خاص – كيف شربت الحكومة حليب السباع

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
8 آب 2025

عندما أكّد رئيس الحكومة نوّاف سلام، عشيّة جلسة الثلاثاء الماضي، أنّ مجلس الوزراء سيبحث الآليّة التنفيذيّة لحصر السلاح، لم يصدّقه كثيرون. فهو منذ اليوم الأوّل لتسلّمه منصبه، يؤكّد بإصرار أنّه متمسّك بحصريّة السلاح. ولكنّ هذا التأكيد لم يُترجم، ولا مرّة قبل ثلاثاء الخامس من آب، على أرض الواقع. إنّما بقي مجرّد إعلان نيّات.

وقبل جلسة الثلاثاء بساعات، كانت الأجواء التي سُرّبت إلى الإعلام تشير إلى أنّ الحكومة ستكتفي بإقرار مبدأ حصريّة السلاح، من دون الدخول في الآليّة التنفيذيّة. وسيتمّ التوافق على صيغة “مطّاطيّة”، في إطار شراء المزيد من الوقت، ومحاولة إرضاء الأميركيين. حتّى أنّ وزراء الثنائي الشيعي لم يكونوا في أجواء أنّ الجلسة ستكون حاسمة. بل كانوا يعتقدون أنّه سيجري تأجيل البتّ في بند حصريّة السلاح.

كما أنّ رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي اطمأنّ “الحزب” إلى نواياه بأنّ الأمور ستحلّ بالحوار، فاجأ الوزراء بتناغمه الكامل مع رئيس الحكومة، بحيث ظهرا كأنّهما يتقاسمان الأدوار في الجلسة، وصولاً إلى مفاجأة الجميع بالإصرار على انطلاق الآلية التنفيذية لحصر السلاح، عبر تكليف الجيش إعداد خطّة لذلك قبل نهاية شهر آب الحاليّ.

ولكن ماذا جرى حتّى شربت الحكومة حليب السباع، وتجرّأت أخيراً على الانتقال إلى المرحلة التنفيذيّة لحصريّة السلاح؟

في الواقع، كان تواصل رئيس الجمهورية في الأسابيع الأخيرة مكثّفاً مع “حزب الله”. وحاول إقناعه بتسليم السلاح، حرصاً على البلد من الوقوع في براثن الحرب من جديد. وأكّد للحزب أنّ حصانته الوحيدة تكون في كنف الدولة. ولكن لم يصل إلى أيّ نتيجة، وبقي “الحزب” على موقفه الرافض تسليم السلاح. وازدادت الضغوط على لبنان، مع الزيارات التي قام بها لبيروت الموفد الأميركي توم برّاك، الذي أصرّ في الردّ الأخير على ورقته، التي تحدّد بالتفصيل كيفية نزع السلاح عبر مراحل، ثمّ انسحاب إسرائيل التدريجي، وصولاً إلى ترسيم الحدود، وعقد مؤتمر لدعم لبنان اقتصاديّاً. وخيّر برّاك الدولة اللبنانية بين قبول الورقة كما هي، أو تحمّل تبعات رفضها، والتي تشمل عدم التدخّل الأميركي، في حال قرّرت إسرائيل توسيع الحرب من جديد على لبنان.

وتقول المعلومات التي حصل عليها موقع beirut24، إنّ رئيس الجمهورية وضع “الحزب” بكلّ وضوح في أجواء الضغوط الأميركية، وفي ما قد يكون عليه الوضع في حال تجدُّد الحرب، مع ضوء أخضر أميركي. وطلب من “الحزب” أن يقدّم له الحلّ الذي يجنّب لبنان مآسي جديدة. ولكن لم يكن لدى “الحزب” أيّ خطّة مقنعة، وبدا مربكاً في كيفيّة مواجهة الضغوط الأميركية وتأجيل ملفّ السلاح، من دون توريط البلاد في مشكلة كبيرة.

