
الأميركيّ يُسقط الرّهانات الإيرانيّة واحداً تلو الآخر
قد لا يكون كافياً النظر إلى الخطوة التي قامت بها الترويكا الأوروبيّة (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) والمتمثّلة بمخاطبة مجلس الأمن الدولي وطلب إعادة تفعيل العمل بالقرارات التسعة الصادرة عنه، التي تفرض عقوبات دولية على إيران، على أنّها خطوة تأتي نتيجة مسار منفصل مرتبط بتدهور الحوار بين الطرفين في إطار اتّفاق عام 2015 النوويّ بين إيران والسداسيّة الدوليّة (5+1) لأنّ اعتبار أنّ هذه الخطوة السبب والنتيجة يُخرج من المشهد الخطوات المتراكمة التي بلغت أوجها في الثالث عشر من حزيران الماضي مع بدء الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المركّب ضدّ المنشآت النوويّة والعسكرية والأمنيّة والاقتصاديّة.
لن تزيد الخطوة الأوروبيّة لإعادة تفعيل آليّة الزناد (Snap back) في حجم العقوبات كثيراً في ظلّ سلسلة العقوبات التي فرضتها هذه الدول على إيران على خلفيّة اتّهامها بالتعاون العسكريّ مع روسيا في الحرب على أوكرانيا، أو في ظلّ سلسلة العقوبات الأميركية التي بدأت مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في رئاسته الأولى عام 2018 الانسحاب من الاتّفاق النووي والعودة إلى سياسة العقوبات الاقتصادية، وهي السياسة التي استمرّت في عهد سلفه الديمقراطي جو بايدن، ثمّ راح يرفع وتيرتها في رئاسته الثانية وصولاً إلى التدخّل العسكري بضرب المنشآت النووية الاستراتيجيّة في فوردو ونطنز وأصفهان
يد أميركا على الزّناد
تحدّث ترامب في الأسابيع الأولى من عودته إلى البيت الأبيض عن خيارين واضحين في التعامل مع النظام الإيراني، فإمّا التفاوض بالشروط الأميركية – الإسرائيلية، أي تفكيك البرنامج النووي بالكامل وإنهاء أنشطة تخصيب اليورانيوم، وإمّا الذهاب إلى سياسة الحصار الاقتصادي الخانق وغير المسبوق بالتزامن مع تعزيز خيار التدخّل العسكري.
لقد حاول ترامب تقديم خيار التفاوض والحوار مع إبقاء يده على الزناد، مستفيداً من التطوّرات الدراماتيكية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وانهيار مراكز القوّة التي تمثّل أوراق النفوذ الإقليمي لإيران في لبنان وسوريا وإلى حدّ كبير في العراق، إلّا أنّ اصطدام المفاوض الأميركي ستيف ويتكوف بجدار التصلّب الإيراني الرافض لأيّ تنازل في البرنامج النووي عزّز خيار العودة إلى العمل العسكري وسمح له بفرض نقطة انطلاق جديدة لأيّ مفاوضات لا مكان أو وجود فيها للبرنامج النووي الذي دمّرته الغارات الأميركية حسب تأكيدات ترامب نفسه.
أطاح الهجوم الإسرائيلي – الأميركي بحرمة الخيار العسكري. وبالتالي بات اللجوء إليه مرّة أخرى سهلاً وأكثر احتمالاً في أيّ لحظة، سواء من قبل إسرائيل منفردة أو أميركا ومعها الناتو، وهو ما فرض على إيران ونظامها ومؤسّساتها أن تبقى مرتدية اللباس العسكري ومستنفرة بانتظار أيّ هجوم جديد.
لم يعنِ وقف إطلاق النار انتهاء الحرب، لكنّه سمح بأن ينقشع الغبار كاشفاً عن مرحلة جديدة من الحرب الأميركية ضدّ إيران، وهي مرحلة عادت إلى خيار تعزيز الحصار الاقتصادي المشدّد بهدف خنق كلّ المنافذ ومسارب التنفيس في الاقتصاد الإيراني. من هنا يمكن تفسير الصدمة التي شكّلها الكشف عن الاتّفاق الثلاثي الذي تمّ التوقيع عليه في المكتب البيضاوي بين أميركا وأرمينيا وأذربيجان المتعلّق بمستقبل المعبر أو الممرّ البرّي “زنغزور” أو ممرّ “ترامب للازدهار والسلام” الذي يربط بين شطرَي أذربيجان باكو ونخجوان عبر الأراضي الأرمينيّة، والذي حرم إيران ورقةً جيوقتصاديّة وحرّية العمل الاقتصادي التي سمحت لها بالتحكّم بأنشطة النقل البرّي بين تركيا والعمق التركي في آسيا الوسطى من خلال الممرّ التاريخي “أراس” في الأراضي الإيرانية، والذي وضع خطوط تجارتها مع القوقاز وشرق آسيا تحت رحمة الوجود العسكري الأميركي لحماية ممرّ ترامب وما يسمح به اتّفاق البيت الأبيض وطموحات باكو التي ترتبط مع تل أبيب بتحالفات استراتيجيّة عميقة استخدمتها الأخيرة في عمليّتها العسكرية ضدّ إيران.
