تحالفات جديدة تتشكل: هل تعاد صياغة وظيفة الحزب الإقليمية؟

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
2 كانون الثاني 2026

بين تركيا وقطر ومصر، ثلاث قنوات تواصل مباشر مفتوحة مع حزب الله، لكل دولة منها مقاربتها وأهدافها، وإن انتهت جميعها إلى تقاطع مصالح متصل بالتحولات التي تشهدها المنطقة العربية، نتيجة التوغل الإسرائيلي المدعوم أميركياً، ونشوء محاور جديدة أعادت خلط الأوراق والتحالفات العربية ـ الخليجية، وموقع كلٍّ من إيران وتركيا فيها.

أظهرت الأحداث الأخيرة بروز لاعبين جدد على المشهد الإقليمي، بينهم تركيا التي تُعدّ الداعم الحقيقي للنظام الجديد في سوريا، والتي اصطدمت بالسعي الإسرائيلي إلى التوسع حتى داخل الأراضي السورية. وفي المقابل، شعر الإسرائيلي بأن تخفيض منسوب الخطر والنفوذ الإيراني أفرز خصماً جديداً له في المنطقة هو تركيا.

الدولة الداعمة للنظام السوري الجديد، سعت إلى التقارب مع حزب الله منذ فترة غير بعيدة، زارها وفد من الحزب للمشاركة في مؤتمر حول فلسطين. وقد فتحت هذه الزيارة كواليس العلاقة القائمة بين الطرفين. أرادت أنقرة، عبر لقاءاتها مع مسؤولي حزب الله، الوقوف على رأيهم ومقاربتهم للوضع المستجد في سوريا بعد تسلّم أحمد الشرع السلطة، وقدّمت نفسها على أنها حاملة رسائل تطمين من جانب النظام الجديد، مفادها أن الشرع أقفل الباب نهائياً على مراحل الماضي.

جاء هذا التواصل في سياق التطمين المتبادل بين النظام السوري الجديد وحزب الله. وتعتبر تركيا، التي تلعب دور “كاسحة ألغام” أمام الرئيس السوري أحمد الشرع، أن الحدود بين سوريا ولبنان، والتغييرات التي حصلت، وتهجير العلويين، عوامل قد تؤدي إلى مزيد من التوتر، لا سيما أن حزب الله كان له وجود سابق في سوريا.

منذ بدء الحزب سحب عناصره من سوريا، تدخلت تركيا لمنع أي صدام، وتأمين خروج آمن له، وطمأنته لاحقاً إلى أن الشرع طوى صفحة الماضي. في المقابل، سبق أن اتخذ حزب الله قراراً بعدم التدخل في سوريا، ومنح تركيا ضمانات في هذا الاتجاه.

عُقدت لقاءات عدة، وأخرى منتظرة، هدفها ترتيب علاقة جديدة بين حزب الله وسوريا، التي كان يعتبرها الحزب سنداً أساسياً في مواجهة إسرائيل. وقد شكّل سقوط النظام وهروب بشار الأسد نكبة لحزب الله الذي ولا يجد حرجاً في ترتيب علاقته مع الشرع، بهدف منع تحوّل سوريا إلى خاصرة رخوة في حال أي عدوان إسرائيلي محتمل على لبنان، ولا سيما من جهة البقاع.

وأبعد من العلاقة مع سوريا، وفي ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، والتوتر الإماراتي ـ السعودي، باتت المنطقة أمام مشاريع سيطرة جديدة، في مقابل تقارب تركي ـ إيراني ـ سعودي.

المسار المصري

وإذا كانت تركيا تستشعر خطراً على مصالحها في حال عدم استقرار سوريا، فإن مصر استشعرت خطراً على أمنها القومي، خصوصاً أن التوغل الإسرائيلي في غزة يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية. وبناءً على ذلك، تحركت مصر في المنطقة لدرء الخطر عنها، ولعبت دوراً أساسياً في التوصل إلى اتفاق غزة، واعتبرته خطوة تحتاج إلى تحصين عبر الاستقرار ووقف التصعيد الإسرائيلي، ومنع احتمال اندلاع حرب جديدة على لبنان.