وأمام هذا الأمر الواقع، وبعد تبلّغ لبنان الردّ الأميركي، الذي لا رجعة عنه، أتت كلمة رئيس الجمهورية الأخيرة، التي وُصفت بأنّها خطاب قسم جديد. وأُعلن عن موعد الجلسة في الخامس من آب، لبحث حصريّة السلاح. وظلّ الوزراء الشيعة يأملون في تأجيل النقاش في الموضوع، إلّا أنّ القرار كان قد اتُّخذ.

ويبدو أنّ القرارات المصيرية والتاريخية تُتّخذ في طريقة غير متوقّعة في الغالب. فما يحصل خلف الجدران من محادثات، وما يُحكى من كلام، وما يُكشف من وقائع، هو غير ما يُنشر في الإعلام وما يصدر في التصريحات. ومن الواضح أنّ الأمور قد نضُجت لحسم موضوع السلاح، بعد انقلاب موازين القوى في المنطقة في شكل كبير.

وثمّة معلومات تتحدّث عن وعود أميركية أكيدة بدعم الجيش في أثناء عملية سحب السلاح، بما يمنع حصول أيّ تداعيات أمنيّة. وسيكون الدعم تقنيّاً، وعبر مواكبة من اللجنة الخماسية في الجنوب.

ومع فقدان “الحزب” لأوراقه تباعاً، اكتفى بانسحاب الوزراء من جلسة الخميس التي أقرّت ورقة برّاك، من دون تقديم استقالات من الحكومة. ولا يبدو أنّ هناك توجّهاً في هذا الإطار، لا بل أن الوزراء الشيعة سيحضرون الجلسة المقبلة للحكومة. ومن كان يتصوّر أن “الحزب” الذي نفّذ 7 أيّار في العام 2008، لمجرّد صدور قرارين عن مجلس الوزراء بمصادرة شبكة الاتّصالات الخاصّة به، وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت المحسوب عليه، سيبقى هادئاً ومذعناً مع قرار مصيري بسحب سلاحه، لولا التغيّرات الكبرى التي طرأت، وخشية “الحزب” من ضربة إسرائيلية كبيرة، لم تعد بيئته تتحمّلها

خاص – كيف شربت الحكومة حليب السباع

الكاتب: ايلين زغيب عيسى | المصدر: Beirut24
8 آب 2025

عندما أكّد رئيس الحكومة نوّاف سلام، عشيّة جلسة الثلاثاء الماضي، أنّ مجلس الوزراء سيبحث الآليّة التنفيذيّة لحصر السلاح، لم يصدّقه كثيرون. فهو منذ اليوم الأوّل لتسلّمه منصبه، يؤكّد بإصرار أنّه متمسّك بحصريّة السلاح. ولكنّ هذا التأكيد لم يُترجم، ولا مرّة قبل ثلاثاء الخامس من آب، على أرض الواقع. إنّما بقي مجرّد إعلان نيّات.

وقبل جلسة الثلاثاء بساعات، كانت الأجواء التي سُرّبت إلى الإعلام تشير إلى أنّ الحكومة ستكتفي بإقرار مبدأ حصريّة السلاح، من دون الدخول في الآليّة التنفيذيّة. وسيتمّ التوافق على صيغة “مطّاطيّة”، في إطار شراء المزيد من الوقت، ومحاولة إرضاء الأميركيين. حتّى أنّ وزراء الثنائي الشيعي لم يكونوا في أجواء أنّ الجلسة ستكون حاسمة. بل كانوا يعتقدون أنّه سيجري تأجيل البتّ في بند حصريّة السلاح.

كما أنّ رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي اطمأنّ “الحزب” إلى نواياه بأنّ الأمور ستحلّ بالحوار، فاجأ الوزراء بتناغمه الكامل مع رئيس الحكومة، بحيث ظهرا كأنّهما يتقاسمان الأدوار في الجلسة، وصولاً إلى مفاجأة الجميع بالإصرار على انطلاق الآلية التنفيذية لحصر السلاح، عبر تكليف الجيش إعداد خطّة لذلك قبل نهاية شهر آب الحاليّ.

