نرجس محمدي… زهرة الأمل التي تهز عرش الملالي

تتغيّر إيران بسرعة فائقة منذ مقتل الشابة مهسا أميني في 16 أيلول 2022 بعد اعتقالها الوحشي على يد “شرطة الأخلاق”. فجّرت تلك الجريمة المقترفة بأيدي رجال الملالي، إحدى أجمل وأعمق الثورات في المنطقة، ثورة “المرأة، الحياة، الحرّية”، التي قمِعَت بعنف، لكن “شعلة الحرّية” بقيت متقدة في قلوب الإيرانيين الأحرار، خصوصًا الفتيات والنساء. تمثل المناضلة نرجس محمدي أبرز مثال صارخ للمرأة الإيرانية الشجاعة والمقاومة. لم تدع محمدي، وضعها الصحّي الحسّاس وبطش نظام الجمهورية الإسلامية، يحولان دون صعودها فوق سيارة، طبعًا بلا حجاب، في مدينة مشهد نهاية الأسبوع الفائت، لتردّد مع الحاضرين عبر مكبر للصوت، شعارات مناهضة للنظام، أبرزها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي.
كانت محمدي تشارك وقتذاك في مراسم إحياء ذكرى مرور أسبوع على رحيل محامي المتظاهرين المضطهدين، خسرو علي كردي، الذي عُثر عليه ميتًا في ظروف مريبة داخل مكتبه، وسط شبهات خطرة بأنها جريمة قتل تورّطت بها السلطات، وفق حقوقيين. تعرّضت حائزة “نوبل للسلام”، التي مُنحت سراحًا موَقتًا من سجن إيفين السيّئ السمعة أواخر العام الماضي، لضرب مبرح أثناء اعتقالها مع عشرات النشطاء في مشهد، ما تسبّب في تراجع حالتها الصحية ونقلها مرّتين إلى المستشفى، مع رفض السلطات إجراء فحص طبي مستقلّ لها وكشف مكان احتجازها. محنة محمدي ورفاقها استحالت قضية كلّ إنسان حرّ في إيران وحول العالم، مع تصاعد الدعوات وتكثف الجهود لإحالة ملف الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان في إيران، إلى المحكمة الجنائية الدولية.
كان لافتًا توقيت اعتقال محمدي الذي حصل بعد يومين فحسب من حفل تسليم جائزة “نوبل للسلام” لـ “أيقونة” المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، الغريمة الجريئة لحليف الملالي وحرسهم الثوري، الرئيس غير الشرعي نيكولاس مادورو. رفعت ماتشادو الصوت عاليًا مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن محمدي، معتبرة أن اسم نرجس محمدي أصبح درعًا لعدد لا يحصى من الإيرانيين. وكان معبّرًا حديث ماتشادو عن أن “نضالنا مسيرة طويلة نحو الحرّية. تلك المسيرة ليست فنزويلية فقط. إنها إيرانية. إنها عالمية. وهي تتقدّم في كلّ مرّة تحوّل فيها امرأة مثل نرجس، الألم إلى حقيقة، والحقيقة إلى فعل”. تعبّر كلمات ماتشادو عن لسان حال كلّ ثائر من فنزويلا إلى إيران، وتهدف في المحصّلة إلى طيّ صفحة سوداوية في كاراكاس وطهران وغيرهما، وانبثاق فجر جديد للشعوب الحرّة.
صحيح أن أجهزة النظام صارت تغض الطرف عن عدم التزام النساء والفتيات بوضع الحجاب الإلزامي في الأماكن العامة، تفاديًا لصدام بات شبه محتم مع الشارع الناقم، بيد أنها لا تتوانى إطلاقًا عن قمع أي تجمّع معارض ينادي بإسقاط النظام، أو عن تنفيذ حملة اعتقالات تعسّفية تطول ناشطين معارضين، لبعث رسالة واضحة إلى الإيرانيين مفادها أن أي حراك مناهض للنظام بمثابة “لعب بالنار”، وتاليًا يترتب على أصحابه دفع أثمان باهظة. وهذا تمامًا ما تدفعه اليوم نرجس محمدي وجميع المعتقلين السياسيين في إيران. يدفعون ثمن التحرّر من “الاستعمار الداخلي” وطغيان العقائد المتزمّتة. يدفعون ضريبة قاسية لكي يرث أولادهم وأحفادهم وطنًا بحلّة نقية جديدة.
