خاص- المتاهة

خاص- المتاهة

الكاتب: نبيل موسى | المصدر: beirut24
30 آب 2025

بعدما رفضت اسرائيل، وقبلها “حزب الله”، اقتراح لبنان الرسمي للحل على مراحل أو ما سمّي بسياسة “الخطوة خطوة”، تأكد للجميع أن الحلول الدبلوماسية أعلنت إفلاسها، وهو ما ترجمه بطريقة أو بأخرى الموفدون الأميركيون الذين زاروا لبنان مؤخرًا. فالقرار الأميركي- الإسرائيلي الذي تبلغه لبنان واضح ومختصر: انزعوا سلاح “حزب الله” ثم نتكلم في الأمور الأخرى، مثل وقف العمليات العسكرية والانسحاب من التلال الخمس ومواقع أخرى محتلة وإطلاق الأسرى اللبنانيين وإعادة الإعمار. فكل هذه القضايا، برأي الأميركيين، قابلة للتفاوض والحل، ولكن بعد تسليم “حزب الله” سلاحه أو انتزاعه منه بالقوة. إنها بالنتيجة شروط المنتصر في “حرب الإسناد”، لأن التاريخ لم يذكر يومًا أن مهزومًا وضع شروطًا على طاولة المفاوضات بعد اعلان استسلامه.

في المقابل يصر “حزب الله” على سياسة الانفصام والمكابرة بعدم تقبّل هزيمته في الحرب، مؤكدًا في الوقت نفسه تمسكه بسلاحه الذي رفعه الى مرتبة القدسية. من هنا لم يعد تسليم السلاح للجيش اللبناني خيانة للبيئة ولدماء “الشهداء” فحسب على ما يرى البعض، بل تطوّر ليبلغ حد الكفر والإلحاد بخيانة الله الذي ائتمن الحزب على هذا السلاح.

انطلاقًا من هذا التوصيف يكون “حزب الله” قد تجاوز جميع الخطوط الحمراء وقطع كل سبل التواصل والتفاوض مع أركان الدولة اللبنانية، وإن كان يعلم مسبقًا أن حربه المقبلة ستكون كربلائية، أي القاضية عليه وعلى مشروعه، وإن كان لا يعلم حتى الآن من سيكون خصمه، أو ربما خصومه، في هذه الحرب.

داخليًا، بالرغم من قرار الحكومة بحصرية السلاح المدعوم وزاريًا ونيابيًا وشعبيًا بشكل استثنائي، ترى مصادر متابعة أن الحكومة لن تلجأ الى تكليف الجيش بنزع سلاح الحزب بالقوة نظرًا للمخاطر الكبرى المترتبة على هذا الأمر، ولوجود قرار مسبق لدى رئيس الجهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة جوزيف عون بعدم إقحام الجيش بحرب داخلية، وقد أعلن ذلك في أكثر من مناسبة. واعتبرت المصادر أن الحكومة فعلت أقصى ما يمكنها فعله في جلسة الخامس من آب، فنزعت الشرعية عن “حزب الله” وحولته من مقاومة الى ميليشيا خارجة على القانون، سامحة بذلك بتعريضه لكل أنواع الضغوط الدولية والعواقب.

في السياق تواترت أنباء مفادها أن مسؤولين لبنانيين ممن التقوا الوفد الأميركي أو بعض أعضائه أبلغوا هؤلاء المسؤولين باستحالة تنفيذ الجيش قرار الحكومة ونزع سلاح “حزب الله” بالقوة، لأن مثل هذا الأمر ينطوي على مخاطر كبرى قد تبلغ حدود إدخال البلاد في حرب أهلية ربما تكون مقدمة لتفتيت لبنان وتغيير خريطته ودوره في المنطقة، وهو أمر لا تريده واشنطن بالتأكيد.

أما وقد وصلت الأمور الى هذا الوضع، فلم يعد من سبيل للحل إلا بتدخل عسكري خارجي مباشر لتدمير سلاح “حزب الله” وإنهائه على جميع المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهو أمر يتوقع المراقبون حصوله في فترة غير بعيدة، لأن اسرائيل (وغيرها) تنتظره بفارغ الصبر لتزيل آخر العقبات أمام مشروعها للسلام مع جيرانها، ولا تضطر بالتالي للعودة الى الحرب كل عشر سنوات أو أكثر.

وفي السياق نفسه، يمكن إدراج موقف السيناتور ليندسي غراهام في أعقاب زيارته لبنان عندما تحدث عن ضرورة الانتقال الى الخطة “ب”، وهو ما يعني باللغة الدبلوماسية الانتقال لتبني الخيار العسكري. وما لمّح إليه غراهام قاله وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو صراحة، متوجهًا الى الرئيس دونالد ترامب في مقال نشره موقع “فوكس نيوز”: يجب الاعتراف بأن بعض المشاكل لها حلول عسكرية. فترسانة “حزب الله” لم تبنَ من خلال المفاوضات، وهي لن تُفكك من خلال المجاملات الدبلوماسية”.

في المحصلة، فقد أدخل حزب الله نفسه (أو ربما أدخلته إيران) في لعبة المتاهة التي لها مدخل واحد ومخرج واحد. والمخرج الوحيد المتبقي للحزب هو تسليم سلاحه، وفي ما عدا ذلك سيكتشف سريعًا ان كل المخارج مقفلة أمامه، وأن قرار إنهائه عسكريًا بات خيارًا واقعيًا، وقد يكون أقرب مما يعتقد.