قدمت مصر أفكاراً في إطار مبادرة لم تكتمل مواصفاتها. وعُقدت لقاءات عديدة لتبادل الأفكار، وتطورت الطروحات التي حملها الجانب المصري، سواء في زيارة رئيس المخابرات أو زيارة وزير الخارجية، لكنها لم تصل إلى مستوى يقنع حزب الله بالتخلي عن موقفه المتمسك بضرورة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ورفض أي تجاوز له. هذا ما جعل الأفكار المصرية غير مقبولة، والمسار غير مفتوح، وإن لم يُقفل الباب بالكامل.

وأتت زيارة رئيس الحكومة المصرية إلى لبنان، وإن لم تكن مرتبطة مباشرة بمضمون المبادرة، لتؤكد اهتمام مصر بلبنان وحضورها، لا سيما أنها جزء من اللجنة الخماسية الدولية التي ساهمت في إعادة إنتاج السلطة في لبنان عبر انتخاب رئيس الجمهورية. الأفكار لم تنضج بعد لكن البحث بشأنها مه حزب الله لا يزال متواصلاً.

المسار القطري

في توصيفه علاقته، يتحدث حزب الله عن دور دائم ومستمر لقطر في لبنان، علاقتها ثابتة مع جميع الأطراف، ومن ضمنهم حزب الله. 

تلعب قطر أدواراً متعددة، كونها إحدى القنوات التي يمكن أن تشكل مسار تفاوض غير مباشر بين الأميركي والإيراني، لا سيما في ظل علاقتها الجيدة مع طهران. ويشير مناخ التواصل بين حزب الله وقطر، بغض النظر عن مستواه أو الجهة التي قامت به، إلى أنه يندرج في إطار استشراف مواقف الحزب وقراءته للأحداث والتطورات الإقليمية، وربما في سياق التفكير بتقديم أفكار جديدة لتجنيب لبنان أي تصعيد محتمل.

ويرى البعض أن هذا التواصل لا يبتعد عن رغبة أميركية في فتح قناة غير مباشرة مع حزب الله، خصوصاً في ضوء الإشارات الأميركية حول فكرة “احتواء السلاح” التي تقترب من الطرح المصري، ولكن باستخدام مصطلح “إخماد السلاح”. وفي تفسير حزب الله لحديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمره الصحافي الأخير أنه ورغم وصفه الحزب بأنه سيئ، اعتبر أن مسؤولية معالجة مسألة السلاح تقع على عاتق الحكومة اللبنانية. وقد يكون هذا الموقف أغلق الباب أمام فكرة الحرب المفتوحة التي يسعى إليها بنيامين نتنياهو، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام استمرار التصعيد الإسرائيلي للضغط على لبنان وحكومته وعلى حزب الله.

وفق قراءة حزب الله، ثمة تحالفات جديدة تتشكل، ومحاولات لإعادة توزيع الأدوار. السؤال لم يعد ما إذا كان الحزب محاصَراً، بل كيف ستُعاد صياغة وظيفته الإقليمية : هل نحن أمام مشروع احتواء طويل الأمد؟ أم إعادة تعويم مشروطة؟ أم مرحلة انتقالية بانتظار تسوية كبرى بين الأميركي والإيراني؟

في موازاة ذلك، يبرز محور تركي – إيراني – سعودي آخذ في التشكل، مقابل مشاريع هيمنة أخرى، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل المقاربة السعودية للملف اللبناني، وحول ما إذا كانت ستبقى مسألة السلاح في صدارة الأولويات، أم ستُدرج ضمن سلّة أوسع من الترتيبات.

 ما يجري يؤكد حقيقة واحدة: لبنان لم يعد خارج الحسابات، لكنه ليس لاعباً بعد. وبين إدارة الصراع وإعادة رسم الدور، يبقى الخطر الأكبر أن تُدار الملفات الكبرى من فوق رأس الدولة اللبنانية.

تحالفات جديدة تتشكل: هل تعاد صياغة وظيفة الحزب الإقليمية؟

الكاتب: غادة حلاوي | المصدر: المدن
2 كانون الثاني 2026

بين تركيا وقطر ومصر، ثلاث قنوات تواصل مباشر مفتوحة مع حزب الله، لكل دولة منها مقاربتها وأهدافها، وإن انتهت جميعها إلى تقاطع مصالح متصل بالتحولات التي تشهدها المنطقة العربية، نتيجة التوغل الإسرائيلي المدعوم أميركياً، ونشوء محاور جديدة أعادت خلط الأوراق والتحالفات العربية ـ الخليجية، وموقع كلٍّ من إيران وتركيا فيها.

أظهرت الأحداث الأخيرة بروز لاعبين جدد على المشهد الإقليمي، بينهم تركيا التي تُعدّ الداعم الحقيقي للنظام الجديد في سوريا، والتي اصطدمت بالسعي الإسرائيلي إلى التوسع حتى داخل الأراضي السورية. وفي المقابل، شعر الإسرائيلي بأن تخفيض منسوب الخطر والنفوذ الإيراني أفرز خصماً جديداً له في المنطقة هو تركيا.

الدولة الداعمة للنظام السوري الجديد، سعت إلى التقارب مع حزب الله منذ فترة غير بعيدة، زارها وفد من الحزب للمشاركة في مؤتمر حول فلسطين. وقد فتحت هذه الزيارة كواليس العلاقة القائمة بين الطرفين. أرادت أنقرة، عبر لقاءاتها مع مسؤولي حزب الله، الوقوف على رأيهم ومقاربتهم للوضع المستجد في سوريا بعد تسلّم أحمد الشرع السلطة، وقدّمت نفسها على أنها حاملة رسائل تطمين من جانب النظام الجديد، مفادها أن الشرع أقفل الباب نهائياً على مراحل الماضي.

جاء هذا التواصل في سياق التطمين المتبادل بين النظام السوري الجديد وحزب الله. وتعتبر تركيا، التي تلعب دور “كاسحة ألغام” أمام الرئيس السوري أحمد الشرع، أن الحدود بين سوريا ولبنان، والتغييرات التي حصلت، وتهجير العلويين، عوامل قد تؤدي إلى مزيد من التوتر، لا سيما أن حزب الله كان له وجود سابق في سوريا.

منذ بدء الحزب سحب عناصره من سوريا، تدخلت تركيا لمنع أي صدام، وتأمين خروج آمن له، وطمأنته لاحقاً إلى أن الشرع طوى صفحة الماضي. في المقابل، سبق أن اتخذ حزب الله قراراً بعدم التدخل في سوريا، ومنح تركيا ضمانات في هذا الاتجاه.

عُقدت لقاءات عدة، وأخرى منتظرة، هدفها ترتيب علاقة جديدة بين حزب الله وسوريا، التي كان يعتبرها الحزب سنداً أساسياً في مواجهة إسرائيل. وقد شكّل سقوط النظام وهروب بشار الأسد نكبة لحزب الله الذي ولا يجد حرجاً في ترتيب علاقته مع الشرع، بهدف منع تحوّل سوريا إلى خاصرة رخوة في حال أي عدوان إسرائيلي محتمل على لبنان، ولا سيما من جهة البقاع.

وأبعد من العلاقة مع سوريا، وفي ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، والتوتر الإماراتي ـ السعودي، باتت المنطقة أمام مشاريع سيطرة جديدة، في مقابل تقارب تركي ـ إيراني ـ سعودي.

المسار المصري

وإذا كانت تركيا تستشعر خطراً على مصالحها في حال عدم استقرار سوريا، فإن مصر استشعرت خطراً على أمنها القومي، خصوصاً أن التوغل الإسرائيلي في غزة يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية. وبناءً على ذلك، تحركت مصر في المنطقة لدرء الخطر عنها، ولعبت دوراً أساسياً في التوصل إلى اتفاق غزة، واعتبرته خطوة تحتاج إلى تحصين عبر الاستقرار ووقف التصعيد الإسرائيلي، ومنع احتمال اندلاع حرب جديدة على لبنان.

قدمت مصر أفكاراً في إطار مبادرة لم تكتمل مواصفاتها. وعُقدت لقاءات عديدة لتبادل الأفكار، وتطورت الطروحات التي حملها الجانب المصري، سواء في زيارة رئيس المخابرات أو زيارة وزير الخارجية، لكنها لم تصل إلى مستوى يقنع حزب الله بالتخلي عن موقفه المتمسك بضرورة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ورفض أي تجاوز له. هذا ما جعل الأفكار المصرية غير مقبولة، والمسار غير مفتوح، وإن لم يُقفل الباب بالكامل.

وأتت زيارة رئيس الحكومة المصرية إلى لبنان، وإن لم تكن مرتبطة مباشرة بمضمون المبادرة، لتؤكد اهتمام مصر بلبنان وحضورها، لا سيما أنها جزء من اللجنة الخماسية الدولية التي ساهمت في إعادة إنتاج السلطة في لبنان عبر انتخاب رئيس الجمهورية. الأفكار لم تنضج بعد لكن البحث بشأنها مه حزب الله لا يزال متواصلاً.

المسار القطري

في توصيفه علاقته، يتحدث حزب الله عن دور دائم ومستمر لقطر في لبنان، علاقتها ثابتة مع جميع الأطراف، ومن ضمنهم حزب الله. 

تلعب قطر أدواراً متعددة، كونها إحدى القنوات التي يمكن أن تشكل مسار تفاوض غير مباشر بين الأميركي والإيراني، لا سيما في ظل علاقتها الجيدة مع طهران. ويشير مناخ التواصل بين حزب الله وقطر، بغض النظر عن مستواه أو الجهة التي قامت به، إلى أنه يندرج في إطار استشراف مواقف الحزب وقراءته للأحداث والتطورات الإقليمية، وربما في سياق التفكير بتقديم أفكار جديدة لتجنيب لبنان أي تصعيد محتمل.

ويرى البعض أن هذا التواصل لا يبتعد عن رغبة أميركية في فتح قناة غير مباشرة مع حزب الله، خصوصاً في ضوء الإشارات الأميركية حول فكرة “احتواء السلاح” التي تقترب من الطرح المصري، ولكن باستخدام مصطلح “إخماد السلاح”. وفي تفسير حزب الله لحديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمره الصحافي الأخير أنه ورغم وصفه الحزب بأنه سيئ، اعتبر أن مسؤولية معالجة مسألة السلاح تقع على عاتق الحكومة اللبنانية. وقد يكون هذا الموقف أغلق الباب أمام فكرة الحرب المفتوحة التي يسعى إليها بنيامين نتنياهو، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام استمرار التصعيد الإسرائيلي للضغط على لبنان وحكومته وعلى حزب الله.

وفق قراءة حزب الله، ثمة تحالفات جديدة تتشكل، ومحاولات لإعادة توزيع الأدوار. السؤال لم يعد ما إذا كان الحزب محاصَراً، بل كيف ستُعاد صياغة وظيفته الإقليمية : هل نحن أمام مشروع احتواء طويل الأمد؟ أم إعادة تعويم مشروطة؟ أم مرحلة انتقالية بانتظار تسوية كبرى بين الأميركي والإيراني؟

في موازاة ذلك، يبرز محور تركي – إيراني – سعودي آخذ في التشكل، مقابل مشاريع هيمنة أخرى، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل المقاربة السعودية للملف اللبناني، وحول ما إذا كانت ستبقى مسألة السلاح في صدارة الأولويات، أم ستُدرج ضمن سلّة أوسع من الترتيبات.

 ما يجري يؤكد حقيقة واحدة: لبنان لم يعد خارج الحسابات، لكنه ليس لاعباً بعد. وبين إدارة الصراع وإعادة رسم الدور، يبقى الخطر الأكبر أن تُدار الملفات الكبرى من فوق رأس الدولة اللبنانية.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار