من سوريا إلى اليمن: “التفكّك العظيم” بدأ!

الجغرافيا السياسية الجديدة في 2026: شرقٌ أوسط ليس لـ”الدول ذات السيادة”، بل للدول التي تشكّل ممرات بحرية وبرية وجوية وتحتضن القواعد العسكرية
في لحظة الأعصاب المشدودة في سوريا، جاء النبأ الصاعق من تركيا، بإعلان أنها مستعدة لدعم الحسم العسكري هناك، ضد “قسد”، إذا طلبت منها حكومة أحمد الشرع ذلك. فهذا الإعلان يفتح الباب على المجهول في سوريا وشرق المتوسط، في لحظة التحولات المصيرية في بقعة اليمن والقرن الأفريقي. وعلى الأرجح، رسالة أنقرة ليست موجهة إلى “قسد” وحدها، بل أيضاً إلى إسرائيل التي باتت لاعباً أساسياً في منطقتين عربيتين: شرق المتوسط وبحر العرب. لكن لحظة التدخل العسكري التركي في سوريا- التي تبدو أكثر من جدية- ستكون الشرارة التي ستشعل فتيل إعادة رسم الخرائط على شرق المتوسط، فيما الوضع يلتهب في القرن الأفريقي واليمن.
تستعجل تركيا حجز موقع لها على الخريطة السورية، استباقاً لنفوذ إسرائيلي يتزايد هناك، ويحظى بتأييد العديد من الفئات السورية، ولا سيما في السويداء ومناطق الأكراد، ويمكن أن يقود هذا البلد إلى تكرار سيناريو القرن الأفريقي. فتركيا تتوقع أن يكون اعتراف إسرائيل بأرض الصومال “بروفا” لاعتراف مستقبلي بكيان كردي على حدودها. لذا، هي تحاول اليوم شن هجوم استباقي. فـ”الدولة الكردية” قد تصبح الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل في قلب الهلال الخصيب، وستوازيها إدارة ذاتية درزية في السويداء، ومنطقة عازلة في الجنوب السوري تؤمّن حدود إسرائيل الشمالية، فيما الساحل السوري العلوي يشهد مخاضاً عسيراً في الأيام الأخيرة في اتجاه حالة شبيهة بالحالتين الكردية والدرزية، وربما تضمنها موسكو. وكل ذلك سيضع أنقرة في وضع حرج.
في هذه اللحظة، كان يتحرك حدثان بالغا الأهمية: في اليمن، أضاءت سماء ميناء المكلا نيران الصواريخ السعودية على شحنات أسلحة إماراتية في ميناء المكلا. وفي أرض الصومال، اعتراف إسرائيلي بالكيان المولود. وفي شكل مفاجئ، تحولت حضرموت، أكبر محافظات اليمن، ساحة لصدام الإرادات بين الحليفين السعودي والإماراتي، اللذين دخلا حالياً في وضعية تنافس علني واضح. وتعود جذور الخلاف بين الشقيقين العربيين إلى تباين قديم في الرؤى الاستراتيجية لمستقبل جنوب اليمن والدور الذي يجب أن تلعبه حضرموت. فهذه المحافظة، وهي الأكبر مساحة في اليمن والأغنى بالنفط، تنقسم جغرافياً وإدارياً إلى منطقتين: الساحل الذي يسيطر عليه حلفاء الإمارات، وتتركز أهميته في الموانئ وتأمين الطرق البحرية. وفي الموازاة، تتمتع السعودية بنفوذ في منطقتي الوادي والصحراء اللتين تعتبرهما عمقها الأمني المباشر، نظراً إلى طول الحدود المشتركة.
وتستخدم كل من الدولتين قوات محلية لصيانة مصالحها. فالإمارات تدعم “المجلس الانتقالي” الذي يطالب بانفصال الجنوب بكامله أي استقلال حضرموت، فيما تدعم السعودية “مجلس حضرموت الوطني” وتواجه رغبات “الانتقالي”. وقبل يومين، بعدما وصل الخلاف إلى ذروته، انسحب الإماراتيون من قوات التحالف. وثمة من يعتقد أنّ أبو ظبي تحاول تثبيت موقع لها في المنطقة البحرية التي تربط موانئ المكلا وسقطرى وبربرة المقابلة، في دولة أرض الصومال.
في نظر الخبراء، ستقود حدة التنافس الإقليمي والصراع الداخلي في سوريا إلى تدعيم التشرذم، وتوفير الظروف لتفكك الكيان القديم. كما ستؤدي المعطيات الجديدة في القرن الأفريقي واليمن إلى تبديل الخرائط هناك. فبعد أرض الصومال، بات منتظراً أن يشهد اليمن ولادة حضرموت لتكون الكيان الحليف في الجزيرة العربية. وفي ذلك، يكتمل مشهد البداية لما توقّعه خبراء منذ عقود عدة: “التفكك العظيم” في شرق المتوسط، حيث تتلاشى الحدود السياسية القائمة تماماً لمصلحة حدود جديدة. وللتذكير، قبل سوريا واليمن، يمكن الحديث عن نماذج غزة والهندسة الجغرافية والديموغرافية التي جُهزت لها. وأما لبنان والعراق، ففي كل منهما دولة- خيال، وهما يترنحان تحت وطأة السلاح الإيراني العابر للحدود، وفي ظل انقسام طائفي وصل إلى مرحلة “الفيدرالية المقنعة”.
وهكذا، يمكن الحديث عن سلسلة زلازل جيوسياسية من الجنوب إلى الشمال، أو كماشة تحشر بين فكيها الكيانات العربية، من ضفاف المتوسط إلى سواحل بحر العرب. وهذا ما سيؤدي حتماً إلى إعادة تشكيلها تدريجاً.
إنها الجغرافيا السياسية الجديدة في 2026: شرقٌ أوسط ليس لـ”الدول ذات السيادة”، بل للدول التي تشكل ممرات بحرية وبرية وجوية وتحتضن القواعد العسكرية. إنها ليست لحظة العودة إلى ما قبل سايكس- بيكو فحسب، بل إلى ما قبل معاهدة وستفاليا التي أرست، قبل 400 عام، أسس الدول الحديثة والمعاهدات في ما بينها. فالخرائط القديمة احترقت، والخرائط الجديدة تُرسم بالبارود يوماً بعد يوم، إما على رمال الصحاري وإما على سطح الماء… من بحر العرب إلى نهري الليطاني والأوّلي.
من سوريا إلى اليمن: “التفكّك العظيم” بدأ!

الجغرافيا السياسية الجديدة في 2026: شرقٌ أوسط ليس لـ”الدول ذات السيادة”، بل للدول التي تشكّل ممرات بحرية وبرية وجوية وتحتضن القواعد العسكرية
في لحظة الأعصاب المشدودة في سوريا، جاء النبأ الصاعق من تركيا، بإعلان أنها مستعدة لدعم الحسم العسكري هناك، ضد “قسد”، إذا طلبت منها حكومة أحمد الشرع ذلك. فهذا الإعلان يفتح الباب على المجهول في سوريا وشرق المتوسط، في لحظة التحولات المصيرية في بقعة اليمن والقرن الأفريقي. وعلى الأرجح، رسالة أنقرة ليست موجهة إلى “قسد” وحدها، بل أيضاً إلى إسرائيل التي باتت لاعباً أساسياً في منطقتين عربيتين: شرق المتوسط وبحر العرب. لكن لحظة التدخل العسكري التركي في سوريا- التي تبدو أكثر من جدية- ستكون الشرارة التي ستشعل فتيل إعادة رسم الخرائط على شرق المتوسط، فيما الوضع يلتهب في القرن الأفريقي واليمن.
تستعجل تركيا حجز موقع لها على الخريطة السورية، استباقاً لنفوذ إسرائيلي يتزايد هناك، ويحظى بتأييد العديد من الفئات السورية، ولا سيما في السويداء ومناطق الأكراد، ويمكن أن يقود هذا البلد إلى تكرار سيناريو القرن الأفريقي. فتركيا تتوقع أن يكون اعتراف إسرائيل بأرض الصومال “بروفا” لاعتراف مستقبلي بكيان كردي على حدودها. لذا، هي تحاول اليوم شن هجوم استباقي. فـ”الدولة الكردية” قد تصبح الحليف الاستراتيجي الأول لإسرائيل في قلب الهلال الخصيب، وستوازيها إدارة ذاتية درزية في السويداء، ومنطقة عازلة في الجنوب السوري تؤمّن حدود إسرائيل الشمالية، فيما الساحل السوري العلوي يشهد مخاضاً عسيراً في الأيام الأخيرة في اتجاه حالة شبيهة بالحالتين الكردية والدرزية، وربما تضمنها موسكو. وكل ذلك سيضع أنقرة في وضع حرج.
في هذه اللحظة، كان يتحرك حدثان بالغا الأهمية: في اليمن، أضاءت سماء ميناء المكلا نيران الصواريخ السعودية على شحنات أسلحة إماراتية في ميناء المكلا. وفي أرض الصومال، اعتراف إسرائيلي بالكيان المولود. وفي شكل مفاجئ، تحولت حضرموت، أكبر محافظات اليمن، ساحة لصدام الإرادات بين الحليفين السعودي والإماراتي، اللذين دخلا حالياً في وضعية تنافس علني واضح. وتعود جذور الخلاف بين الشقيقين العربيين إلى تباين قديم في الرؤى الاستراتيجية لمستقبل جنوب اليمن والدور الذي يجب أن تلعبه حضرموت. فهذه المحافظة، وهي الأكبر مساحة في اليمن والأغنى بالنفط، تنقسم جغرافياً وإدارياً إلى منطقتين: الساحل الذي يسيطر عليه حلفاء الإمارات، وتتركز أهميته في الموانئ وتأمين الطرق البحرية. وفي الموازاة، تتمتع السعودية بنفوذ في منطقتي الوادي والصحراء اللتين تعتبرهما عمقها الأمني المباشر، نظراً إلى طول الحدود المشتركة.
وتستخدم كل من الدولتين قوات محلية لصيانة مصالحها. فالإمارات تدعم “المجلس الانتقالي” الذي يطالب بانفصال الجنوب بكامله أي استقلال حضرموت، فيما تدعم السعودية “مجلس حضرموت الوطني” وتواجه رغبات “الانتقالي”. وقبل يومين، بعدما وصل الخلاف إلى ذروته، انسحب الإماراتيون من قوات التحالف. وثمة من يعتقد أنّ أبو ظبي تحاول تثبيت موقع لها في المنطقة البحرية التي تربط موانئ المكلا وسقطرى وبربرة المقابلة، في دولة أرض الصومال.
في نظر الخبراء، ستقود حدة التنافس الإقليمي والصراع الداخلي في سوريا إلى تدعيم التشرذم، وتوفير الظروف لتفكك الكيان القديم. كما ستؤدي المعطيات الجديدة في القرن الأفريقي واليمن إلى تبديل الخرائط هناك. فبعد أرض الصومال، بات منتظراً أن يشهد اليمن ولادة حضرموت لتكون الكيان الحليف في الجزيرة العربية. وفي ذلك، يكتمل مشهد البداية لما توقّعه خبراء منذ عقود عدة: “التفكك العظيم” في شرق المتوسط، حيث تتلاشى الحدود السياسية القائمة تماماً لمصلحة حدود جديدة. وللتذكير، قبل سوريا واليمن، يمكن الحديث عن نماذج غزة والهندسة الجغرافية والديموغرافية التي جُهزت لها. وأما لبنان والعراق، ففي كل منهما دولة- خيال، وهما يترنحان تحت وطأة السلاح الإيراني العابر للحدود، وفي ظل انقسام طائفي وصل إلى مرحلة “الفيدرالية المقنعة”.
وهكذا، يمكن الحديث عن سلسلة زلازل جيوسياسية من الجنوب إلى الشمال، أو كماشة تحشر بين فكيها الكيانات العربية، من ضفاف المتوسط إلى سواحل بحر العرب. وهذا ما سيؤدي حتماً إلى إعادة تشكيلها تدريجاً.
إنها الجغرافيا السياسية الجديدة في 2026: شرقٌ أوسط ليس لـ”الدول ذات السيادة”، بل للدول التي تشكل ممرات بحرية وبرية وجوية وتحتضن القواعد العسكرية. إنها ليست لحظة العودة إلى ما قبل سايكس- بيكو فحسب، بل إلى ما قبل معاهدة وستفاليا التي أرست، قبل 400 عام، أسس الدول الحديثة والمعاهدات في ما بينها. فالخرائط القديمة احترقت، والخرائط الجديدة تُرسم بالبارود يوماً بعد يوم، إما على رمال الصحاري وإما على سطح الماء… من بحر العرب إلى نهري الليطاني والأوّلي.