تحمل محمدي اسم زهرة النرجس المشهورة في إيران والتي ترمز إلى الجمال والأمل والبدايات الجديدة. تزرع هذه الزهرة في الخريف وتتفتح في الشتاء بعد هطول المطر. مدهشة هي العلاقة الوطيدة بين الطبيعة والإنسان. فالنضال السياسي في وجه الديكتاتوريات العاتية يبدأ في “الأيام الخريفية” الصعبة على “جنود الحرّية”، لينمو ويزدهر ويتعاظم بعدما يرتوي بالعرق والدماء، ثمّ يغدو حركة شعبية معارضة واسعة وقوية، ويتحوّل إلى “عاصفة شتوية” تطيح في النهاية أنظمة فقء العيون والإعدامات، وتمهّد الطريق لربيع طال انتظاره عند الساعين إلى حياة أفضل بعيدة كلّ البُعد من الأيديولوجيات المعلّبة والأفكار البالية والتجارب الفاشلة.
شوارع إيران وحدائقها ومقاهيها وحُرُم جامعاتها، التي أمست تتزيّن بالحرائر غير المحجّبات، تؤكد أن التغيير الجذري آتٍ لا محال. أضحت الأرضية المجتمعية جاهزة لإنعاش ثورة “المرأة، الحياة، الحرّية” حتى الوصول إلى دولة الحرّيات والعدالة وحقوق الإنسان، ولو مهما طال الزمن. الحرّية لنرجس محمدي ونخبة المناضلات والمناضلين في سبيل إيران بلا أغلال العبودية. الحرّية لإيران وجميع الشعوب المقهورة في كافة أرجاء المعمورة.
نرجس محمدي… زهرة الأمل التي تهز عرش الملالي

تتغيّر إيران بسرعة فائقة منذ مقتل الشابة مهسا أميني في 16 أيلول 2022 بعد اعتقالها الوحشي على يد “شرطة الأخلاق”. فجّرت تلك الجريمة المقترفة بأيدي رجال الملالي، إحدى أجمل وأعمق الثورات في المنطقة، ثورة “المرأة، الحياة، الحرّية”، التي قمِعَت بعنف، لكن “شعلة الحرّية” بقيت متقدة في قلوب الإيرانيين الأحرار، خصوصًا الفتيات والنساء. تمثل المناضلة نرجس محمدي أبرز مثال صارخ للمرأة الإيرانية الشجاعة والمقاومة. لم تدع محمدي، وضعها الصحّي الحسّاس وبطش نظام الجمهورية الإسلامية، يحولان دون صعودها فوق سيارة، طبعًا بلا حجاب، في مدينة مشهد نهاية الأسبوع الفائت، لتردّد مع الحاضرين عبر مكبر للصوت، شعارات مناهضة للنظام، أبرزها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي.
كانت محمدي تشارك وقتذاك في مراسم إحياء ذكرى مرور أسبوع على رحيل محامي المتظاهرين المضطهدين، خسرو علي كردي، الذي عُثر عليه ميتًا في ظروف مريبة داخل مكتبه، وسط شبهات خطرة بأنها جريمة قتل تورّطت بها السلطات، وفق حقوقيين. تعرّضت حائزة “نوبل للسلام”، التي مُنحت سراحًا موَقتًا من سجن إيفين السيّئ السمعة أواخر العام الماضي، لضرب مبرح أثناء اعتقالها مع عشرات النشطاء في مشهد، ما تسبّب في تراجع حالتها الصحية ونقلها مرّتين إلى المستشفى، مع رفض السلطات إجراء فحص طبي مستقلّ لها وكشف مكان احتجازها. محنة محمدي ورفاقها استحالت قضية كلّ إنسان حرّ في إيران وحول العالم، مع تصاعد الدعوات وتكثف الجهود لإحالة ملف الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان في إيران، إلى المحكمة الجنائية الدولية.
كان لافتًا توقيت اعتقال محمدي الذي حصل بعد يومين فحسب من حفل تسليم جائزة “نوبل للسلام” لـ “أيقونة” المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، الغريمة الجريئة لحليف الملالي وحرسهم الثوري، الرئيس غير الشرعي نيكولاس مادورو. رفعت ماتشادو الصوت عاليًا مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن محمدي، معتبرة أن اسم نرجس محمدي أصبح درعًا لعدد لا يحصى من الإيرانيين. وكان معبّرًا حديث ماتشادو عن أن “نضالنا مسيرة طويلة نحو الحرّية. تلك المسيرة ليست فنزويلية فقط. إنها إيرانية. إنها عالمية. وهي تتقدّم في كلّ مرّة تحوّل فيها امرأة مثل نرجس، الألم إلى حقيقة، والحقيقة إلى فعل”. تعبّر كلمات ماتشادو عن لسان حال كلّ ثائر من فنزويلا إلى إيران، وتهدف في المحصّلة إلى طيّ صفحة سوداوية في كاراكاس وطهران وغيرهما، وانبثاق فجر جديد للشعوب الحرّة.
صحيح أن أجهزة النظام صارت تغض الطرف عن عدم التزام النساء والفتيات بوضع الحجاب الإلزامي في الأماكن العامة، تفاديًا لصدام بات شبه محتم مع الشارع الناقم، بيد أنها لا تتوانى إطلاقًا عن قمع أي تجمّع معارض ينادي بإسقاط النظام، أو عن تنفيذ حملة اعتقالات تعسّفية تطول ناشطين معارضين، لبعث رسالة واضحة إلى الإيرانيين مفادها أن أي حراك مناهض للنظام بمثابة “لعب بالنار”، وتاليًا يترتب على أصحابه دفع أثمان باهظة. وهذا تمامًا ما تدفعه اليوم نرجس محمدي وجميع المعتقلين السياسيين في إيران. يدفعون ثمن التحرّر من “الاستعمار الداخلي” وطغيان العقائد المتزمّتة. يدفعون ضريبة قاسية لكي يرث أولادهم وأحفادهم وطنًا بحلّة نقية جديدة.
تحمل محمدي اسم زهرة النرجس المشهورة في إيران والتي ترمز إلى الجمال والأمل والبدايات الجديدة. تزرع هذه الزهرة في الخريف وتتفتح في الشتاء بعد هطول المطر. مدهشة هي العلاقة الوطيدة بين الطبيعة والإنسان. فالنضال السياسي في وجه الديكتاتوريات العاتية يبدأ في “الأيام الخريفية” الصعبة على “جنود الحرّية”، لينمو ويزدهر ويتعاظم بعدما يرتوي بالعرق والدماء، ثمّ يغدو حركة شعبية معارضة واسعة وقوية، ويتحوّل إلى “عاصفة شتوية” تطيح في النهاية أنظمة فقء العيون والإعدامات، وتمهّد الطريق لربيع طال انتظاره عند الساعين إلى حياة أفضل بعيدة كلّ البُعد من الأيديولوجيات المعلّبة والأفكار البالية والتجارب الفاشلة.
شوارع إيران وحدائقها ومقاهيها وحُرُم جامعاتها، التي أمست تتزيّن بالحرائر غير المحجّبات، تؤكد أن التغيير الجذري آتٍ لا محال. أضحت الأرضية المجتمعية جاهزة لإنعاش ثورة “المرأة، الحياة، الحرّية” حتى الوصول إلى دولة الحرّيات والعدالة وحقوق الإنسان، ولو مهما طال الزمن. الحرّية لنرجس محمدي ونخبة المناضلات والمناضلين في سبيل إيران بلا أغلال العبودية. الحرّية لإيران وجميع الشعوب المقهورة في كافة أرجاء المعمورة.