ولكن ماذا جرى حتّى شربت الحكومة حليب السباع، وتجرّأت أخيراً على الانتقال إلى المرحلة التنفيذيّة لحصريّة السلاح؟

في الواقع، كان تواصل رئيس الجمهورية في الأسابيع الأخيرة مكثّفاً مع “حزب الله”. وحاول إقناعه بتسليم السلاح، حرصاً على البلد من الوقوع في براثن الحرب من جديد. وأكّد للحزب أنّ حصانته الوحيدة تكون في كنف الدولة. ولكن لم يصل إلى أيّ نتيجة، وبقي “الحزب” على موقفه الرافض تسليم السلاح. وازدادت الضغوط على لبنان، مع الزيارات التي قام بها لبيروت الموفد الأميركي توم برّاك، الذي أصرّ في الردّ الأخير على ورقته، التي تحدّد بالتفصيل كيفية نزع السلاح عبر مراحل، ثمّ انسحاب إسرائيل التدريجي، وصولاً إلى ترسيم الحدود، وعقد مؤتمر لدعم لبنان اقتصاديّاً. وخيّر برّاك الدولة اللبنانية بين قبول الورقة كما هي، أو تحمّل تبعات رفضها، والتي تشمل عدم التدخّل الأميركي، في حال قرّرت إسرائيل توسيع الحرب من جديد على لبنان.

وتقول المعلومات التي حصل عليها موقع beirut24، إنّ رئيس الجمهورية وضع “الحزب” بكلّ وضوح في أجواء الضغوط الأميركية، وفي ما قد يكون عليه الوضع في حال تجدُّد الحرب، مع ضوء أخضر أميركي. وطلب من “الحزب” أن يقدّم له الحلّ الذي يجنّب لبنان مآسي جديدة. ولكن لم يكن لدى “الحزب” أيّ خطّة مقنعة، وبدا مربكاً في كيفيّة مواجهة الضغوط الأميركية وتأجيل ملفّ السلاح، من دون توريط البلاد في مشكلة كبيرة.

وأمام هذا الأمر الواقع، وبعد تبلّغ لبنان الردّ الأميركي، الذي لا رجعة عنه، أتت كلمة رئيس الجمهورية الأخيرة، التي وُصفت بأنّها خطاب قسم جديد. وأُعلن عن موعد الجلسة في الخامس من آب، لبحث حصريّة السلاح. وظلّ الوزراء الشيعة يأملون في تأجيل النقاش في الموضوع، إلّا أنّ القرار كان قد اتُّخذ.

ويبدو أنّ القرارات المصيرية والتاريخية تُتّخذ في طريقة غير متوقّعة في الغالب. فما يحصل خلف الجدران من محادثات، وما يُحكى من كلام، وما يُكشف من وقائع، هو غير ما يُنشر في الإعلام وما يصدر في التصريحات. ومن الواضح أنّ الأمور قد نضُجت لحسم موضوع السلاح، بعد انقلاب موازين القوى في المنطقة في شكل كبير.

وثمّة معلومات تتحدّث عن وعود أميركية أكيدة بدعم الجيش في أثناء عملية سحب السلاح، بما يمنع حصول أيّ تداعيات أمنيّة. وسيكون الدعم تقنيّاً، وعبر مواكبة من اللجنة الخماسية في الجنوب.

ومع فقدان “الحزب” لأوراقه تباعاً، اكتفى بانسحاب الوزراء من جلسة الخميس التي أقرّت ورقة برّاك، من دون تقديم استقالات من الحكومة. ولا يبدو أنّ هناك توجّهاً في هذا الإطار، لا بل أن الوزراء الشيعة سيحضرون الجلسة المقبلة للحكومة. ومن كان يتصوّر أن “الحزب” الذي نفّذ 7 أيّار في العام 2008، لمجرّد صدور قرارين عن مجلس الوزراء بمصادرة شبكة الاتّصالات الخاصّة به، وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت المحسوب عليه، سيبقى هادئاً ومذعناً مع قرار مصيري بسحب سلاحه، لولا التغيّرات الكبرى التي طرأت، وخشية “الحزب” من ضربة إسرائيلية كبيرة، لم تعد بيئته تتحمّلها

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار