
لبنان يغرق بين حربين إسرائيلية وأهلية
يحتاج لبنان إلى معجزة تقيه حتميّة التصعيد الإسرائيليّ المقبل عند انتهاء المهلة الممنوحة له حتّى آخر العام لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الجهاز الأمنيّ والعسكريّ لـ”الحزب”، وربّما يحتاج إلى معجزة أخرى تقيه شرّ الاقتتال الأهليّ الذي تتعاظم مؤشّراته في خلفيّة المشهد. كلّ يوم يمرّ لا يصدر فيه تكليف شرعيّ من مرشد الثورة الإسلاميّة علي خامنئي لـ”الحزب” بإلقاء سلاحه، يقترب الجنوبيّون والبقاعيّون وأهالي الضاحية الجنوبيّة من ملاقاة مصير أهالي خان يونس ورفح وبيت لاهيا في جحيمهم الغزّيّ. للشيعة فلسفتهم في الانتظار، لكنّ العالم نفد صبره.
التحذيرات الدوليّة والعربيّة التي يسمعها اللبنانيّون يوميّاً باتت تحدّد ساعة الصفر والمدى الجغرافيّ للعمليّة الإسرائيليّة الموسّعة، بينما “الحزب” لا يسمع إلّا ما تقوله طهران، وطهران تقول إنّ بقاءه أهمّ من الخبز والماء بالنسبة للبنان. وعليه، يقترب التصعيد الإسرائيليّ من أن يكون حتميّاً، إلّا أنّه قد لا يكون آخِرة مصائب اللبنانيّين.
سلاحان.. ووظيفتان مختلفتان
ازدواجية خطاب “الحزب” في ما يتعلّق بسلاحه جنوب نهر الليطاني وشماله، أعطت انطباعاً لكثير من اللبنانيّين بأنّ التمييز بين السلاحين ليس جغرافيّاً فقط، إنّما وظيفيّ أيضاً: فسلاح جنوب النهر ضدّ إسرائيل، وأمّا سلاح شماله فموجّه نحو الداخل.
تزداد قناعة خصوم “الحزب” يوميّاً بنواياه العدوانيّة تجاههم، والحقيقة أنّهم يبادلونه مستوى مماثلاً من الكراهية. وتبقى الدولة مشلولة في الوسط بفعل التناحر بين أقطابها وترهّلها البنيويّ من جهة، وضغط دوليّ هائل لإنجاز ما عجزت عنه طوال عقود خلال مدّة لم تتجاوز عاماً من جهة أخرى.
من دون الخوض في النيّات، تبدو المؤشّرات الموضوعيّة لسيناريو الاقتتال الأهليّ في طور النموّ، وتتطابق إلى حدّ كبير مع المؤشّرات التي يعتمدها المنهج الأكاديميّ في دراسة النزاعات الأهليّة.
ثلاثة عقود بعد الحرب… ولا شيء تغيّر
بعد أكثر من ثلاثة عقود على نهاية الحرب الأهليّة، لا تزال خطوط الصدع الطائفيّة على حالها، على الرغم من سنوات الهدوء النسبيّ وتغيّر كثير من اللاعبين وإعادة تموضع بعضهم.
اتّفاق الطائف، الذي أنهى الحرب وصُمّم ليكون عقداً اجتماعيّاً جديداً يضع أسس الدولة الحديثة، لم يُطبّق بفعل عوامل عديدة، ليس أقلها تغوّل النظام الأسديّ على الحياة السياسيّة اللبنانيّة، ثمّ دخول اللاعب الإيرانيّ لاحقاً مسيطراً على القرار السياديّ بالحرب والسلم، فيما اكتفى السياسيّون المحليّون بالقطعة المخصّصة لكلّ منهم من “قالب الجبن” الذي يتعفّن منذ ذلك الوقت.
لقد دخل لبنان في عاصفة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل دولةً بلا رئيس ولا مؤسّسات فاعلة، ينهشه الفساد الذي قوّض اقتصاده، ويهيمن عليه السلاح الذي أفرغ الدولة من مضمونها. ولم تُدمّر الحرب الإسرائيليّة خريف العام الماضي “الحزب” وسلاحه بقدر ما دمّرت بنية “التكاذب المتبادل” المعروفة لبنانيّاً باسم الديمقراطيّة التوافقيّة.
ضباب الحرب: حسابات تتفلّت من أصحابها
تداخل انفجار الإقليم مع الأزمة البنيويّة الداخليّة، فغرق لبنان في ما يسمّيه كارل فون كلاوزفيتز “ضباب الحرب”، حيث تتفلّت الديناميّات الناتجة عن المعركة من الحسابات المسبقة للمتحاربين.
أدّى القرار المتسرّع والخاطئ بالدخول في ما عُرف بـ”حرب إسناد غزّة” إلى ردّة فعل إسرائيليّة قاصمة نسفت قواعد الاشتباك المتعارَف عليها، وكشفت عمق الترهّل الأمنيّ في بنية “الحزب” التنظيميّة، وضحالة قدراته العسكريّة مقارنة بالتطوّر العسكريّ والتكنولوجيّ الهائل للجيش الإسرائيليّ. أدّت الهزيمة العسكريّة لـ”الحزب” أيضاً إلى تحويل السعي الإسرائيليّ للقضاء على سلاحه إلى مطلب دوليّ، وهو ما وضع لبنان أمام خيارات صعبة لم يكن صانع القرار في بيروت ولا في طهران متهيّئاً لها.
النّزاعات الأهليّة: عندما تتحوّل الهويّة إلى سلاح
لا يكفي منظور كلاوزفيتز لفهم التداعيات الداخليّة للحرب، إذ يجب النظر إلى ما يطرحه منظّر الحروب الأهليّة البروفسور Bill Kissane في كتابه Nations Torn Asunder، الذي يرى النزاع الأهليّ نتاجاً لتفاعلات النخب، وتفكّك الشرعيّة، وسباق التسلّح الناجم عن عسكرة الهويّات المتصارعة عندما تفشل الدولة في احتواء الشكوك المتبادلة.
يطلق سلوك النخب السياسيّة والأحزاب ومنظّمات المجتمع المدنيّ والإعلام ومؤثّري التواصل الاجتماعيّ ديناميّات اجتماعيّة ونفسيّة تتجاوز قدرتها على السيطرة، فالاستثمار في خطاب الكراهية عبر تمويل المنصّات والبودكاستات والبرامج السياسيّة ومجموعات الواتساب وغيرها من أدوات التعبئة، يعيد إحياء خطوط الصدع الهويّاتيّة الكامنة ويخلق كانتونات طائفيّة متخيّلة تتكاثر فيها المخاوف والشكوك في الظلام السياسيّ الفاسد.
بحسب Kissane، تستخدم النخب الهويّات سلاحاً تعبويّاً عندما تفشل في تحقيق السلطة عبر القنوات الرسميّة للدولة. وعندما تعجز الطبقة السياسيّة عن إدارة الأزمة، يتحوّل الشلل السياسيّ إلى مرض يُصيب العقد الاجتماعيّ في الصميم، فتهتزّ أسس السلم الأهليّ.
معضلة الأمن الأهليّ ودوّامة التّسلّح
لا يكفي كلّ ما سبق لإشعال حرب أهليّة بلا العنصر الأهمّ: السلاح. فبقدر ما تنفي الأحزاب السياسيّة نيّتها وقدرتها على تحويل الأزمة السياسيّة إلى نزاع مسلّح، لا يمكن تجاهل العوامل المنتجة لسباق تسلّح بين المعسكرات المتخاصمة بسبب ما يُعرف بـ”معضلة الأمن الأهليّ”.
سيدفع تنامي الشكوك في وجهة السلاح، بعدما أصبح غير فعّال في مواجهة إسرائيل، خصومَ “الحزب”، إن لم يكن دفع فعلاً، إلى التفكير في حماية أنفسهم من خلال السعي إلى امتلاك سلاح مضادّ، خاصّة في ظلّ عجز الدولة عن إقفال هذا الملفّ سلميّاً.
لا يمنع عزوف الجيش عن الدخول في احتكاك مباشر مع “الحزب” حدوث احتكاكات مع لاعبين آخرين، خصوصاً إذا تراجعت الثقة الداخليّة والخارجيّة بقدرته على احتكار العنف المشروع، ولا يحتاج اللبنانيّون إلى جهد كبير لإحياء وسائل الأمن الذاتيّ وخلق المعازل الطائفيّة، فالسجلّ الدمويّ للحرب الأهليّة مليء بالأمثلة.
في حال أقدمت مجموعة هامشيّة من أقصى اليمين المسيحيّ أو السنّيّ أو الدرزيّ على تخزين السلاح بذريعة حماية نفسها من السلاح الشيعيّ، سيستخدم “الحزب” ذلك لتأكيد سرديّته بأنّ المقاومة وبيئتها في خطر وجوديّ لا حماية منه إلّا بالمزيد من السلاح والتماسك حول الهويّة الضيّقة. وهكذا تدخل البلاد في دوّامة تسلّح تزيد احتمال الانزلاق إلى حرب أهليّة ليس بقرار واعٍ بالضرورة، بل بانحدار تدريجيّ نحو الهاوية، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع حرب إسرائيليّة تؤدّي إلى موجة نزوح طويلة الأمد وإلى مزيد من استنزاف موارد الدولة.
مسؤوليّة النُخب أمام اللّحظة الحرجة
لا يحتاج اللبنانيّون إلى مزيد من التهويل، فيوميّاتهم تزدحم بالأسئلة المصيريّة والهموم المعيشيّة.
لكنّ النخب اللبنانيّة، وعلى رأسها النخب الشيعيّة، تتحمّل مسؤوليّة حماية الدولة والشعب، وخصوصاً جمهور المقاومة، من المخاطر التي تتّفق المعطيات الواقعيّة والنظريّات الأكاديميّة على التحذير منها.
لا بدّ من وقفة مع الذات تُفرمل الاندفاع المجنون نحو الخراب، ولا بدّ من التقاط الفرص التي تتيحها المبادرات والمناشدات العربيّة والدوليّة لتجنّب حمّام الدم، وآخرها نداء المرجع الشيعيّ الأعلى السيّد عليّ السيستاني الذي عاد للتحذير من مغبّة الإقدام على مغامرة جديدة قد تكون عواقبها أكبر من مغامرة حرب الإسناد.
لم تستمع قيادة “الحزب” للسيّد السيستاني في ذلك الحين… فهل تتّعظ اليوم؟
