
“بيروت تُرنم” مجدّدًا في شهر الميلاد
تزامنًا مع الزيارة التاريخية المرتقبة لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، لبنان، يستعدّ اللبنانيون، وبيروت بكاتدرائيّاتها وكنائسها وجامعاتها، لحدث ثقافي وروحي موازٍ بات جزءًا من تقاليد العاصمة في شهر عيدي الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة: مهرجان “بيروت ترنم” الذي تنطلق نسخته الثامنة عشرة مساء اليوم السبت 29 تشرين الثاني ويستمر حتى 23 كانون الأول المقبل، حيث تُفتَح الأبواب مجدَّدًا أمام موسم موسيقي لا يشبه غيره، في بلد يعيش منذ سنوات على إيقاع الأزمات لكنه لا يتخلّى عن حاجته إلى الفن.
منذ بداياته لم يكن “بيروت ترنم” مجرّد مجموعة حفلات ميلادية، بل مشروعًا ثقافيًّا يصرّ على المضيّ قدُمًا مهما تعاظمت الصعوبات. وهذا العام كما في كلّ سنة، يجمع البرنامج بالتعاون مع مؤسّسات ثقافية وسفارات عدة، موسيقيّين محلّيين وعالميين من اتجاهات ومدارس فنية مختلفة. هذا التنوع، كما تؤكد إدارة المهرجان، يعكس رغبة ثابتة في إبقاء بيروت على خريطة الموسيقى العالميّة رغم كل التحديات.
الموسيقى تجمع
رئيسة المهرجان ميشلين أبي سمرا أهدت نسخة هذا العام من المهرجان إلى الفنان الراحل زياد الرحباني “ذاك الذي لم تخفت موسيقاه ولن”. وفي حديث لـ “نداء الوطن”، تحدّثت بثقة عن الرحلة الطويلة للمهرجان الذي انطلق قبل 18 عامًا، قائلةً: “حين أنظر إلى السنوات الماضية أفهم أكثر لماذا بدأنا من الأساس. كل ما عاشه البلد من انهيارات وهزات وتغيّرات جعل رسالتنا أوضح وأكثر إلحاحًا. والزيارة المباركة لقداسة البابا تأتي لتؤكد ما سعينا إليه: أن يبقى لبنان مساحة واحدة رغم اختلاف أبنائه”. وتابعت: “الموسيقى كانت دائمًا لغة مشتركة بين اللبنانيين، في مجتمع تحكمه التباينات والاختلافات إلى حد التناقض أحيانًا. لكن حين نجتمع في فضاء موسيقي، ندرك أننا نحب الأشياء نفسها. في سنواتنا الأولى، بدأنا بالموسيقى الكلاسيكية مع جمهور لم يكن معتادًا على باخ أو بيتهوفن أو فاغنر، لكنني اليوم أرى جمهورًا أكثر نضجًا وثقافة، وبات العازفون العالميّون الذين يستضيفهم المهرجان يكرّرون دائمًا أنهم أمام واحد من أفضل الجماهير في العالم، وهذا إنجاز صنعناه معًا”.
أبي سمرا شدّدت على أن “سرّ استمرارية المهرجان يكمن في غياب المصالح، إذ لم يكن لدينا يومًا أيّ هدف تجاري أو سياسي، فما يجمعنا هو الثقافة والمحبة فقط، لذلك لم نتوقف. جمهورنا بات يشاهد حفلاتنا في الكنائس والجامعات وفي البيوت عبر شاشات التلفزة، خصوصًا أن هذا المهرجان ليس لمجموعة أو فئة معيّنة، بل لكل اللبنانيين”.
سفارات جديدة وجوقات قديمة
تلفت أبي سمرا إلى أن دورة “بيروت ترنم” هذا العام تحمل إضافات مهمّة، إذ “نشهد هذا العام عودة مشاركة جوقة مؤسسة الإمام موسى الصدر بعد غياب طويل، وهذه العودة تحمل دلالة على الغنى والانفتاح وروح اللقاء التي يريدها المهرجان، كما نفتخر بالتعاون مع سفارات جديدة مثل بولندا وأستراليا، ومع أسماء فنيّة عالميّة عديدة”.
أبي سمرا توقفت في حديثها معنا عند أهمية التطوّر المجتمعي الذي يسعى “بيروت ترنم” إلى تعزيزه، فقالت: “أحبّ دائمًا أن نكون جزءًا من تقدّم المجتمع، ولا نريد أن يغيّر أحدنا الآخر. نريد فقط أن ننظر إلى بعضنا بمحبة واحترام، وأن نتعلّم من بعضنا، وهذا هو الطريق الوحيد نحو التقدّم”.
أسماء لبنانيّة
نسألها عن الأسماء اللبنانية المشاركة هذا العام، فتجيب: “كل اسم منهم هو إضافة كبيرة. من بشارة مفرّج بصوته وحضوره، والدكتورة غادة شبير البعيدة كلّ البعد عن كل ما هو تجاريّ، والأخت مارانا سعد التي أعتبرُها الملاك الحارس للبنان، إضافةً إلى جوقة “Les Solistes” التي اجتهدت لتقدّم أحد أقوى العروض هذا العام”، لافتة إلى أنها كانت تطمح لضمّ أسماء إضافية مثل ميسا قرعة، لكن “غياب السند المالي يجعل بعض المشاريع غير ممكن حاليًا”.
وتحدّثت أبي سمرا بصراحة عن التحدّيات التي يواجهها المهرجان في غياب الدعم الرسمي، مؤكدةً أن الطموحات باتت تتجاوز حدود لبنان: “أهم ما نعمل عليه اليوم هو التوسّع. نعمل على إيصال “بيروت ترنم” إلى الرياض، وأبو ظبي، وقطر، وسوريا، والأردن. نحن منطقة واحدة وجمهور واحد، وبرامجنا جاهزة للانتقال خارج الحدود، لكن ما ينقصنا هو السند الحقيقي من الدولة”. وتابعت قائلة: “هناك مشاريع أصبحت أكثر من مجرد أفكار، لكن تنفيذها لا يزال مرتبطًا بقدرة الدولة على دعم المبادرات الثقافية. نحن فخورون بوجود الرئيس جوزاف عون في رئاسة الجمهوريّة، وبحكومة يرأسها نواف سلام، وهذا يعطينا دفعًا معنويًا كبيرًا. لدينا أمل أن يتحقق الدعم قريبًا، وأن تصبح الدولة شريكًا مباشرًا في مسيرتنا”.
بيروت تتنفس ثقافة
المدير الفني لـ “بيروت ترنم” الأب توفيق معتوق، الذي يدير المهرجان فنيًّا منذ 14 عامًا، قال من جهته لـ “نداء الوطن” إن هذه “التجربة لا تشبه أيّ تجربة موسيقية أخرى”، مضيفًا: “بيروت مدينة تتنفس ثقافة، حتى لو كانت رئتاها متعبتَين، وهذا المهرجان يدفعني لأقدّم أفضل ما لدي رغم محدودية الميزانيات والصعوبات. فخلال 18 سنة، أرسى المهرجان هوية خاصة به، وفي المقابل أعطى بيروت هوية ثقافية متجدّدة”.
معتوق لفت إلى أن المهرجان “لم يتوقف يومًا، لا في فترة كورونا ولا خلال “ثورة 2019” ولا بعد انفجار مرفأ بيروت”، وقال: “كنا نعيد برمجة كل شيء وفق الإمكانات، لكن المهرجان لم يقفل أبوابه يومًا”. وتابع: “منذ انطلاق المهرجان، 75 % من برنامجه يعتمد على الموسيقيّين اللبنانيين، و25 % على موسيقيّين عالميّين، وهذا المزيج يعطي خبرة للطرفَين ويجسّد انفتاح بيروت على العالم. نحن نتابع الساحة الموسيقية العالميّة ونختار الأفضل مما هو متاح، مع أننا لا نستطيع دائمًا استقدام كلّ من نرغب بالتعاون معهم بسبب الوضع والميزانيات”.
لكن ما يعتبره معتوق الأهم، هو الجمهور، فيقول: “مهرجان “بيروت ترنم” أوجد جمهوره. جمهور يمثل كلّ أطياف اللبنانيّين وينتظر الحفلات بشغف. وعندما نعلن عن حفل جديد تُحجز المقاعد خلال ساعات، وهذا دليل قاطع على أن بيروت ما زالت تريد الثقافة، وتعرف قيمتها”.
ساعات إذًا وتعلو الموسيقى من جديد في بيروت، استعدادًا لموسم العيد والفرح. والبداية الساعة 8:00 من هذا المساء في “كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين” في الأشرفيّة، شارع مونو، في أمسية موسيقيّة غنائيّة بقيادة الأب توفيق معتوق، تحيي الذكرى 190 لولادة الموسيقيّ الفرنسي Camille Saint-Saëns مع جوقتَي “الجامعة الأنطونيّة” و “جامعة سيّدة اللويزة”.
يمكن الاطّلاع على تفاصيل برنامج الأمسيات المجانيّة لمهرجان “بيروت ترنم” من خلال الموقع الإلكتروني: www.beirutchants.com، مع ضرورة حجز الأماكن مسبقًا من خلال موقع www.ihjoz.com .
