو كل يوم.
عاصي:
بتندم؟
زياد:
لا عالناس، ولا عالأرض، ولا عالحكي.
بندم بس إني ما قلت “أنا تعبان” بصوت عالي.
كنت مفكّر القوي لازم يضلّ يضحك.
عاصي:
وهلّق؟ شو بدك تعمل هون؟
زياد:
ولا شي… بس بدي أسهر، وإنت تسمع.
مش نعمل شي جديد… بس نرتاح سوا.
وأهم شي… ما نفتح مواضيع عن زعماء الطوايف، الله يبعدن حتى من السما.
عاصي:
(يضحك)
أهلًا فيك يا إبني… وصلتلنا متل ما نزلت: صادق، مكسور، وما بترضى.
ما تغيّرت.
زياد:
وما حدا تغيّر.
بس نحنا تعبنا من الحكي، وهنّي بعدن عم يتسلّوا بالشعب.
في ذاك اللقاء الذي لا زمن له، لم يكن هناك موتى، بل أحياء بطريقتهم. زياد حمل معه الحقيقة المُتعبة، وعاصي احتضنها بصمت، كما كان دائمًا يفعل.
أمّا لبنان؟ فلا جواب.
لكن ما كان أكيدًا، أن الموسيقى التي بدأت في البيت الرحباني… لم تنتهِ بعد. فبعض الأصوات، لا تحتاج وطنًا، بل وجعًا صادقًا… كي تبقى.