الحلقة الأخيرة
بالتزامن مع الجهود التي قادها ترامب في منطقة القوقاز، والتي تشكّل حلقة رئيسة في محاصرة التجارة الروسيّة والصينية البرّية عبر المعابر والممرّات الإيرانية، كان البيت الأبيض يقوم بجهود موازية على خطّ العلاقة مع باكستان برزت من خلال زيارتين لواشنطن قام بهما قائد الجيش الباكستاني الجنرال سيد عاصم منير أحمد شاه الذي يُعتبر الرجل الأقوى والأكثر نفوذاً في إسلام آباد، فكان في الزيارة الأولى ضيف شرف إلى طاولة الغداء مع ترامب في البيت الأبيض، والثانية تركّزت على عقد اتّفاقات وتفاهمات مع إدارة البنتاغون.
على الرغم ممّا أوحت به المواقف الباكستانية، أثناء وبعد الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المركّب ضدّ إيران، من أنّ مرحلة جديدة من التعاون العمليّ بين الطرفين قد بدأت وتطوّرت وانتقلت إلى ما يشبه التعاون الاستراتيجيّ، خاصّة نتيجة استشعار باكستان بأنّها قد تكون الهدف التالي للطموحات الإسرائيلية إلى القضاء على مصادر الخطر النووي. وبعيداً عمّا دار من حديث عن تعاون غير مسبوق في مجال الغطاء الراداريّ الذي وفّرته إسلام آباد لطهران تعويضاً عن أنظمة الرادار التي دمّرتها الغارات الإسرائيلية، وحتّى التسريبات التي تحدّثت عن نقل أنواع من الأنظمة الصاروخية المضادّة للطائرات، يكشف ما تسرّب عن نتائج زيارة الجنرال منير عن حلقة أميركية جديدة في سياق تعزيز محاصرة إيران أوّلاً، والصين وروسيا ثانياً ودورهما ومصالحهما في غرب آسيا والهضبة الإيرانية وشبه القارّة الهندية.
تواكب إعلان البيت الأبيض إدراج الفرع الباكستاني من جماعة “جيش العدل” على لائحة الجماعات والمنظّمات الإرهابية خلال زيارة الجنرال منير، تزامن مع توقيع عقود اقتصادية كبيرة مع شركات أميركية لاستكشاف واستخراج النفط في ولاية بلوشستان الباكستانية التي تعتبر امتداداً للجزء الإيراني الذي يحوي على مخزونات ضخمة من النفط والغاز.
يعني الوجود الأميركي الاقتصادي حتماً وجوداً عسكريّاً مباشراً لحماية هذه المصالح، وبالتالي يستهدف هذا الوجود أيضاً قطع الطريق أو إعاقة استكمال مشروع خطّ أنابيب “السلام” بين إيران والهند، الذي قد يترفع إلى الصين ويمرّ حتماً في هذه الولاية الباكستانيّة، ويدخل أيضاً في استراتيجية محاصرة إيران اقتصاديّاً، ومن ورائها الصين.
من هنا يمكن القول إنّ خطوة الترويكا الأوروبية لتفعيل قرارات مجلس الأمن وإعادة العقوبات تشكّل الحلقة الأخيرة من الحلقات الاقتصادية التي تهدف إلى محاصرة إيران ومن المفترض أن تقترن بعقوبات على قطاع بيع النفط للصين خاصّة. ولا تُسقط إمكان العودة إلى الخيار العسكري الذي قد يقترب إذا ما ذهبت طهران إلى التصعيد وقرّرت الانسحاب من معاهدة الحدّ من انتشار أسلحة الدمار الشامل الذي يضع برنامجها النووي على طريق التحوّل إلى العسكرة.